أهم الأخبار

محاصرة داعش في سرت لا تمنع تمدده في المنطقة

ليبيا المستقبل | 2016/07/21 على الساعة 17:22

محاولات القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا لا تخلو من أخطار تتعلق بأمن الدول المجاورة خاصة تونس ومصر اللتين تعتبران من أثمن أهداف داعش لحساسية البلدين من أيّ هجوم إرهابي. ففي هذه الأيام تشهد مدينة سرت الليبية معارك ضارية للقضاء على التنظيم الإرهابي، لكن التهديد يكمن في أن مسلحيه الإرهابيين سيعيدون انتشارهم في أشكال أخرى، وسيزيدون الوضع في مالي تعقيدا غير مسبوق.

العرب اللندنية: آخر الأخبار في عملية "البنيان المرصوص" التي تقوم بها الفصائل الليبية المسلحة ضد تنظيم داعش في مدينة سرت تفيد أن أبوشعيب السنغالي أحد أبرز قيادات تنظيم داعش بمدينة سرت قد تم قتله خلال اشتباكات دارت الثلاثاء 19 يوليو الجاري، في المحور الجنوبي بمحيط مجمع قاعات واغادوغو في سرت. لكن قراءة عدد من المراقبين والمسؤولين الأميين تشي بأن المعركة ضد التنظيم سوف تكون الأخيرة، ولن تكون في المستقبل محافظة على شكلها الحالي الذي أصبح شكلا تقليديا في تجميع الجيوش والفصائل من حول المدينة التي يسيطر عليها التنظيم للقيام بعملية اكتساح شاملة، تماما كما يحدث في العراق مع مدينة الفلوجة، حيث يتشابه النموذجان الليبي والعراقي في أن الجيش النظامي مشتت وتنخره الميليشيات وهذا ما يصب في صالح تنظيم داعش الإرهابي ويقوي تمركزه في المدن التي يسيطر عليها.

إعادة انتشار داعش

لن تكون مدينة سرت خسارة داعش الأولى التي يتكبدها، ففي وقت سابق استولى تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا على مدينة درنة بعد أن عاد المقاتلون الجهاديون الليبيون من صفوف "كتيبة البتار" إلى ديارهم بعد انضمامهم إلى المنظمة الأم تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا عام 2012. ولكن تحت ضغط الضربات الجوية التي شنتها القوات المصرية والإماراتية والجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، والأهم من ذلك الميليشيات الأخرى المتنافسة على الأرض، قام تنظيم داعش بإجلاء مدينة درنة في يونيو 2015، إلا أن التنظيم الذي أثبت مرونة في استراتيجيته ظهر أكثر قوة في خليج سرت، وهذا دليل على أن التكتيكات البديلة دائما ما تكون حاضرة في بديهة قيادات داعش.

إلى جانب ذلك، فإن التنظيم الإرهابي قابل للتكيف بشكل تام، حيث يشن في البعض من الأحيان هجمات إرهابية وحرب عصابات تقوم على وحدة صغيرة عادة ما تتصف بها الجماعات التي لا تسيطر على الأراضي، فيما يعمل أحيانا أخرى كقوة تقليدية تفرض سيطرتها على الأرض. وبناء على ذلك، بينما سيشكل تجريد التنظيم من عاصمته في شمال أفريقيا ضربة استراتيجية لمشروع بناء الخلافة، فإن ذلك لن يسلبه القدرة على شن المزيد من الغارات والهجمات الانتحارية والتفجيرات القائمة على مجموعات صغيرة كالتي ميزت نشأته الأولى في ليبيا.

هذا الاتجاه بأن داعش يمكن أن يعيد انتشاره في أشكال أخرى يجد صداه في تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الثلاثاء الماضي، والذي حذر فيه من أن تقوم عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية بعد الفرار من مدينة سرت معقلهم الرئيسي في ليبيا، بتشكيل خلايا جديدة في مناطق أخرى من هذا البلد وفي شمال أفريقيا. وأعرب بان عن مخاوفه في تقرير سري إلى مجلس الأمن حيث أكد أن هذا التنظيم المتطرف لن يستسلم بمجرد خسارته لمدينة يسيطر عليها وإنما هو تنظيم مدرب جيدا على حرب العصابات. وجاء في تقرير بان كي مون "إن الضغوط التي تمارس مؤخرا على تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا قد تحمل عناصره بمن فيهم المقاتلون الأجانب، على نقل مواقعهم وإعادة التجمع في خلايا أصغر وأكثر انتشارا جغرافيا، عبر ليبيا وفي الدول المجاورة".

إن الوجود المستمر لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا يتيح أيضا المجال لشن المزيد من الهجمات الإرهابية على نطاق واسع في تونس ومصر. فمثلما حفز فقدان التنظيم للأراضي في العراق وسوريا على حدوث تحول استراتيجي نحو رفع عدد القتلى والجرحى، والهجمات الإرهابية غير المتماثلة في بغداد وإسطنبول والمدن الأوروبية، يمكن أن ينتهج التنظيم المسار نفسه في تونس والقاهرة وأماكن أخرى.

ووفقا لأحد التسجيلات المتاحة للجمهور عن مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا المتواجدين حاليا في مدينة بن جواد بين 8 مايو و6 يونيو، فإن أغلب المقاتلين الأجانب في المنطقة قدموا من مصر وتونس وأماكن أخرى في أفريقيا (ولا يشمل ذلك الأعضاء من ليبيا نفسها). بالإضافة إلى ذلك، زعم مسؤولو الأمن في تونس مؤخرا أن الأعضاء التونسيين في تنظيم داعش يخططون لمهاجمة قوات الأمن والقطاع السياحي المحاصر في البلاد.

