أهم الأخبار

حاكموا الدولة: حتى لا يظن الاباضية انهم إستثناء (2/2)

أحمد معيوف | 2017/07/21 على الساعة 13:22

{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} الاية 31 من سورة التوبة

تعود جذور ظاهرة التكفير كما اشرت في الجزء الاول من هذه المقالة إلى الخلاف الذي وقع فيه المسلمين أيام الفتنة الكبرى، حيث كفرت جماعة من المسلمين فكرة التحكيم، وادعت أن التحكيم كفر لأنه احتكام إلى الرجال، فكانت الخوارج هي رائدة الفكرة، واتسعت الظاهرة مع ظهور الفرق الإسلامية التي اوجدت مناخاً مناسبا لهذه الظاهرة، فاتخذت طرقاً أخرى متعددة تبدو واضحة من خلال كتب التراث الفقهي والكلامي، لا سيما تلك التي كتبت في عصور التعصب المذهبي العنيف، فتبادل الفقهاء نوعاً من التهم، وتبادل أصحاب العقائد مثل ذلك وتلقف البسطاء من الخلف هذه التهم وأسرفوا في الاعتداد بها حتى جعلوها معيار ما يقبل من الآراء ويرفض. وقد نال ابو حنيفة النصيب الاكبر من التكفير، لذلك ساكتفي بذكر ما قيل فيه حتى لا يتشعب الامر ويطول المقال.

يقول محمد ابو زهرة (1898- 1974م) في كتابه، ابو حنيفة- حياته وعصره، اختلف الناس في أبي حنيفة، فقد تعصب له ناس حتى قاربوا به منازل النبيين المرسلين، فزعموا أن التوراة بشرت به، وأن محمد صل الله عليه وسلم ذكره باسمه، وبين أنه سراج أمته، ونحلوه من الصفات والمناقب ما عدوا به رتبته، وتجاوزوا معه درجته، وتعصب ناس فرموه بالزندقة، والخروج عن الجادة، وافساد الدين، وهجر السنة، بل مناقضتها، ثم الفتوي في الدين بغير حجة ولا سلطان مبين، فتجاوزوا في طعنهم حد النقد ولم يتجهوا الى  ارائه بالفحص والدراسة، ولم يكتفوا بالتزييف لها من غير حجة ولا دراسة، بل عدوا عدوانا شديدا، فطعنوا في دينه وشخصه وايمانه.

الشواهد التي ساقها المخالفين في تكفير ابو حنيفة كثيرة جدا، فقد نقل عن الإمام الشافعي في حلية الاولياء لابي نعيم الاصبهاني (948 - 1039م) أنّه قال: ما وُلد في الإسلام أشأم من أبي حنيفة، وقال أيضاً: نظرت في كتب أصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعددت منها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنّة.

وقال الإمام الغزالي (1058- 1111م) في كتابه "المنخول في علم الأصول": فأمّا أبو حنيفة فقد قلّب الشريعة ظهراً لبطن، وشوّش مسلكها، وغيّر نظامها. وأردف جميع قواعد الشريعة بأصلٍ هَدَم به شرع محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن فعل شيئاً من هذا مستحلاً كفر، ومن فعله غير مستحلّ فسق. ويستمر بالطعن في أبي حنيفة بالتفصيل إلى أن قال: إنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، يلحن في الكلام ولا يعرف اللغة والنحو ولا يعرف الاَحاديث، ولذا كان يعمل بالقياس في الفقه، وأوّل من قاس إبليس .اي ان الامام الغزالي جعل ابو حنيفة في مرتبة ابليس(!!!).

وفي كتاب ربيع الابرار يروي الزمخشري (1047- 1143م) نقل عن يوسف بن أسباط: ردّ أبو حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة حديث أو أكثر، وأنّ أبا حنيفة كان يقول: لو أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخذ بكثير من قولي(!!!).

وقال ابن الجوزي (1116- 1201م) في المنتظم، اتّفق الكلّ على الطعن في أبي حنيفة ـ والطعن من ثلاث جهات: منها  إنّه صاحب رأي وقياس، وإنّ رأيه غالباً مخالف للأحاديث الصحاح. وينقل الامام البخاري (810- 870م) في كتابه التاريخ الصغير رأي سفيان الثوري في ابي حنيفة حيث قال عندما نعي له ابو حنيفة "الحمد لله كان ينقض الاسلام عروة عروة! ما ولد في الإسلام أشأم من أبو حنيفة". وفي كتاب تاريخ بغداد لابوالخطيب البغدادي (1002- 1071م) سئل شريك مم استتبتم أبو حنيفة؟ قال من الكفر. وورد ايضا في كتاب تاريخ بغداد ان حماد بن سليمان ابلغ سفيان الثوري ان يقول لابي حنيفة انه مشرك حتى يرجع عن قوله في خلق القرآن.

ومثل ما قيل في ابوحنيفة ربما يكون قد قيل في باقي الائمة، فجميعهم نعثو بنعوث الكفر او الزندقة من مخاليفيهم، وقد كانت هذه الموجة التكفيرية سمة من سمات العصر الاموي والعباسي (662- 850م)، وتقلصت تدريجيا في القرن الخامس الهجري، فعمل العلماء على رأب الصداع بين المذاهب، ومحاربة الغلو في التكفير. وكأن شأن التكفير كان بضاعة العهدين الاموي والعباسي.

اذا، ما حدث من هيئة الافتاء في حكومة الثني ليس بمستحدث، لكني كتبت عن الموضوع ليس من وجهة الفتوة فهي ليست مستحدثة وليست غريبة، وليس من الغريب - بل من الشائع - ان تتصادم الافكار والمعتقدات، ولا ارى حرجا ان يكفر اصحاب مدرسة فقيه مدرسة فقيه اخرى، رغم ان الامل ان لا يحدث ذلك. كما ليس غريب ان تتصادم افكار مدرسة فلسفية مع مدرسة اخرى. لكن القضية في موضوع الفتوة صدورها عن هيئة رسمية تمثل الدولة، والسكوت عنها من قبل مؤسسات الدولة يعني قبولها، بمعنى ان راي هذه الهيئة الذي تبنته هو رأي الحكومة والبرلمان، وربما الجيش ايضا الذي يحتضن هذه الجماعة التكفيرية التي تهيمن على هيئة الافتاء.

وارى ان على الحكومة والبرلمان، من قبيل النصح، ولكي يثبتا انهما مؤسسات الدولة الليبية وليس مؤسسات فئة في الدولة الليبية، ان يعملا على حل اللجنة العليا للإفتاء، ويشرعان في تشكيل هيئة إفتاء تضم علماء واعضاء يمثلون المذهب المالكي والاباضي (وحتى المداخلة طالما اصبح لهم حضور) حتى لا يطغى رأي فقهي على توجهاتها. واني احي السيد ابراهيم الدباشي مندوب ليبيا السابق للأمم المتحدة الذي كان اول من دعا إلى حل اللجنة العليا للإفتاء التابعة للحكومة المؤقتة إن لم تكذب الفتوى الصادرة عنها، كما احي الدكتور محمد زبيدة الذي خصص حلقة في برنامجه ومضات قانونية على قناة ليبيا 24 لهذا الموضوع، وقبل ارسالي لهذه المقالة اطلعت على البيان الذي صدر عن عدد من المثقفين والحقوقيين ونشطاء من المجتمع المدن بخصوص هذا الامر وهو جيد رغم تأخره، الا ان كل البيانات الصادرة في شجب هذا الامر ادانت الفتوة وكان الاجدر ادانة الحكومة ومطالبتها بحل هيئة الافتاء. لذلك، أوكد مرة اخرى ان لا تكتفي الحكومة بتكذيب الفتوة، بل ان تعمل على اعادة تشكيل الهيئة.

والله من وراء القصد.

احمد معيوف (اميس انتمور)
لندن 18/07/2017

الصابر مفتاح بوذهب | 23/07/2017 على الساعة 11:40
ليقل اتباع الأديان ما يشاؤن ولتفعل الحكومات ما تشاء
السيد الكاتب يقر حفيفة وجود الأختلاف بين اتباع المذاهب المختلفة وهى حقيقة تنطبق على اتباع كل مذهب دينى او فلسفى او حتى سياسى . الفتوى الصادرة عن هيئة فتوى الحكومة المؤقتة لا تخرج عن ذلك . وهى صحيحة ومطابقة لفتاوى قديمة كما يقر السيد الكاتب . واعتراض السيد الكاتب ليس على صحة الفتوى من وجهة نظر من اصدرها وانما على ان اللجنة التى اصدرتها تتبع حكومة يتبعها اتباع مذاهب شتى ولا يصح ان تكون لجنة الفتوى تابعة لمذهب دون آخر . وهذا قول فيه نظر . وليس صحيحا على اطلاقه . وليس بمستغرب ان يكون لدى السادة الإباضية فتاو مشابهة او حتى اكثر شراسة . وهذا شئ متوقع من مذاهب متشددة كالإباضية والمداخلة وغيرها . ربما يكمن الحل فى فصل الدين عن الدولة وليقل اتباع الأديان ما يشاؤن ولتفعل الحكومات ما تشاء .
عبد الله | 23/07/2017 على الساعة 08:13
صدقت يا سعيد...
إلى الأخ سعيد بلغوار: صدقت فيما قلت، وهذا هو جوهر الدين الإسلامي، ولكن مع الأسف صارت السيطرة على الدين حالياً ربما من قبل أحفاد الذين حاربوه في بداية ظهوره الذين وجدوا دعماً منقطع النظير من قبل أعداء الإسلام كونهم خير مطبق لما يودون تطبيقه ألا وهو تفريغ الدين من محتواه المتمثل في مساعدة البشر على حياة إيجابية أمنة منتجة كريمة، هؤلاء الذين لا يوجد في جعبتهم غير الحرام ولا يقولون إلا بما يضيق الحياة على الإنسان وتحويله إلى متعبد على مزاجهم غير السوي المتناقض ما يؤكد ليس على قلوبهم أقفال فقط بل ما هو أنكى ألا وهو اشتراكهم في المؤامرة على الإسلام والمسلمين فهم منبع كل الشرور الموجهة لشعبهم ولبقية شعوب المنطقة....
سعيد | 22/07/2017 على الساعة 21:16
الوحي نزل على العقل
لقد تم اغتيال العقل منذ قرون في هذه الامة ورغم محاولات العقل معايشة النقل والتكامل معه الا انه يلاقي الرفض بل وتعلن عليه الحرب رغم ان الوحي لم ينزل الى على العقل والا لاشتحقت العجماوات رسالة سماوية مثل البشر ولا يخفى علينا المأساة التي عاشها الفيلسوف المسلم ابن رشد في الاندلس وقد صدق احد المفكرين عندما قال -كلما طرقت باب مجتمع من المجتمعات الا وطرحت عليهم ثلاث اسئلة هل تدرسون الفلسفة وهل تدرسونها للناس وهل تقرؤوا قضايا عصركم فلسفيا فان اجابوني بنعم عرفت ان ذلك المجتمع يتجه الى النور وان اجابوني بلا عرفت ان ذلك المجتمع يتجه نحو الظلمات. سعيد بلغوار الجزائر
عبد الله | 22/07/2017 على الساعة 10:35
السياسة هي السبب...
عبر الكاتب عن الموضوع تعبيراً وافياً وبين فيه أن الصراع المذهبي ليس جديداً وأنه مرتبط بالصراع السياسي كثيراً وهذه سمة عامة بين البشر أجمعين الذي يتبع ديناً سماوياً منهم والذي يتبع فكراً بشرياً، وجدث على مر التاريخ صراع رهيب أزهقت فيه أرواح كثيرة وهجر فيه بشر كثيرين، ولعل أوضح مثال على ذلك ما حدث بين البروتستانت والكاثوليك من أتباع الديانة المسيحية في القرون الوسطى. وما لفت نظري هو تحامل بعض المعلقين على فئة معينة من البشر غافلين عن أن المقصود في القرآن الكريم هم أولئك الذين أجبرتهم ظروف الحياة على العيش غير مستقرين في مسيرة البحث عن لقمة العيش غير مطمئنين ما جعل سلوكهم غير سوي بالمقارنة بالبشر المستقرين الأمنين! وهؤلاء لا يوجدون في شبه الجزيرة العربية فحسب بل في كل المناطق المشابهة في الكرة الأرضية بما في ذلك شمال أفريقيا...
احمد | 22/07/2017 على الساعة 09:13
سبق وان حذرنا من تسييس الدين وتطفل الجماعات في ليبيا
لقد حذرنا اكثر من مرة من خطر الجماعات بكل اشكالها ومسمياتها وكيف انها مستوردة وتتبع مدارس فقهية وشيوخ وامراء في دول اخري وخاصة السعودية وتعمل علي غرس وفرض افكارها عبر وساءل مختلفة في ليبيا و لاندري من الذي نصب واختار اعضاء هذه الهيءة المشبوهة
معتز | 21/07/2017 على الساعة 18:14
عدم قبول الآخر
الفثنة بدأت بين معاوية وعلي بن ابي طالب سقطوا فيها كثير من المسلمين ضحية اختلاف سياسي والذي استمر الى يومنا هذا .
ليبي | 21/07/2017 على الساعة 15:09
فكر التكفير القديم الحديث
تكفير الآخر المخالف ليس بجديد عند العرب مند القدم فقد قاتل الصحابة بعضهم البعض فهذا مع علي والآخر مع عائشة وكل يتهم الآخر بالخروج عن الدين. وقاتل عثمان علي بن ابي طالب فمن من احدى هاتان الطائفتان تعتبر فئة باغية؟
آخر الأخبار