أهم الأخبار

أزمات النخب في زمن الثورات

عبدالمنعم الشوماني | 2017/07/18 على الساعة 12:06

ثمة اعتقاد خاطئ لدى قطاع واسع من الناس - بما في ذلك الطبقة المتعلمة - وهو أن الثورة حدث يخطط له المثقفون أو يصنعونه وينفذه غيرهم، وفي الحقيقة الأمر غير ذلك، إذ أن الثورة في تصوري هي( بركان يستيقظ نتيجة لتراكمات متعددة تضغط على طبقة مجتمعية فتنفجر في شكل حمم حارقة).

غير أن مسؤولية النخبة في زمن الثورات أشد تعقيداً وصعوبة في غيره، لأن الحمم البركانية إن ذهبت تطفئها حرقتك، وإن تركتها ونأيت بنفسك عنها، أتت اليك وحرقتك أيضاً، وهي تحتاج من يوقفها بعدما تحرق تلك الطبقة التي ضغطت عليها وكانت سبباً في انفجارها، دون الحاجة لحرق مساحات واسعة.

ولأن الثورات هي حالة هروب من زنازين القهر، فالثوار يتصورون أن كل سياج هو زنزانة يجب تحطيمها، وأن قيود الحرية، يجب ألا تعود، وتنشأ حالة هستيرية تعم المجتمع من التطلع نحو حرية بلا سقف بل حرية بلا عادات مكبلة، ولاقوانين مقيدة، ولادين معرقل، وفي هذه الحالة الهستيرية تداس كرامات وتتحطم قيم مجتمعية تكونت عبر اجيال، وتظهر الصورة البدائية للبشرية، التي يأكل فيها القوي الضعيف، وهنا تكون النخب في حالة سكر، فجزء منها وقف ضد الموجه الاولى مدركاً خطورة تلك الحمم على المجتمع المتكون في ظروف قهرية وعقد مجتمعية، لكنه نسى في غفلة من خوفه على المجتمع أنها قد تحرقه هو أيضاً، فهي متى انطلقت لا يمكن إيقافها، ونخب سايرت وتبنت تلك الانفجارات وسارت في ركبها، وفرحت بحرقها لقيود الاستبداد، لكنها أرادت توجيهها نحو اهداف فئوية - ليست مجتمعية - وأرادت صنع ثورة من داخل الثورة، وهي رأت في سياسة التحطيم والتدمير فرصتها للخلاص من خصومها في زمن ما قبل الثورة، لكنها هي الأخرى نست أن الثورة هي ثورة على الزمن الماضِ بكل ما فيه، وهي من هذا الماض، الذي تحطم كل مافيه، وهي لن تكون إستثناءً من حركة الثورة، لأنها لم تكن قادرة على فهم الواقع الجديد، ولا اعادة ترتيب نفسها معه، فكان أن غدت أولى ضحايا الموجه الثانية من الثورة، والتي سمتها - الثورة المضادة- وهي لو فهمت حركة المجتمعات البشرية في زمن الثورات لادركت أن الحمم في طريقها اليها.

وهناك نخب وهمية، سلمت من الموجة الاولى، وظنت أنها فهمت الحراك المجتمعي الكبير في بداية الثورة، فسايرت الموجه الثانية من الحمم بعقلية ثورية تحت شعار - مايطلبه الثائرون - لكن لسوء تقديرها ولأنها نخب مزورة، ولدت بزواج غير شرعي بين الدهماء والثورة في زمن غياب القانون، فإنها تكون ضحية قادمة بعدما ارتكبت جنايات التحريض على ارتكاب خطايا البشرية في اولى عهود نشأتها.

وفي الحقيقة أن احد أهم ضحايا زمن الثورات هم نخبها، خاصة عندما تكون هذه النخب لم تعايش طبيعة الثورات، ولم تكن على اطلاع بالحراك البشري الهائج فيها، وأن واجبها هو اخمادها بسرعة بعد انفجارها، دون الوقوف في وجهها ومنعها، لأنها حدث تراكمي تكون عبر عقود واجيال، كما من الخطأ أيضاً العمل على اعادة صنعها، فهذا وهمُ ناتج من عدم فهم طبيعة نشوء الثورات.

الثورة ليس لديها مبادئ الفلاسفة، ولا آمال الساسة، ولا أخلاق النبلاء، الثورة حالة انفجار لكسر تراكمات من الضغط والقهر الطبقي فقط، ومتى كسرت تلك الطبقة وخرج بركانها للسطح تكون قد نجحت. أما تلك الطبقة التي حطمتها الثورة في ثورتها الاولى، فهي لن تعود لتسد فوهة البركان من جديد، كما أن الحمم التي خرجت منه لن تعود لقعره كما كانت خامدة فيه، وفوهة البركان يستحيل سدها وترميمها حتى بعد خموده، فهي تبقى مفتوحة مشرعة، لتكون شاهدة على حالة قهر وانفجار ولَد قهراً. احدى أهم أزمات النخب في زمن الثورات، أنها لا تكون قادرة على التعايش مع واقع جديد دون التخلص من حزازات الماضِ، فكيف تخلص المجتمع منه!!!

عبدالمنعم الشوماني

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار