أهم الأخبار

"تاليد"... (قصة: عائشة إبراهيم)

عائشة ثبوت إبراهيم | 2017/06/03 على الساعة 20:46

بزغت (تاليد) كشمس طرابلسية فريدة، تمشي بين رفيقاتها يحملن سلال العنب والرمان لبيعها إلى البحارة الفينيقيين الذين ضجروا من أكل السمك طوال رحلة الإبحار.

تأهب جارها الفلاح الشاب (هملكون) للرحيل مع البحارة إلى قرطاجة ليبيع محاصيله من الزيت والحبوب، وقبل أن يغادر أهداها تمثالاً صغيراً للإله (بعل حمون) إله الخصب والرخاء والشمس والمطر. لوّح لها بكفه الأيسر باسطاً أصابعه بود وسخاء، وابتلعه البحر تاركا قلبها ينتظر شمسه الدفيئة، ومطره الذي يخصّب يباسها الطويل.

مضت السنوات وكلما غنّى البحارة أناشيد الوصول تتطلع إلى سفنهم بعينيها الواسعتين بانتظار أن تراه يلوّح لها بكفه اليسرى المنبسطة بود وسخاء، وفي كل مرّة يخيب ظنها، يحرق الدمع جفنيها وتنزوي في وحدة كئيبة فارغة إلا من تمثالها الأثير، بثت إليه أشواقها في تلك الليلة فأخبرها أنّ سلطة الآلهة لا تتحقق إلا بالإخلاص الكامل والحب المقرون بالتضحية، وأن التضحية لا تقاس إلا بالقرابين الثمينة، حيث يصبح العطاء هو الطاقة العليا التي تتحد مع قوى الآلهة، فيكتمل الرضا.

دبت كلماته كفسيلة أمل تنمو بين خافقيها من جديد، ودون أي تردد وعدت أن تمنح حمون أغلى قرابين الأرض إذا عاد هملكون.
طلع الصباح وغنى البحارة و وصلت السفينة.

فتحت عينيها الكبيرتين على اتساعهما حين رأت الكف اليسرى تلوح لها من بعيد، أخيراً عاد هملكون، فازدانت الحياة بالخصب والرخاء والشمس والمطر.

ارتدت فستانها الأحمر ذا الخصر المشدود، وزُفت إليه في ليلة ساحرة رقصت فيها الأرض مع السماء والبحر مع النسيم والشِّعر مع الضياء، رقصت كل مخلوقات البر و البحر، وتسللت إناث سمك القادوس من الماء فوشوشن إليها بأنها سترزق بصبي جميل.
جاء الطفل بعينين واسعتين كعيني أمه، فامتلأ قلب الوالدين بالفرح وغمرا وليدهما في عناق دام حتى الصباح، و ما أن بزغت الشمس حتى امتد شعاع حار من وهج حمون، طالباً من تاليد أن توفي بعهدها وتقدم إليه قربانها الأغلى - وليدها البكر - الذي تحتضنه كل ليلة. لم يشفع انتحابها ولا توسلات زوجها المفجوع، قال لهما حمون أن القرابين تمنع الفقد والحزن وتحمي من البلاء والشرور.

عندما أكمل الطفل سبع سنوات وهو العمر الذي يقدم فيه السكان قرابينهم من أطفالهم البكور، ألبسته أمه ثوب أمير وطوقته بقلائد الفل والياسمين وأنعلته حذاءه المخصص للأعياد، ثم اقتادته نحو معبد الإله حمون حيث يُنصب له تمثال كبير من البرونز وبين قدميه مرجل نار.

وضعت الطفل فوق المرجل فغمرتها رائحة الشواء الأدمي الطازج، ولما بكت سقطت دموعها في البحر فقالت لها سمكة القادوس:

- "يا مولاتي إن دموعك النبيلة بإمكانها أن توتّر ماء البحر، فيرتفع مده آلاف الأضعاف حتى يغرق معبد الإله حمون".

خافت تاليد أن يغرق الإله في مد البحر العظيم، فتحل اللعنة بمدينتها البيضاء الوادعة، فانطلقت تركض بعيداً عن البحر، تنشج بشهقات اللوعة وتدفن دموعها في رمل الشاطئ حتى ارتوى، فتشكلت من عجين الدمع والرمل أيقونات ثلاث: الأولى في شكل سمكة ترمز إلى بحر مدينتها الزاخر بالعطايا العظيمة، والثانية في شكل يد تفرد أصابعها الخمسة وتلوح بالود والسلام، والثالثة في شكل عين واسعة تنظر إلى الأفق بأمل واعد وصبر لا يستكين.

أصبحت الأيقونات الثلاث (الحويتة والخميسة والعين) المعجونات من الدمع والرمل، رموز الإلهة (تانيت)، إلهة الحب والأمومة عند الفينيقيين والليبيين القدماء.

هدأ البحر، وعاد الفينيقيون إلى ديارهم، ونامت أسماك القادوس، وأسقطت الذاكرة حمون و تانيت، فيما احتفظت الأمهات بالأيقونات الثلاث كتمائم تحمى الأطفال من الشر و الحسد والآفات والبلاء.

