أهم الأخبار

صندوق قطر الأسود

سالم العوكلي | 2017/06/12 على الساعة 22:50

لماذا يُكشف ما في صندوق قطر الأسود الآن بينما كان من أجَلٍ طويل في حوزة كل القوى الإقليمية والدولية التي طالما تباهت بمكافحتها للإرهاب وتجفيف منابعه ؟ ولماذا تقرر دول الجوار حصارها الآن رغم أنها كانت تعلم بمؤامرات النظام القطري منذ فترة طويلة؟ ولماذا تعلن الإدارة الأمريكية في هذا التوقيت وعلى لسان ترامب بكون قطر كانت "تاريخياً" تدعم الإرهاب ومنظماته وأشخاصه في المنطقة، وتطالبها بالكف عن ذلك "فوراً"؟.

من جانب آخر، ألم تكن المخابرات الأمريكية والغربية عموماً تعلم بكل ما يتم فضحه الآن من سلوكيات حكام قطر ودعمهم للجماعات المسلحة في مناطق عدة بالسلاح والمال والدعاية الإعلامية؟ هل كانت القاعدة الأمريكية في قطر والأحد عشر ألف عسكري (تقريبا جندي أمريكي لكل 25 مواطناً قطرياً) عن كل ما يحدث في هذه العزبة التي تكفي كاميرا واحدة فوق برج القاعدة لمراقبة ما يحدث فيها؟.

هذه الأسئلة المتداولة الآن بغزارة ليست صعبة الإجابة، لكنها مقلقة لمن ينصتون بخشوع للبيانات المضادة للإرهاب، ولمن يثقون في التحالفات الدولية التي تدعي مكافحة الإرهاب، ولعل النموذج القطري الذي اختير الآن لأن يكون الضحية هو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من أنظمة الفصام المؤسس الذي يجاوز بين الحرب على الإرهاب والتواطؤ معه، من دويلة مثل قطر إلى إمبراطورية مثل الولايات المتحدة.

وتقريبا الجميع يدرك أن الأمر لا يقف عند هذا التواطؤ الواضح، ولكن يذهب إلى أن قطر كانت في الواقع مكلفة بهذا الدور من قبل القوى التي ترى في استمرار الإرهاب استمرارا لنفوذها ومصالحها في المنطقة، وقطر لا يمكن أن تجرؤ على مثل هذه الأعمال المعقدة والخطرة إلا بضوء أخضر وبدعم خبراتي ولوجستي من مخابرات هذه القوى، وهو دور ليس جديدا في المنطقة، لأن دولا عديدة قامت به في مراحل مختلفة، لكن مشكلة قطر أنها تورطت في لعبة أكبر من حجمها وأكبر من جهازها المناعي، ويبدو أن موعد حرق العميل المكشوف قد حان.

ومن ناحية أخرى، وبغض النظر عن القواعد الأمريكية العسكرية المنتشرة في قارات العالم، كانت دائما السياسة الأمريكية تحتاج إلى الدولة/ القاعدة، التي ستشكل جغرافيا كاملة وبنية تحتية لقواعدها المختلفة: العسكرية والاقتصادية والسياسية والإعلامية، ومن شروط ضمان ولاء هذه الدولة/ القاعدة وتشبثها بالتواجد الأمريكي أن يكون محيطها معاد، عبر صناعة بعبع يهددها، ما يجعل تشبثها بالقوى الحامية لها على أشده وقابل لكل التنازلات، مثل البعبع الصيني والكوري الشمالي في آسيا، أو البعبع الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وصولا إلى البعبع الخليجي المحيط بقطر التي استخدمت لعقود كدولة/ قاعدة، بقدر ما تقدم خدماتها العسكرية اللوجستية تقدم خدماتها السياسية والاقتصادية والإعلامية وبشكل واضح، ولأن قطر أخذتها العزة بالإثم وبدأت تعمل لحسابها الخاص، وتجرأت على فتح قنوات تواصل مع البعبع الإيراني، كان لابد وأن تضيق عليها دائرة التهديد كي تعود إلى بيت الطاعة المطلقة، أو تحرق كأي عميل تنتهي صلاحيته أو تتفتق براعم طموحاته الشخصية.

