أهم الأخبار

نهاية تركيا الاتاتوركية

عمر الكدي | 2016/07/19 على الساعة 14:11

لا يبدو أن الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان تفاجأ بالانقلاب العسكري الفاشل، بل كان ينتظره على أحر من الجمر واستعد لإفشاله، واعتمد على يده اليمنى رئيس المخابرات العامة هاكان فيدان الذي جمع أجهزة مخابرات وزارة الخارجية والداخلية والمخابرات العسكرية في جهاز واحد، وهكذا أمكنه مراقبة القادة العسكريين الذين نجحوا في السابق في القيام بأربعة انقلابات. اختار أردوغان هذا التوقيت ليقضي إجازته بعيدا عن العاصمة أنقرة حيث تتواجد المؤسسة العسكرية بكثافة، وبالرغم من أن الانقلابيين يعرفون الفندق الذي أقام فيه على بمدينة مرمريس، إلا أنهم عندما قدموا لاعتقاله اختفى فجأة وظهر على متن طائرة يخاطب أنصاره من السكايب ويطلب منهم النزول إلى الشوارع.
استغل أردوغان شروط الاتحاد الأوروبي لانضمام تركيا إليه عام 2004 ليجري تعديلات دستورية طالت بنية مجلس الأمن الوطني، الذي كان كل أعضائه من العسكريين ليصبح رئيسه مدنيا وأغلب أعضائه من المدنيين، كما تغيرت مهمة المجلس من حماية الدستور والمباديء الأتاتوركية إلى رسم وتطبيق سياسة الأمن الوطني، بالإضافة إلى خضوع الكوادر العسكرية لإشراف ومراقبة الجهاز المركزي للحسابات، كما ألغيت المادة التي كانت تنص على عضوية جنرال عسكري في المجلس الأعلى للتعليم، وعضويته في اتحاد الإذاعة والتلفزيون، وإلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين، والسماح برفع الدعاوى القضائية ضد الجنرالات القدامى والحاليين في قضايا الفساد، كما منع العسكريون من الإدلاء بتصريحات في الشؤون السياسية، وهكذا قلم أردوغان أظافر العسكر وأخرجهم من جميع المؤسسات المدنية، وفي المقابل أغدق على قوات الأمن والشرطة والمخابرات، وأسس قوات خاصة تتبع وزارة الداخلية لا يقل استعدادها من حيث التدريب والتسليح عن قوات النخبة في الجيش.
في أغسطس 2013 مثل عشرات الجنرالات أمام المحكمة بتهمة الإعداد لانقلاب عسكري على حكومة حزب العدالة والتنمية، وهي القضية التي عرفت إعلاميا بشبكة "ارغينيكون"، وبعد ذلك بشهر خضع قادة انقلاب 1997 على حكومة نجم الدين أربكان للمحاكمة، وفي عام 2012 خضع قادة انقلاب 1980 وفي مقدمتهم الجنرال كنعان ايفرين للمحاكمة بتهمة إعدام 50 شخصا واعتقال نصف مليون آخرين، بالرغم من أن الانقلاب كان ضد اليساريين وليس ضد الإسلاميين، ومع ذلك لم تتوقف محاولات الجيش على الانقلاب منذ انقلابه الأول عام 1960 ضد حكومة الرئيس عدنان مندريس الذي شنق مع أربعة من وزرائه.
حتى يوم الجمعة الماضى كان مصطفى كمال أتاتورك يحكم تركيا من قبره، والآن يحكمها رجل آخر لا يقل شكيمة عن الجنرال التاريخي الذي أنقذ تركيا من السقوط بعد الحرب العالمية الأولى، التي أتت على ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية، وهو الذي رأى أن تحول تركيا إلى دولة حديثة يقتضي إلغاء الخلافة، ولم يكتف بذلك بل أجبر الأتراك على نزع الطربوش وارتداء قبعة أوروبية واختيار ألقاب جديدة، حيث اختار لنفسه لقب "أتاتورك" أي أبو الأتراك، وأسس جيشا مهمته الدفاع عن الدستور الأتاتوركي، وجعله يتوغل في كل المؤسسات ليراقب كل كبيرة وصغيرة.
الطريقة التي سيتصرف بها أردوغان مع قادة الانقلاب الفاشل ستكشف عن مخططاته الحقيقية، فإذا أصر على عودة حكم الإعدام وتمادى في إذلال المؤسسة العسكرية، فهذا يعني أنه لم يكن راغبا منذ البداية في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وإنما استغل رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد لتقليم أظافر المؤسسة العتيدة وفقا لشروط الاتحاد الأوروبي نفسه، وإذا أجرى تعديلات عميقة في المؤسسة العسكرية وأدخل أنصاره الإسلاميين في هذه المؤسسة فإنه يرغب في إعادة الخلافة، وأن يؤسس جيشا إسلاميا يعيد ضم كل الأراضي التي حكمتها الدولة العثمانية، وأن يتحول إلى سلطان عثماني لا يحتاج إلى ديمقراطية، وما يؤكد ذلك هو شخصية أردوغان التي لا تتحمل وجود أي شريك معه، فبعد الدعم الذي قدمه له فتح الله غولن أبعده ونفاه وها هو يهدم كل مؤسساته وأعوانه وفي مقدمتهم القضاة، وبعد أن استفاد من صديقه التاريخي عبد الله غل أبعده عن السلطة، كما أبعد رئيس الوزراء أحمد داود أغلو، لأنه يريد رئيس وزراء ينفذ ما يؤمر به، وكلها إشارات لأهداف أردوغان الحقيقية، ولا ننسَ شهادة سيف الإسلام القذافي الذي قال إن أردوغان قال للقذافي "أحتاج إلى خمس أو ست سنوات لأتخلص من هذا الدستور العلماني". في خطابه بعد فشل الانقلاب كاد أردوغان أن يقول سنطاردهم بيت بيت دار دار زنقة زنقة.
عمر الكدي