عائشة ابراهيم

م . ز | 05/06/2017 على الساعة 00:25
تانيت و آمون .. ربان ليبيان / 2
4) الربة تانيت (في الديانة الليبية) ليست زوجة للرب آمون ، بل هي ربة الارباب عند الليبيين القدماء – و لا زوج لها – خلقت نفسها و خلقت كل الكائنات من العدم . غير أن الفينيقيين الوافدين المندمجين في العنصر الليبي (أو بالأحرى : البونيقيين) ، زوجوها لربهم الجديد بعل أمون . 5) خارج الرؤية الفنية للقصة : رموز الخميسة و العين و الحويتة و القرين ، لها أصول ميثولوجية في مختلف ديانات شعوب الشرق القديمة ، و الخميسة و النجمة الخماسية - تحديدا - هما رمزان للربة (الليبية) تانيت ، و كذلك لها عدة رموز أخرى . (قاعدة لغوية : الاسم المذكر في اللغة الليبية – تمازيغت – يبدأ غالبا بحرف ألف مهموزة أو ممدودة .. كما في آمون ، و الاسم المؤنت يبدأ غالبا بحرف التاء .. كما في تانيت) .
م . ز | 05/06/2017 على الساعة 00:24
تانيت و آمون .. ربان ليبيان / 1
1) الإله آمون .. و ليس حمون ، هو إله القمر عند الليبيين القدماء ، عبده المصريون – نقلا عن جيرانهم الليبيين – ككبير للآلهة المصرية . ليس (حمون) ، فاللغة الليبية القديمة (الأمازيغية) تخلو من حرف الحاء ، و كذلك شقيقتها اللغة المصرية . 2) تانيت – أو : نيت . يت . ت – هي إلهة ليبية بحتة .. و " بدئية " (أنظر موسوعة ابراهيم الكوني : بيان في لغة اللاهوت) ، و هي أصل كل الربات الإناث ، انتشرت عبادتها من ليبيا (أي شمال أفريقيا) الى كل بلاد حوض المتوسط ، و ليست أبدا و بالمطلق ربة فينيقية . 3) مع استقرار الفينيقيين في المستوطنات الثلاث بليبيا الحالية و (قرطاجنّا) بتونس الحالية .. و ليس قرطاج أو قرطاجة ، اعتنق الفينيقيون – الذين امتزجوا كليا مع السكان الاصليين – عبادة الربة الليبية تانيت ، و كذلك عبادة الأله الليبي (أمون) بعد أن دمجوا اسمه باسم الإله الفينيقي (بعل) ، فصار اسمه عندهم (بعل أمون) >>>
محمد بوغرارة | 04/06/2017 على الساعة 09:56
تقديم القرابين عادة ليبية قديمة وتتجدد
رائع جدا تأصيل رمزية الحويتة والخميسة والقرين او العين ففي هذا الجزء حققت القاصة المبدعة عائشة ابراهيم مرحلة مهمة في تطوير الحبكة بتداخلاتها الفنتازية.. و القصة بما تحمله من جماليات في التصوير والايحاء استطاعت نقل وقائع كانت في الماضي وتتكرر الآن بشكل آخر حيث يموت الابناء كقرابين وتفجع الأمهات تماما كما في القرون قبل الميلاد وتخبرنا كتب التاريخ بأنه انتشرت في ليبيا عادة تقديم القرابين إلى الألهة وانتقلت إليهم نتيجة لتأثرهم بالفنيقيين وكانوا يقدمون القرابين من الأطفال لكي يحقق لهم الإله امون وزوجته تنيت مطالبهم , ويكون ذبح القربان أمام صنم برنزي؛ ويكون القربان عادة هو الطفل الأول ووجدت شواهد وجرار تحمل بقايا عظظام ورماد أطفال تم حرقهم في معابد امون في المناطق التابعة لمملكة قرطاجة.
م.مختار | 04/06/2017 على الساعة 02:46
توظيف ناجح للميثيلوجيا
توظيف الميثيلوجيا هو لون من الكتابة القصصية التي أحسب أنها صعبة وتحتاج إلى قدرة على التلاعب المنطقي بالامتدادات التاريخية وما يقابلها في الواقع- هذا نوع من الكتابة تطرق اليه كتاب قليلون من بينهم المرحوم علي فهمي خشيم ومنصور بوشناف ويظل لون له جاذبيته الخاصة و ارى ان الكاتبة اجادت اللعب على وتر الاسطورة وربطت خيوطه بشكل متقن ساعدها في ذلك ثراء لغتها وما تملكه من خيال روائي
م .ب | 04/06/2017 على الساعة 00:49
ابدعت ولكن ...!
عندما يبلغ الكاتب في سودويته؟! وليتواطأ القلم رغما عنه ليجرد وينتزع أحاسيساً من قلب ام ليفجعها في فلذة كبدها الوحيد ،هنا يصعب علي القاري مجاراة ومهادنة الكاتب ليستدر دموع الحروف وليمزق قلوب الكلمات لتتفتت بهن أكباد المعاني ؟! ، عندها تنطلق إلاهات معلتة الكاف ولتلحقها بالفاء الساكنة وبالتشديد المؤكد ؛عساها توقف براح الالم لام ثكلى تماهت مع القرطاس المنتفض من هول رؤيا الكاتب في مخيلة تمادت في عالم الفقد والفجيعة ، بعدها ربما يستدرك الكاتب قد كانت مجرد ابداع لقصة ... وهيهات وأنّا له ذلك !!!؟
آخر الأخبار