إنها لعبة قديمة لكنها خطيرة في الوقت نفسه، لأن لمفهوم الدولة/ القاعدة صلاحية محددة، وعادة ما تتحول النظم العميلة سابقاً إلى منشفة يمسح فيها الخارجون من تواليت المؤامرة أيديهم، وماركوس الفلبين، أو شاه إيران، أو نورييجا بنما، نماذج لهذه القرابين التي تقدم على مذبح هذه المصالح المتقلبة مثل المواسم، ومشكلة قطر كونها كياناً هشاً لن يصمد مثل الأمم الأخرى أمام هذا الإطراح الصعب.

هذا الانحراف القطري عن الاتفاق الإقليمي ــ الذي اعتقد أن عمره المعلن من عمر تأسيس شبكة قنوات الجزيرة التي تقف وراءها إمبراطوريات إعلامية كبرى جعلتها في واجهة المشهد الإعلامي العربي ــ هذا الانحراف أعلن عن نفسه بقوة  بعد ثورات الربيع العربي التي أصبحت مخابرات قطر وقنواتها جزءا رئيسيا منها، بل أن قناة الجزيرة (القاعدة الإعلامية على أرض قطر) ومراسليها كانوا يقدمون خدمات أمنية ولوجستية لهذه الثورات منذ بدايتها، متذرعة بالشعار الغربي في نشر الديمقراطية والحرية التي لا تمت لطبيعة هذه الإمارة بصلة.  والتغيير الذي حدث أثناء الربيع العربي أن قطر، وعبر تحالف جانبي مع تركيا، بدأت تعمل لحسابها الخاص في إطار عملها لمصلحة هذه القوى، وكان الإسلام السياسي ركيزتها للهيمنة على المنطقة، وهذا الشطحة الخيالية التي تقترب من الجنون جعل قطر تسعى لشراء قناة السويس وتأجير الآثار المصرية واللعب بالأمن القومي المصري، لكن الجيش المصري الذي لم تمسه ثورة يناير أجهض هذا المشروع، لذلك تحولت بثقلها إلى ليبيا كمنطقة غنية مهمة بين ثورتين في تونس ومصر، وكمنافس مستقبلي في ثروتها من الغاز، والأهم من ذلك إنها خالية من بعبع الجيش الذي سيجهض مشروعها في تمكين حلفائها من جماعة الأخوان الليبية كما حدث في مصر، لذلك كان التفكير في إجهاض أية محاولة لترميم الجيش الليبي أولوية بالنسبة لهذا المشروع الأحمق، والذي بدأ باغتيال الكفاءات المؤهلة والقادرة على إعادة تأهيل الجيش ولم شتاته (اغتيال اللواء عبدالفتاح يونس وما تلاه من سلسلة اغتيالات لمئات من الكوادر العسكرية) بينما على المستوى الرسمي، تحول المؤتمر الوطني بالتحالفات المدعومة من دولة قطر داخله وحكومته، إلى أدوات تحول دون إعادة هيكلة الجيش، والعمل على إحلال الميليشيات المسلحة المؤدلجة مكانه، لكن هذا المشروع أيضا أجهض عبر انبعاث مؤسسة الجيش من رمادها في بنغازي، المدينة المركز، لأي محاولة للسيطرة على ليبيا، وعموما لن نعلق كل ما حدث في ليبيا على مشجب قطر، لكن من تصدوا للمشهد بعد سقوط القذافي ونظامه يتحملون القدر الأكبر، إما بسبب جهلهم بأبجديات السياسة، أو بسبب فسادهم، أو ولائهم الأيديولوجي لهذا المخطط التركي القطري. ومن الممكن إسقاط المخطط نفسه على دعم نظم تركيا وقطر للميليشيات والجماعات الإرهابية في سوريا لتكون بديلا للجيش السوري، ويشاركها في هذا الدور دول خليجية أخرى، وكلها تعمل برعاية هذه القوى العظمى التي طالما بشرت بشرق أوسط جديد، لكن قطر التي استخدمت كقفاز  يخفي بصمات مرتكب الجريمة الأصلي، حان دورها لتكون المنشفة التي اتسخت ووجب رميها، وفي أفضل الأحوال تنظيفها من جديد من أجل إعادة تدويرها ضمن فضائها الحيوي بعد أن تكون قد أخذت درسا في التواضع ومعرفة حجمها الحقيقي.

سالم العوكلي

معلق | 17/06/2017 على الساعة 11:46
شكرا
شكرا للاستاذ سالم ,مقال رائع وتحليل سياسي ممتاز . واتمنى من القادة والنخب والسادة في ليبيا ان ياخذوا العبرة بماحدث وان يلتفتوا الى الشعب بلامزيدات او شعارات كاذبة
آخر الأخبار