أهم الأخبار

الوزرة... (قصة: عائشة إبراهيم)

عائشة ثبوت إبراهيم | 2017/06/11 على الساعة 18:03

جدتي التي ولدت في نهاية القرن التاسع عشر عاشت وتزوجت وانجبت جميع أولادها في بيت شعر بوادي (نفد)، لم تسمع طيلة حياتها عن (سيجموند فرويد) ولا عن نظرية التحليل النفسي أو الحيل الدفاعية لكنها اكتشفت (الوزرة) كأهم ميكانزم دفاع لا تتوقف حدوده عند القدرة على التكيف مع قسوة الحياة، بل تمتد إلى حد تحويلها إلى جمال وعشق وألق وبهاء.

الوزرة ليست مجرد منديل أحمر طويل مزركش بدوائر صفراء تلفّه المرأة في بني وليد على رأسها على شكل لفافة بارزة، قد تعلق على ناصيتها نجمة كبيرة من الفضة، ذلك المنديل له أسرار مهيبة وقصص عجيبة، فإذا أرسلت المرأة وزرتها إلى رجل تحبه وجب عليه أن يحارب العالم من أجلها، وإذا تعرضت النزلةُ للغزو ترفع إحدى النساء وزرتها على عصاً بارزة، ذلك كافٍ ليشحذ همم الرجال ويشتد وطيس القتال.

ويعتبر التلويح بالوزرة بمثابة قسم على رؤوس الأشهاد، حتى أنه من العادات المعروفة في لحظة وصول العروس إلى بيت الزوجية، تخرج لاستقبالها أخت العريس أمام البيت، وتحمل في يدها وزرةً تلوح بها مثل العلم، وتترنم بالأهزوجة المعروفة: (مرحبا يا لافية)، يعد ذلك بمثابة عهد على حسن العشرة والمعاملة، وإذا أرادت العروس اختبار كرم عريسها ترسل له وزرتها مع أحد الأطفال، فما عليه إلا أن يعيدها مملوءة بالحلوى والبسكويت والنقود.

كنت وأنا ألمح الوليديات منهمكات في حياكة الوزرة أشفق عليهن من مشقة هذا العمل وأتعجب لصبرهن الهائل على هذه العملية المرهقة الطويلة لكنني أحسب الآن أن مدارس التحليل النفسي يجب أن تعتمد عملية (التصرير) أسوةً بعمليات التقمص والإبدال والتبرير. إذ أن التصرير هو أنجع وسيلة لتوديع أوزار النفس من ألم وقلق وضغينة وهزيمة، وعملية فك التصرير هي إعلان عن مولد الفرح وتحرر المشاعر وموسم البوح والدلال.

قبل أن تخرج الوزرة في شكلها البديع تمر على مراحل طويلة، تبدأ منذ اختيار قطعة من جرد بائد قد استغني عنه أحد الرجال لتمزقه أو لبهتان لونه، وبعد أن يتم غسله بالصابون (السوسي) الذي يخبأ لحين هذه المناسبة، تقوم النساء قريبات صاحب الجرد باقتسامه بينهن بعد قصِّه إلى مستطيلات لا يقل طولها عن متر وعرضها عن نصف متر وتسمى هذه القطعة (الطرف).

تبدأ عملية صباغة الطرف بغمره في قدر الماء المغلي والمضاف إليه مسحوق الصبغة الصفراء. وبعد تجفيفه، تفرد المرأة الطرف على ركبتها وتشكل منه صرة صغيرة بحجم حبة الذرة، وتلف حول عنق الصرة لفة محكمة من خيط (السباولو) القوي، ثم تشد رأس الصرة بأسنانها وتلف لفة أخرى أكثر قوة وإحكاماً، تنتقل لتشكيل صرة أخرى ملاصقة للصرة الأولى مع شد الخيط مرة بإصبعها ومرة بأسنانها.

كل صرة تصرها، تبث بداخلها وزر معاناتها وهمومها، وتهمس بشكواها وتدس لواعج مكنونها، قد يكون همها من زوج جافٍ أو مال غير كافٍ، وقد يكون من دين تعسر قضاؤه، أو مريض تأخر شفاؤه، أو حبيب تعذر لقاؤه. وحين تتكاثر الصرر تأخذ تلقائيا مساراً دائرياً يتحول إلى حلقات متداخلة تتشكل من مئات النتوءات الصغيرة المنتفخة بأوزار الهموم والأحزان.

حين الانتهاء من التصرير يغمر الطرف في قدر يفور بالصبغة الحمراء، وبعد تجفيفه جيدا في الشمس، تقضُّ المرأةُ خيطَها فتتضح مكانه دوائر صفراء صغيرة بعد أن حجب الخيط وصول الصبغة الحمراء إلى تلك المنطقة، وأثناء عملية تحرير الصرر تشعر المرأة بالتحرر من العقد الدفينة، ويغمرها روح من الطمأنينة وخدر من السكينة فتعانق وزرتها عناق صديقة حميمة أورفيقة كتومة.

عائشة ابراهيم

برقاوي | 15/06/2017 على الساعة 03:31
دلالة الكلمات
شكرا للكاتبة ، احب ان أنوّه الي دلالة عنوان القصة فلدينا في برقة المعني يختلف الكلية ،وتشير الي فوطة العروس التي يكون شرف العائلة معلقا بها ، هذه من بعض ثقافتنا " الوزرة " ، اما ما يقابل ما تقصده الكاتبة عند اهلنا في الشرق فهي " الطرحة " ، شكراً للكاتبة مع الاحترام
محمد علي المبروك | 14/06/2017 على الساعة 04:06
قصة جميلة
قصة جميلة فيها ربط متقن بين الاعمال التقليدية لنساء ليبيا والشعور النفسي عند إنجاز هذه الاعمال وفيها رسم واضح كأنه لوحة ملونة لعمل من الاعمال التقليدية ، بارك الله فيك ، عندي مأخذ واحد وهو لاينقص البتة من قيمة القصة لماذا ذكرت النساء الوليديات ولم تذكري النساء الليبيات في بني وليد وكأنهم في معزل عن ان يكن ليبيات ليكن وليديات بتخصيص الانتماء لبني وليد وليس ليبيا
أسماء الاسطى | 12/06/2017 على الساعة 16:44
وصف بديع
وصف بديع من الكاتبة المتألقة.. رغم اني لم اهتد الى القطعة المقصودة في الواقع..ولا اعرف اوجه استعمالها الا ان التوظيف الاجتماعي والتقليدي لها..هو ما اثار دهشتي...والاسهاب مع جمال اللغة في الوصف...يستحق الاشادة والاعجاب....سلمت..
آخر الأخبار