أهم الأخبار

الطفولة الأبدية (1)

محمد حسن البشاري | 2017/07/19 على الساعة 13:08

هناك نوع من البشر لا يكبرون ابدا ويستمرون في التعثر في حياتهم وليس في استطاعتهم التعلم من أخطاء وتجارب الاخرين فقط بل حتى من أخطاءهم أنفسهم ويكررون نفس الخطاء عشرات بل مئات المرات وفي أحيان كثيرة الى الأبد، هذا على مستوى الأفراد وينطبق الوصف على مستوى الجماعات والأحزاب وحتى الدول بل حتى الأمم أيضا،   فقد تجد جماعة مثلا أو حزب معين لا يخرج من هذه المرحلة على الرغم من مرور قرابة القرن على ولادته ويستمر في الدوران حول نفسه وداخل نفس الدائرة ويدوخ هو ويدوخ (إللي معاه واللي يالاه) ولا يصل الى أي نتيجة ويرفض الاعتراف بالفشل لأنه يراه عارا وشنانا عليه وعلى أتباعه فيحاول تعليقها على مشجب المؤامرات الخارجية وعلى الاستعمار والصهيونية والماسونية العالمية ولا يدرك أنه من السياسة ترك السياسة وأن من يحب قومه وشعبه لا يبخل عليه بأن يترك الساحة لغيره كما فعلت الكثير من الأحزاب والجماعات التي ظهرت واختفت خلال القرن المنصرم من نازية وفاشية الى الشيوعية التي حكمت نصف العالم طوال 70 سنة وفي النهاية لم تجد بدا من الاعتراف بالفشل وترمي بكل ما آمنت به الى مزبلة التاريخ لا أن تغير جلدها من آن لآخر لتوهم الناس بأنها عصرية وهي في الحقيقة تظهر وكأنها مهرج يقوم بحركات بهلوانية ليضحك ويعجب به الأطفال وهو يعتقد بأنه ضحك على الكبار، ومن الغريب أننا نسعى لتبني آخر ما وصل اليه الطب والهندسة والتكنولوجيا مثلا ولا نتبنى آخر ما وصل اليه الفكر الإنساني في الفلسفة والسياسة وغيرها.

والطريف في الأمر أن النخب العربية تشترك مع العامة في هذا التوجه الغريب وللدلالة عليه أنقل هنا بالحرف المقدمة التي كتبها السيد/ الطاهر لبيب رئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع في الصفحة 19 و20 من كتاب (صورة الاخر، العربي ناظرا ومنظورا اليه) الذي نشره مركز دراسات الوحدة العربية في الطبعة الأولى، بيروت 1999: "إن الندوة الدولية التي عقدتها الجمعية العربية حول "صورة الآخر" من 29 الى 31 آذار/ مارس 1993 في مدينة الحمامات في تونس كانت، من دون شك، أول لقاء علمي متخصص في البلدان العربية يتناول هذا الموضوع ويتداول اشتقاق "الآخرية"، عوضا من "الغيرية".

وبما أن ندوة 1993 ضمت باحثين من أقطار عربية، وآخرين من بلدان غربية، فقد يكون مفيدا، قبل عرض أعمالها، لفت الأنتباه إلى بعض الظواهر ذات الدلالة، من وجهة ثقافية مقارنة:

"إن أول ما يلاحظ أن الطرح الذي يتحول فيه مركز التركيز على الذات إلى الآخر لقي بعض العسر في الأستجابة له لدى أغلبية المشاركين من علماء الاجتماع العرب. إن ندوة 1993 الدولية قدمت بوضوح كاف الموضوع المتمثل في أن يعرض كل مشارك صورة الآخر في مجتمعه أو مجتمع عربي يختاره. ومع ذلك، فإنه في الوقت الذي تقيدت فيه أغلبية المشاركين من غير العرب بالموضوع المطروح فضلت أغلبية المشاركين من العرب تناول صورة العربي لدى الآخر. ويمكن القول بأن هذا الإصرار العربي على متابعة الذات كان من المؤشرات الثقافية البارزة في الندوة.

وبما أن التناول العربي "المعكوس" للموضوع المطروح أخل بتوازن المساهمات وبتجانسها فإن الجمعية العربية لعلم الاجتماع اضطرت الى عقد ندوة عربية في الحمامات / تونس من 15 الى 17 تشرين الثاني / نوفمبر 1996، وذلك للإجابة عن السؤال الذي أعادت طرحه وألحت في طلب الإجابة عنه : كيف يرى العرب الآخرين؟ لذلك فإن كل الأوراق غير العربية الواردة في هذا الكتاب هي من ندوة 1993، في حين أن أغلبية الأوراق العربية فيه هي من ندوة 1996 : ثلاث سنوات إضافية لتقبل الثقافة العربية الإجابة عن السؤال." أنتهى الإقتباس