وفي الواقع، تفيد البعض من التقارير أن البنية التحتية التابعة للتنظيم والتي يهيمن عليها التونسيون في مدينة صبراتة الليبية قد شنت هجمات عبر الحدود في الماضي ويمكن أن تفعل ذلك مرة أخرى. وأشار تقرير بان كي مون السري في هذا السياق إلى أن العشرات من المقاتلين التونسيين عادوا إلى بلادهم بنية تنفيذ اعتداءات، وذكرت الوثيقة أنه يتم إرسال أموال من ليبيا إلى جماعة أنصار بيت المقدس التي أعلنت ولاءها لتنظيم الدولة الإسلامية والناشطة في سيناء المصرية. كما ذكر بان كي مون أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الناشط في مالي وكامل منطقة الساحل، مازال يحصل على أسلحة وذخائر من ليبيا وهذا ما أكدته مسؤولة أممية.

مالي الحديقة الخلفية

تتطابق تحليلات المراقبين مع تصريحات بان كي مون في خصوص إعادة تشكل تنظيم داعش في صور مختلفة تستهدف تقويض أمن ليبيا بشكل دائم والبعض من الدول المحيطة، خاصة وأن ليبيا التي تعاني تطاحنا أهليا منذ سقوط نظام معمر القذافي محاطة بدول إقليمية تشهد اضطرابات هي أيضا. وقالت راضية عاشوري، المتحدثة باسم البعثة الأممية في مالي (مينوسما)، إنه كلما وقع تضييق الخناق على الإرهابيين في بؤر النزاع بالقارة الأفريقية، إلا ووجدوا ملجأ لهم في مالي.

وأوضحت عاشوري أنها تستند إلى تشابك معقد بين معطيات تشكلت لتجعل من مالي منطقة لجوء بالنسبة للإرهابيين، أوّلها الامتداد الجغرافي لدولة تعتبر سابع أكبر بلد في القارة الأفريقية، بمساحة تناهز المليون و241 ألفا و238 كيلومترا مربّعا. أما العامل الثاني، بحسب المسؤولة الأممية، فيتعلق بالحدود التي تتقاسمها مالي مع 7 دول تعاني في معظمها من "أوضاع غير مستقرة"، و"حدود غير مؤمنة على النحو المطلوب"، علاوة على الهشاشة التي يعاني منها هذا البلد الأفريقي الذي أنهكته حرب اندلعت منذ 2011، تديرها المجموعات المسلّحة الناشطة في مناطقه الشمالية، ولم تحط أوزارها حتى الآن. وتشير عاشوري إلى أنها حرب تؤججها "مطالب اجتماعية وسياسية واقتصادية" لحركات مسلحة جعلت من الشمال المالي مرتعا ومعقلا للإرهاب، حيث استطاع أن يتوسّع ويتغذّى بحسب مراقبين من الشبكات المتطرفة الناشطة سابقا في الجزائر، ومن أدفاق المحاربين السابقين العائدين أو الفارين منذ 2011 من الحرب في ليبيا.

حسب هذه التصريحات، فإن شريان الحياة البديل سوف يكون بالتأكيد مالي، فجل القبائل الشمالية في البلاد من جماعات البرابيش العربية وقبائل التبو والتركيبات القبلية الأخرى المعقدة سوف تكوّن بنسيجها المتداخل البيئة الملائمة لتغلغل عناصر تنظيم الدولة الإسلامية الذين تفككت تنظيماتهم في ليبيا ويستعدون للانتشار في أماكن أخرى.

وبالفعل، فقد بدأ الحديث عن توافد فعلي لعناصر الدولة الإسلامية من ليبيا إلى مالي في الأيام الأخيرة حسب متابعين، وقد ارتفعت وتيرة الهجمات الإرهابية في مالي منذ يومين كمؤشر على وصول مقاتلين من داعش للسيطرة على البعض من المناطق شمال البلاد وتأسيس"سرت ثانية" تكون في الصحراء الشمالية لمالي. وقد صرح وزير الدفاع المالي تيمان هوبرت كوليبالي أن متشددين إسلاميين قتلوا 17 جنديا وأصابوا 35 في هجوم على قاعدة عسكرية في وسط البلاد بعد أن أطلقوا خلاله النار على مواقع للقوات وأحرقوا مباني ونهبوا متاجر. وهذا الهجوم هو الأكبر الذي يتعرض له الجيش في مالي منذ أشهر في دولة تواجه تهديدا متناميا من الجماعات الإسلامية المتشددة المتمركزة في شمال البلاد الصحراوي.

وتمثل مالي إحدى أهم المناطق الاستراتيجية بالنسبة لعدد من التنظيمات الإسلامية المتطرفة وليس فقط داعش، فالقاعدة تنشط بشكل كثيف في تلك المناطق بالتعاون مع الجماعات التابعة لها والمختصة في التهريب وتجارة السلاح وحتى المخدرات. لذلك فربما تشهد الأيام القادمة تحولات جديدة في خارطة توزع الجماعات الإرهابية في شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء، فإما أن تتحالف التنظيمات الإرهابية وإما أن تتصارع فيما بينها لفرض نفسها مفردة.

لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل