أهم الأخبار

ليبيا "عدسة مكبرة" تكشف خفايا الصراع بين أطراف أزمة قطر

ليبيا المستقبل | 2017/06/14 على الساعة 14:58

ليبيا المستقبل (عن دويتشه فيله): تتزايد المخاوف من تحول ليبيا إلى أكبر ميدان تنعكس فيه صراعات أطراف أزمة قطر. من جهتها، تسارع برلين وعواصم أوروبية أخرى الخطوات في محاولة لكسر دوامة العنف وإقناع الأطراف بقبول الحل السلمي للأزمة. والمواجهة المفتوحة بين قطر وخصومها في الخليج ومصر يبدو أنها لم تكن تنتظر إشارة الانطلاق التي حملها بيان الدول الأربع: السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر بعزل قطر ومقاطعتها.

فنٌذر المعركة على الواجهات الإعلامية والسياسية وحتى الميدانية كانت تدور منذ أسابيع بل شهور على المسرح الليبي. وقد اشار وزير الخارجية الألمانية زيغمار غابرييل خلال زيارة خاطفة إلى العاصمة الليبية نهاية الأسبوع الماضي، الى أن"العواقب السياسية والإنسانية والسياسية الأمنية للصراعات في الشرق الأوسط تتضح بشكل جلي في ليبيا وكأنها تحت عدسة مكبرة".

ليبيا البلد الغني بالنفط الذي يعيش حالة فوضى أمنية بعد ستة أعوام من إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، تعجز فيه لحد الآن حكومة الوفاق الوطني المدعومة من المجتمع الدولي في السيطرة على الأوضاع، بسبب الصراع السياسي والمسلح بين قوتين متنازعتين على السلطة والثروة في البلد مترامي الأطراف جغرافيا بين البحر الأبيض المتوسط والصحراء الإفريقية.

وراء القوتين المتصارعتين في ليبيا يقف طرفا أزمة قطر، فـ"الحكومة المؤقتة" التي يرأسها عبد الله الثني وتتخذ من مدينة البيضاء شرق البلاد مقرا لها، يدعمها "الجيش الوطني الليبي" بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفترالمناهض للإسلاميين، ويحظى هذا الأخير بدعم علني من قبل مصر والإمارات العربية المتحدة. وعلى الطرف الآخر تقف قطر ومعها تركيا كداعم لقوى إسلامية وميليشيات مسلحة تسيطر على العاصمة طرابلس وغرب البلاد.

مصر والإمارات تضاعف ضغوطها

حكومة عبد الله الثني كانت من أوائل المؤيدين لبيان عزل قطر وقطع العلاقات معها، بل إنها هاجمت الدوحة واتهمتها "بدعم الإرهابيين في ليبيا". ومن يتفحص "اللائحة السوداء" لشخصيات وكيانات تتهمها الدول الأربع (السعودية، الإمارات، البحرين، مصر) بالإرهاب والإرتباط بقطر، يلاحظ حضورا لأسماء شخصيات وكيانات ليبية، ويأتي في مقدمتها الإسلامي عبد الحكيم بلحاج الذي لعب دورا رئيسيا في الإطاحة بنظام معمر القذافي، وشخصيتان دينيتان بارزتان، هما مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني والداعية الإسلامي علي محمد الصلابي. كما ضمت اللائحة كيانات مسلحة منها"سرايا الدفاع عن بنغازي"، بالإضافة إلى مؤسسات خيرية ومصرفية وشخصيات قطرية تتهمها الدول الأربع بتمويل "إرهابيين في ليبيا".

وتنشر قنوات تلفزيونية ومواقع التواصل الإجتماعي منذ أيام سيلا من التقارير والصور والفيديوهات تقول إنها توثق لتدخلات وأدوار قطرية وتركية"مسلحة واستخباراتية" في ليبيا. فيما تبدو حملة منظمة تظهر أحيانا عبر حسابات أشخاص غير معروفين وبعضها الآخر من أسماء معروفة بالإمارات العربية المتحدة ومصر بالإضافة إلى مسؤولين عسكريين.

من جهته أكد الدكتور سلطان بن أحمد الجابر وزير الدولة الإماراتي أنّ قرار قطع العلاقات مع قطر اتخذته الدول الأربع "بسبب قيامها(قطر) بتمويل وإيواء المنظمات الإرهابية...كما أنها دعمت بشكل علني المنظمات الإرهابية في ليبيا وسوريا واليمن وشبه جزيرة سيناء".

وكان لافتا أنّ قرار قطع مصر والدول الخليجية الثلاث علاقاتها مع قطر، جاء أياما قليلة بعد إعلان القاهرة بأنّ الجيش المصري عزز رقابته على المثلث الحدودي مع ليبيا والسودان عند منطقة جبل العوينات في أقصى الجنوب الغربي "لضمان عدم تسلل أي متطرفين إلى الأراضي المصرية عبر تلك المنطقة"، وفق تصريح أدلى به مسؤول مصري لصحيفة" الحياة اللندنية. كما قامت طائرات يعتقد أنها تابعة للقوات الجوية المصرية بقصف لمواقع مجموعات مسلحة في درنة شرق ليبيا، ضمنها مقر قيادة "مجلس شورى مجاهدي درنة" الذي يضم قيادات من فرع تنظيم "القاعدة" في ليبيا، وبعضا من الموالين لتنظيم داعش. وشمل القصف أيضاً معسكر "بشر" التابع لـ "مجلس شورى المجاهدين"، وتتهم القاهرة هذه الجماعات بتدريب إرهابيين يتسللون إلى مصر لتنفيذ إعتداءات ضمنها هجوم استهدف خلال الشهر الماضي أقباط في المنيا جنوب البلاد.

ولوحظ أنّ العمليات التي قام بها الجيش المصري تمت بتنسيق مع قوات"الجيش الوطني الليبي"، فيما يبدو دعما ميدانيا لقوات اللواء المتقاعد حفتر التي تخوض منذ شهور معارك في شرق ليبيا وجنوبها لتثبيت نفوذها العسكري في مواجهة الميليشيات "الثورية" و"الإسلامية" المتمركزة في العاصمة طربلس وغرب البلاد.

وفي وقت سابق استضافت القاهرة اجتماعات ضمت رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج في محاولة للتوصل إلى صيغة بضم حفتر إلى تركيبة الحكم في ليبيا وتعديل اتفاقية الصخيرات (المغرب) التي أشرفت عليها الأمم المتحدة. ولم تحرز محادثات القاهرة تقدما يذكر في وقت استمرت فيه المواجهت المسلحة في مناطق مختلفة من البلاد.

وذهبت اتهامات القاهرة لقطر بدعم الإرهاب إلى حد قيام نائب برلماني مصري برفع دعوى أمام محكمة الجنايات الدولية بلاهاي يتهم فيها الدوحة بالمسؤولية عن "جرائم حرب بحق مدنيين في ليبيا وسوريا واليمن". وأكد النائب عبد الرحيم علي في حوار لموقع ألماني بأنّ قطر تمول كلا من تنظيم "داعش" في ليبيا وعبد الحكيم بلحاج زعيم تنظيم"الجماعة الإسلامية" الليبية سابقا، القيادي السابق في "القاعدة" والذي أطلق سراحه من السجن سنة 2010 بموجب عفو صدر عن القذافي. وبعد سقوط النظام الليبي أسس بلحاج حزبا سياسيا وأطلق قناة تلفزيونية، ويعتبر من الشخصيات النافذة في الميليشات التي تسيطر على العاصمة طرابلس ومناطق من غرب البلاد.

انكماش حلفاء قطر في ليبيا

وبينما تكثف الجبهة المناوئة لقطر، حملتها السياسية والإعلامية وكذلك العسكرية ميدانيا ضد الميليشات المسلحة في غرب ليبيا، تبدو الجبهة المقابلة في حالة انكماش نسبيا. فعدا النفي القطري الرسمي للاتهامات الموجهة إليها بدعم الإرهاب في ليبيا، وحملات سياسية وإعلامية متبادلة مع ابوظبي والقاهرة عبر قنوات التلفزيون ومواقع التواصل الإجتماعي، أعلن في طرابلس عن تعزيزات "لتأمين العاصمة" فيما يبدو خشية هجوم قد تقوم به قوات حفتر.