ويبلغ المشاركون العرب وهم كلهم قامات كبيرة في تخصص علم الإجتماع 29 عالما من إجمالي العدد الكلي للمشاركين وهم 56 عالما من جميع أنحاء العالم تقريبا (أسبانيا 1، الأردن 2، الجزائر 1، السعودية 1، المغرب 2، السودان 1، المجر 1، النرويج 1، اليابان 1، إيطاليا 7، أمريكا 2، بولونيا 1، تشيكيا 1، تونس 2، روسيا 1، سويسرا 1، سوريا 1، فرنسا 9، فلسطين 2، فنلندا 2، لبنان 5، ليبيا 1، مصر 7، هولندا 3) مع العلم أن هذه القائمة قمت بإعدادها بعد أن نقلت قائمة المشاركين في الصفحات 15-17 الى جدول Excel على الجهاز ومن ثم قمت بتصنيفها حسب الإقامة وليس بحسب أصل جنسية الباحث فالبعض من العرب تم إحتسابهم ضمن الدول الغربية لأنهم يقيمون في هذه الدول والكثير منهم متجنسين بجنسية هذه الدول أي يمكن القول بأنهم غربيون وعلى الرغم من ذلك (كما فهمت من المقدمة المذكورة في الإقتباس أعلاه) فقد فكروا بالتفكير المعكوس الذي فكر به زميلهم العربي المتواجد في إحدى الدول العربية فما هي الأسباب التي أدت الى ذلك يا ترى؟ وهو السؤال الذي طرحه السيد الطاهر لبيب وأشار ضمنيا الى ضرورة دراسته والى الآن (حسب علمي) لم يثار ولم يدرس بأي شكل من الأشكال وهو من المؤشرات الهامة الإضافية على تقاعس النخب والجمعيات العربية المتخصصة في جميع المجالات في دراسة حتى الظواهر التي تمس أداء أفرادها بشكل مباشر وهو العكس تماما في المجتمعات الغربية التي لا تتأخر على الإطلاق في دراسة أي ظاهرة تلفت الانتباه ولو كانت في المجتمعات الشرقية وذلك منذ زمن بعيد وليس أدل على ذلك هذا العدد الهائل من العلماء المستشرقين الذين حاولت في أكثر من مرة أن أحصيهم عددا فلم أستطع الى ذلك سبيلا حتى على وجه التقريب.

وتجدر الإشارة أيضا الى أن عدد الأبحاث تبلغ 53 بحثا فقط لأشتراك 6 باحثين في إعداد 3 بحوث أي باحثين أثنين في كل بحث، وقد يكون من المفيد الإشارة هنا الى أنني أطلعت على مقدمة الكتاب (الإقتباس المذكور) في نهاية 2010 وأيضا على بعض الأبحاث المبثوثة في الكتاب الذي تبلغ صفحاته 932 صفحة من القطع الكبير بدون الفهرس الأخير الذي إذا أضفناه تصبح 956 صفحة ولم أنكب عليه الا في شهر رمضان الماضي (يونيو 2017) حيث أستمتعت به أيما استمتاع وكان ذلك بعد بدايتي لكتابة هذا المقال الذي شرعت فيه قبل رمضان،   ولذلك فإن ما ورد في البداية وما سيرد في هذا المقال لا يعتبر تحليلا للأسباب التي أدت الى هذا التناول المعكوس لمادة البحث لأنني لا أعتقد بأنني أملك الأدوات اللازمة ولا المعرفة ولا الأمكانيات لمثل هذا التحليل ولكنني أعتقد أن لي كل الحق بل أنه من واجبي أن أساهم ولو بالقدر اليسير في تحليل الأسباب التي أدت الى هذا التخلف المريع الذي نعيش فيه بشكل يومي بصفة عامة،   أما الكتاب والأبحاث التي فيه فتستحق منا الوقوف عندها وقد يسعفنا الوقت لعرض أهم ما جاء فيها في مقال قادم نخصصه له إن شاء الله تعالى.

يتبع...

محمد حسن البشاري
Mbeshari@hotmail.com
بنغازي 18 يوليو 2017

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
غومة | 19/07/2017 على الساعة 20:28
علم الاجتماع وليد الفلسفة وبدونها يصبح مجرد استطلاعات وإحصائيات...؟
قديما قال أفلاطون ان الحياة التى لا تفحص غير جديرة بالمعيشة! ومنها ربما جاء النص المقدس اعرف نفسك! الشخص او المجتمع الذي لا يعرف نفسه لا يستطيع ان يبني صورة صحيحة وحقيقة عن الاخر او العالم. اي الانسان الجاهل بذلته وخصاءصه لا يمكن ان يكتشف خصاءص وذات الآخرين، ومن هنا يبني صورة خاطئة عن العالم ومن فيه، وينغلق على نفسه خوفاً من تيهه، او ضياع ما يعتبره ضروري لإرساء ملامحه. التعليم التقليدي المبني على النقل والتقليد ربما هو الذي جعل معظم ما نعتهم بالفطالحة يصرون على نقل صورتهم من الاخر بدل من رسم كيف هم ينظرون للاخر، او كيف ينظرالاخر لهم؟ ما أطلقت عليه بحوث ربمامجرد essays والا لما كانت الغزارة التي ذكرتها. من يطلقون على أنفسهم علماء الاجتماع مشهورين، بعد علماء السياسة، بالكلام الكثير بدون قول اي شيء جديد او مثمر! ما احوج العالم العربي لعلماء الاجتماعيات الذين يغمرون أنفسهم في خصوصيات وتصرفات تللك المجتمعات ويخرجون بصورة اكثر صدقاً من مجرد استعمال الأدوات البحثية الغربية وتقليد النتاءج التي يصلون لها. شكراً. غومة
آخر الأخبار