بشير سليمان | 20/07/2016 على الساعة 15:25
ياشاقي بهم غيره
رئيس ذكي عرف كيف يبني قاعدة شعبية متينة وشعب واعي أختار التمسك بقيادته بدل المغامرة وإدخال وطنه في دوامة الفوضى والرجوع إلى ظلم العسكر, هنيأ لهم ونعوذ بالله من الحسد.
عبدالله | 20/07/2016 على الساعة 12:56
شهد شاهد من أهلها
من الدروس المستفادة عن هذا الأنقلاب مقولة أن الجيش وضباط الجيش هم وحدهم من يدبر الأنقلابات أصبحت إتهام باطل! ماحصل في تركيا يرهان على أن الجماعات والتيارت الفكرية والأسلامية هي أيضا من يقوم بانقلابات على السلطات الشرعية وهذا بأعتراف أردوغان نفسه بقوله أن الداعية الأسلامي فتح الله كولن وأنصاره هم كانوا وراء الأنقلاب ورأينا كيف أن من اتهموا وقبض عليهم قارب عشرة الاف قضاة وأكادميين وموظفين من المدنيين، ولعلنا نرجع الى الهجوم المسلح والقصف العنيف الذي وقع على مدينة طرابلس خلال شهر رمضان المبارك وعيد الفطر 2014 ونتج عنه سيطرت ميليشيات الفجر على العاصمة وتنصيبهم حكومة موالية أسموها حكومة الأنقاذ وكان الفعل بمثابة انقلاب عسكري ممنهج لا ينكره عاقل، لتصل العاصمة الى ماوصلت اليه من انعدام للأمن والسيولة من البنوك وانقطاع للكهرباء وتكدس للقمامة حتى اليوم...
عمار الورفلي | 20/07/2016 على الساعة 00:34
اردوغان بنأ تركيا كما لم يبنيها أحد
لقد زرت تركيا سنة 1984 وبقيت فيه لأكثر من شهرين ثم زرتها مرة أخرى سنة 1986 وبقيت فيها نحو اسبوعين، ولم أزرها بهد ذلك إلا في سنة 2013. لقد صعقت من التغييرات التي حدثت في تركيا خلال هذه الفترة، وما أثار تعجبي حقا هو أن عقلية الاتراك نفسها تغيرت هي الأخرى. لقد رأيت فيهم في السابق شعب فوضوي لا يعرف النظام، تملأ القاذورات والاوساخ شوارع مدنهم ومنها انقرا واسطنبول وبورصا وأزمير وتغطي سحب الدخان الكثيف الناتج عن حرق الفحم الرخيص للتدفئة أجواء هذه المدن، ولا يستحون في التحايل على الاجنبي بكل الوسائل. الذي شاهدته مؤخرا هو تحول مدنهم إلى مدن اوربية نظيفة وشوارعها انيقة مرتبة تختلف عن تلك الخرائب التي رأيتها في زيارتي السابقة، والاتراك انفسهم تحولوا إلى شعب يساعد السياح ويتكلم بعضهم الانجليزية التي لم يكن ممكنا سماعها إلا في المطار.. حقيقة استطاع اردوغان أن يصنع منهم دولة متقدمة رغم كل مشاكلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لو أن القذافي بأستبداده حقق جزء مما حققه اردوغان لتمسك به الليبيون إلى نهاية عمره، لكن شتان بين الرجل المتعلم وبين الغوغائي الجاهل..
عبدالحق عبدالجبار | 19/07/2016 على الساعة 18:51
الشرعية منحته القوة
فعل كل هذا لانه منح الشرعية من الشعب ...ضده او معه لا يختلفون انه له الشرعية
أبو سيف | 19/07/2016 على الساعة 16:24
رائع
مقالة رائعة. فقط أردت أن اضيف انه عندما تتصدع الشرعية بسبب غياب الأمن والأمان وكثرة التفجيرات يلجأ البعض إلى رأب الصدع بمسرحية تعيد الشرعية إلى نسبها السابقة أو قريب
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل