أهم الأخبار

هل نُلْدَغُ من نفسِ الجُحْر للمرّةِ الثالثة؟

د. فرج أحمد قرمان | 2017/07/20 على الساعة 13:18

كان كاتبُ هذه الأسطر خلال السنوات الأولى للثورة، من ضمنِ من هلل للإنتخابات ودعى إليها في محاضراته ومقالاته وبرامجه الإداعية وفي الندوات التي أقيمت بالخصوص، فقد كان يرى كغيره من المثقفين (النخب)، أن الإنتخابات هي الوسيلة الأمثل للإسراع في عملية نقل ليبيا من دولة الإستبداد إلى دولة الحرية والعدل وترسيخ مبدء المواطنة وسيادة القانون والتبادل السلمي على السلطة أو ما يُعرف بالدولة الديمقراطية.

جرى إنتخاب المؤتمر الوطني العام سنة 2012 في أجواء رائعة هلل لها العالم كونها حدثت في بلد لم يُعاصر مُعظمَ شعبهِ أي نوع من أنواع الإنتخابات، وافتخر الليبيون بممارستهم هذا الاستحقاق كباقي شعوب العالم المتحضر. جرى إنتخاب البرلمان سنة 2014 في أجواء أقل تفائلية، فلقد تزامن ذلك مع بداية ظهور انقسامات سياسية ومناطقية واجتماعية تحوّلت فيما بعد إلى صراعاتٍ عسكرية أكلت الأخضر واليابس و أتت على النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية.

هذه الانتخابات، كانت في ظاهرها شئ عظيم ولكن في باطنها كانت سبباً في ما آلت اليه البلاد من تشردم وصراعات، فإلى جانب قوانين الإنتخابات المَعِيبة التي إستُخدمت فيها، فلقد تم إجراءها في الزمان الخطاء. التاريخ يعلمنا بأن فترات الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية لا تنجح إلا باحتواء الجميع للتوافق على هدف واحد والذي يتمثل في بناء الدولة الديمقراطية.  فالمصالح الفردية والحزبية والجهوية والعقائدية المختلفة لا تبْني الدولة بل تُعطِل بنائها وتُطيل الفترة الانتقالية بدونِ مُبرر، كما حدث في فرنسا مثلاً، والتي إستمرت فترة إنتقالها إلى الديمقراطية بعد الثورة، إلى أكثر من 80 سنة.

"لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين" حديث صحيح لم نُعيرهُ إهتماماً، فلقد لُدِغنا في المرةِ الأولى باستعجالنا في إنتخاب المُؤتمر الوطني العام قبل أن يتوافق الفاعلون في المجتمع الليبي دون إقصاء لأحد، على شكل الدولة المنشودة. لقد تركنا ذلك الأمر لخليط من أعضاءٍ في مؤتمرٍ وبرلمانٍ لا يَجْمَعَهُم هدفٌ واحد. الكل يسعى لمصالحه ومصلحة حزبه أو قبيلته، حتى لو تعارضت هذه المصالح مع مصلحة الوطن وبناءه. بالطبع، ليس عَيْباً أو نَقِيصةً في المواطنِ أن يسعى لمصلحته ومصلحة حزبه حين يتم بناء الدولة ويستقر نظامها السياسي.

سنة 2014، تم إنتخاب مجلس النواب. هنا لُدِغْنا مرة ثانية من نفس الجُحْر، بل زِدْنا علي ذلك، اسْتِخْدَامُنا لأسواء نظام إنتخابي عرفه العالم ولا يستخدم حالياً إلا في أفغانستان، ألا وهو نظام الصوت الواحد غير المتحول (Single Non-Transferable Vote). نتج عن هذا الانتخاب، برلماناً إنكشفت سؤته مندُ اليوم الاول لإنعقاده، ودخلت ليبيا بذلك، في دوامة من الصراعات السياسية والعسكرية، لم تستطيع أن تخرج منها إلى يومنا هذا.

ما يجمع الخطئين هو أنهما أُجْريَ في الزَمانِ الخطأ، فلقد قُمنا في الحالتين، بوضعِ العربةِ أمامَ الحِصَان ودعونا لها بالتوفيق وانتظرناها بصبر غير معهود، لتتحرك بنا نحوى دولة الأحلام.

مُبادرةُ فائز السرّاج رئيس المجلس الرئاسي ورئيس حُكومة الوفاق، لإنتخابات تشريعية ورئاسية في مارس القادم (2018) هي (بعلمٍ أو بدونِ علمٍ منه)، دعوة لِنَضَعَ يَدَنا في نفسِ الجُحْرِ الذي لُدِغْنا منه مرتين من قبل. فنحن لم نتوافق بعد، على شكل الدولة ولا على قانون للأَحزاب. قد يرى البعضُ أن في هذه المبادرة مَخْرجاً لما نحن فيه والبعضُ يرى فيها قَطْعاً للطريقِ عن ما يُدَبِّر له قائد الكرامة، خاصة بعد وعيده بتولي زمام الأمور في الدولة بعد شهر ديسمبر المقبل.  قد يكون في هذا الرأي جزء من الحقيقة ولكن من خلال نظرة أشمل وأبعد، فالإنتخابات في هذه الظروف من الأنقسام والصراع السياسي والجهوي لا يمكن تنفيذها بشكل سليم، ولن يؤدي تنفيذها في هذا الوقت إلا لمزيد من التأزم وسَتَفْتح المزيد من أبواب المعاناة على الشعب الليبي.

الحَلُ يَكْمَنُ في جَمْع كل الفاعلين على الأرض دُونَ إستثناء ولا إقصى لأحد في مكان واحد، وتحت إشراف وضغط من دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، للتحاور للخروج بِحلٍ، ليس كما يُقَال "يرضي الجميع"، فهذا من سابعِ المُستحيلات، ولكن للخروج بحلٍ "لا يَرْفُضُه أحدٌ" من المُجتمعين. هذا بالتحديد ما فعله الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر سنة 1978 مع كل من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي مناحم بيغين، الذي جَمَعَهُما في مُنتجع كامب ديفيد لمدة 12 يوما مُتواصلة ليخْرجا بحلٍ لا يُعارضه أي من الطرفين. وهذا أيضاً، ما فعله بعد ذلك بإثنان وعشرون سنة، الرئيس الأمريكي الأسبق بل كلنتون سنة 2000 مع كل من ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك الذي جَمَعَهُما في نفسِ المُنتجع لمدة 14 يوماً متواصلة ليخرجا بحلٍ لا يُعارضهُ أي من الطرفين.

حفظ الله ليبيا.

د. فرج أحمد قرمان
fargarmn@yahoo.com

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
الصابر مفتاح بوذهب | 23/07/2017 على الساعة 16:48
الحل فى العودة الى النظام الأتحادى
يا دكتور ما رأيك لو تتم تجزئة المشكلة الكبيرة الى مشاكل صغيرة بمعنى ان تتولى الأقاليم الليبية التاريخية معالجة ما يخصها من مشاكل داخل حدودها الأدارية . اى ان يقتصر النقاش والحوار على اقامة علاقة ثابتة وعادلة ومتكافئة بين الأقاليم الثلاثة مع حفظ حق المواطن فى الأقامة والعمل فى كافة ارجاء الوطن بدون قيد او شرط . اى ان الحل يكمن فى العودة الى النظام الأتحادى .
عبد الله | 23/07/2017 على الساعة 11:29
إنها مشكلة دقيقة واحدة..لو..
...وضغط من دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، للتحاور للخروج بِحلٍ..."، وهنا تقع المشكلة بالتحديد... لو أرادت أمريكا لما حصل ما حصل، والأمر كله بيدهأ..قال كلينتون عن مشكلة لكربي: إنها مشكلة دقيقة واحدة! ويقصد أن الأمر كله في يدنا ونحن نعرف ما نريد، وأنتم ألعوبة بين أيدينا، ونجحنا نجاحاً كبيراً في تحويل أعداداً يصعب حصرها من الطارقين لأبوابنا يرجون موافقتنا على قبول خدماتهم! الحل أبحث عن وطن إن كان لديك القدرة وإن لم تكن فلا حول ولا قوة إلا بالله....
عبد الله | 23/07/2017 على الساعة 11:20
والرابعة، والخامسة ووو
والمرة الرابعة والخامسة ووووو وما يؤكد ذلك كم يوجد مجلس في ليبيا حالياً يطرح فيه السؤال المهم: إلى متى سنظل مضحكة؟! ألم يحن الوقت لإتباع نظام ما يجعلنا قادرون على تفادي وقوع الفأس في الرأس إن لم يكن جعل حامله لا يفكر أصلا في توجيهه نحو الرأس لإدراكه أننا منتبهون جيداً لذلك وربما يدفع ثمناً باهضاً بسبب تفكيره في ذلك؟ ومنذ متى كان المصنع يمكنه تحديد الشكل الذي سيحدده الصانع له....
كاتب المقال | 20/07/2017 على الساعة 18:04
هناك خطاء وجب تصحيحه والاعتذار عنه
حوار كامب ديفيد سنة 1987 كان بين الرئيس المصري انور السادات ورئيس وزراء اسرائيل مناحم بيغن
آخر الأخبار