لكنّ التطور اللافت بتزامن مع الأزمة المحتدمة بين قطر وخصومها الخليجيين والعرب، هو نشر تقرير لفريق من المحققين التابعين للأمم المتحدة يكشف بأن مساعدات إماراتية تنتهك حظرا للأسلحة فرضته المنظمة الدولية على ليبيا، عززت بشدة القوات الجوية التابعة للقائد العسكري خليفة حفتر في شرق البلاد. وذكر التقرير الذي نشر يوم 9 يونيو حزيران وأرسل إلى مجلس الأمن الدولي، أنّ "العتاد الذي يدخل ليبيا باتت طبيعته متزايدة التعقيد".

وبحسب التقرير فقد تسلمت الامارات المتحدة شحنات مروحيات قتالية من طراز "مي - 24 ب" مصنوعة في بيلاروسيا ووثق خبراء الأمم المتحدة وجودها في قاعدة الخادم الجوية في شرق ليبيا معقل حفتر، الذي حصل ايضا على عربات مدرعة مصدرها شركات تتخذ من الإمارت مقرا لها. وذكر التقرير أن أبوظبي لم ترد على الطلب الذي تقدم به خبراء الأمم المتحدة لايضاح هذا الملف.

أوروبا ودور "الإطفائي"

وبالإضافة إلى المخاطر الأمنية المتصلة بالإرهاب والهجرة غير الشرعية التي تواجهها أوروبا من السواحل الليبية، يبدو أنّ الأمم المتحدة وعواصم أوروبية منها برلين وباريس وروما باتت تستشعر مخاطر تطورات محتملة للأوضاع في ليبيا، في ظل الصراع المحتدم بين اللاعبين الإقليميين العرب، وحالة الغموض التي يتسم بها موقف إدارة ترامب حيال الأزمة الليبية.

وهو ما يفسر الجولة المفاجئة التي قام بها وزير الخارجية الألمانية زيغمار غابرييل إلى طرابلس والمشاورات التي أجراها وزير الخارجية الفرنسي في الجزائر. وبالاضافة الى مشاورات أوروبية مع مصر يواصل الأوروبيون تنسيق الجهود مع الشركاء المغاربيين في تونس والجزائر والمغرب. وقد دعا غابرييل الأوروبيين إلى التحدث "بصوت واحد مع ليبيا"، كما دعا  الأطراف الليبية إلى وقف العمليات العسكرية و"كسر منطق العنف"، وحث غابرييل القوى المتمركزة في شرق البلاد إلى القبول بالحوار مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس.

ويرى محللون بأنّ العواصم الغربية تسعى لتعزيز قوة حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، عبر مساعدتها على هيكلة وتدريب قوات الشرطة والجيش من ناحية. ولمساعدتها من ناحية أخرى على تعزيز نفوذها على الأرض بهدف إحتواء المجموعات والميليشات المسلحة، التي قد تدفعها التطورات الحالية المرتبطة بأزمة قطر إلى تقديم تنازلات تتعلق بنفوذها الأمني والعسكري الذي يجعل حكومة السراج شبه رهينة بيدها. ومن شأن ذلك أن يعزز فرص حكومة السراج في إقناع اللواء حفتر وحكومة الثني بقبول تسوية سياسية والإنضمام للمؤسسات التي يتم تشكيلها على أساس اتفاقية الصخيرات.

لكن الأوضاع في ليبيا، برأي المراقبين، ما تزال على درجة من التعقيد والمتغيرات التي تجعل اتفاقا من هذا القبيل لا يبدو قريب المنال، وهو ما يمكن استنتاجه من بيان صدرعن مجلس الرئاسة لحكومة الوفاق الوطني (السبت 10 حزيران/ يونيو 2017) يتهم حكومة الثني بـ"إجهاض كل بادرة للمصالحة الوطنية وحل الأزمة في ليبيا". اذ يخشى محللون أن يساهم الضغط الذي تمارسه مصر والامارات على قطر وحلفائها داخل ليبيا، واحتمال اعتمادها على دعم من إدارة ترامب، في تشجيع حفتر وحلفائه في شرق ليبيا على المضي في حسم الأزمة عسكريا بصرف النظر عن كلفتها البشرية داخليا، وتداعياتها على أوروبا.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار