أهم الأخبار

عرائس الشعر تبكي رحيل سيدها

د. أحمد إبراهيم الفقيه | 2017/06/03 على الساعة 17:27


 

عرائس الشعر تبكي رحيل سيدها... فارس الشعر وسادن معبده... وامير امرائه في ليبيا محمد الفقيه صالح

(عندما يموت الشاعر)  يقول مبدع فرنسي وشاعر كبير هو غاستون باشلار "يفقد العالم جزءا من نبضه واحساسه" فما بالك ان الشاعر الذي رحل، هذه المرة، هو امل بلاده في فجر يبشر به الشعر، وقطرات نور يحتلبها من ضرع  السحب السوداء التي تغطي سماء البلاد وتحجب عنه الضياء، يسقي بها شجيرات الامل التي تيبست في النفوس والقلوب، بعد ان تعاظمت الخطوب وتكاثرت غربان البؤس والشؤم، تنشر نعيق الدمار والخراب، فلا امل الا في عنادل الشعر تخترق كثافة النعيق وتبشر بيوم الانعتاق، وكان  اجمل هذه العنادل اكثرها تغريدا، وتحفيزا للامل هو هذا الشاعر المتفرد الجميل الجليل بشعره الذي جاء يؤسس لذائقة جديدة، ويقدم مفردة جديدة ، ويبشر بنهار جديد، تسطع شمسه على هذه الديار التي اليها ينتمي، ومنها انبتق، واعطاها حبه وولاءه  وكرس لها نبضات قلبه وذوب ملكاته ومواهبه، امير امراء الشعر في بلاده ليبيا محمد الفقيه صالح، الذي صعدت روحه الى بارئها مع فجر هذا اليوم السبت 8 رمضان 1483 - 3  يونيو 2017 بعد ان امضى في هذه الحياة 64 عاما.

فهو من مواليد طرابلس عام 1953 والتحق في مطلع السبعينيات بجامعة القاهرة قسم العلوم السياسية حيث نال شهادته الجامعية في منتصف ذلك العقد وعاد لينضم للعمل الخارجي،  الا انه قبل هذا الانضمام كان قد صار جزءا من حركة شعرية جديدة اثناء وجوده في الجامعة وباشر نشر اشعاره ذات الحساسية الجديدة، ولمع من بين تلك المجموعة شعراء كبار صار لهم صيت وبصمة في الشعر العربي المعاصر كان على راسهم وفي مقدمتهم محمد الفقيه صالح، ومعه حلمي سالم وحسن طلب وعلى قنديل، ورفعت سلام، وقد كانت الاسبوع الثقافي حفية بشعره الذي مثل املا للشعر الليبي كان فيها الابداع الادبي والفني يعاني من عسف النظرة الضيقة وسوء التأوييل والتفسير تحت سياسة ضيقة الافق والصدر، ولم تمض غير سنوات قليلة على  بداية تالقه واعتراف المجتمع الادبي بقيمة شعره حتى امتدت يد الرعب والقهر والارهاب لخنق صوته، والقبض عليه في اواخر السبعينيات مع دفعة من ابناء جيله عرفت باسم مجموعة الاسبوع الثقافي، وحكم عليه ضمن غيره من المدانين بالتآمر على النظام بالسجن المؤبد، وظل قابعا في سجون النظام عشرة اعوام ولم يخرج الا فيما سمي اصبح الصبح، ليجد ان والده الكفيف الذي كان يعمل قبل فقد بصره صاحب دكان في سوق اللحامين والحدادين، متوفى ووالدته متوفاة، ويعيش محنته مع  الحياة التي وان صهرته وامدته بثراء التجارب الكونية  التي تشبه احداث التراجيديا الاغريقية، الا انها عطلت ابداعه لانشغاله بالبحث عن فسحة امل ومساحة للشهيق والزفير وسط هذا الركام وتمكن بعد خروجه من اصدار ديوانيه الشهيرين ”خطوط داخلية في لوحة الطلوع"  الصادر عن دار الجماهيرية في التسعينيات، ثم حنو الضمة سمو الكسرة الذي كان نشرا خاصا كما اصدر كتبا نثرية تحتوى على رؤاه وافكاره الادبية واطروحات الحداثة في الشعر والوان الادب الاخرى.

ربطتني  علاقة ود وصداقة وزمالة بالراحل الكريم منذ ايام دراسته في القاهرة وكانت صحيفة الاسبوع الثقافي عندما كنت رئيسا لتحريرها اول المنابر التي استقبلت انتاجه، وتواصلت علاقة الحب والمودة، الى اخر يوم في حياته، وكنت قد سمعت باصابته بالمرض اللعين، وعبرت عن عمق احساسي بالالم لهذا المرض، فيما كتبته عنه، الا انه كان يطمئنني  حين الاتصال به ان العلاج يسير سيرا حسنا وان جلسات العلاج الكيماوي جاءت بنتائج  تؤدي ان شاء الله الى قهر المرض، ولكنه مرض للاسف الشديد لا امان له، لانه بعد اشهر من هذا العلاج جاء صباح اليوم الخبر الفاجع المؤلم بان شاعر ليبيا الجميل قد اسلم الروح وغادر عالم الفناء الى عالم الخلود والبقاء، وسيذكره محبوه وسيذكره قراء شعره وسيذكره هذا الوطن الذي غنى له وعبر عن مواجه واتراحه بمثل ما اشعل شمعة الامل في عتمة ايامه، تقبله الله برحمته واكرم وفادته، واجزل له العطاء في دار البقاء بقدر ما اعطى وقدم في هذه الدار.

كنت قد كتبت إدراجا اعبر فيه عن اعتزازي به وحبي له واملي ان يجتاز محنة المرض ارفقه هنا بعد ان اضع امام القاريء مقاطع قصيرة من شعره الجميل الذي كان تعبيرا عن حالات عاشها وعاشها معه الوطن

زبد هدير القحط ـ سيدتي ـ إذا أخضل اللقاء
الليل
والطاعون
والباشا
وجند الانكشاريين
ماذا يتركون؟
حطت على رأسي المدينة كفها الزيتي
فاشتعلت على صدري الحبيبة بالغناء:
إن البيوت كثيرة
والسقف واحد
والأمنيات جريحة
والقلب صامد
والكادحون تناهبتهم غابة الأسمنت
غول هائل
والنفط ـ لو أدركت ـ شاهد
فأرقص إذا ما شئت أن يبقى الهوى حيا
على إيقاعه الصاعد
إن المدى والمد
إن المدى والمد.

***

ثمة الآن من يستريب:
السياج
الرتاج
الندوب
الغروب

وثمة من يستجيب:
البذار
الشرار
الوثوب
الهبوب.

وهذا أنا فى احتدام الهجير
على وقع وثبتهم أستطيب
وينداح في الأرض منى وجيب.

***

أول صورة للبوح
سير في صباح ماطر
وتوغل في غابة
حتى إلتماع الصمت والصهوات

الرقي اسمه محمد الفقيه صالح...

محمد الفقيه صالح، احد نوابغ شعر الحداثة في ليبيا، وصديق عزيز على نفسي، لقيمته الادبية العالية جدا، ولقيمته كانسان من ارقى واجمل انواع البشر الذين عرفتهم في حياتي، وكصديق عزيز تربطني به اوثق العلاقات واكثرها صفاء ونقاء، منذ ان بدأ النشر في صحيفة الاسبوع الثقافي مطلع السبعينيات، وقد آلمني واقلني ان علمت بتعرضه لحالة مرضية حادة ادخلته المستشفى لعدة اسابيع، وقد خرج الان للاستشفاء والنقاهة.

الشاعر محمد الفقيه صالح صوت متميز بين شعراء السبعينيات، على مستوى الوطن العربي، حيث التحق في ذلك الوقت بجامعة القاهرة قسم الاقتصاد والعلوم السياسية، وربطت بينه وبين جيل الشعراء المحدثين من شعرء السبعينيات، في مصر، رابطة الزمالة في الدراسة والذائقة الشعرية المشتركة، او الحساسية الجديدة كما كان يقول الاصطلاح المتداول  في تلك الايام، وبينهم حسن طلب ورفعت سلام، والراحل على قنديل، والشاعر الذي رحل اخيرا حلمي سالم،  لتؤسس هذه المجموعة لتيار جديد في شعر التفعيلة، حيث احتفى باللغة والصورة الشعرية باعتبارها جزءا من بنية القصيدة الحديثة ، اكثر مما فعل شعراء الستينيات التي انشغلوا بالمضمون على حساب الصياغة ، فاهتم شعراء السعبينات بما كان يسميه زميلهم رفعت سلام تفجير اللغة ، وشحنها باكبر طاقة جمالية، ولم يعد الوضوح وضوح المعنى او المضمون بقدر ما هو وضوح الحالة المتجلية في الجمل الشعرية والصور الشعرية ، لان القصيدة هي  كيان  يكتفي بداته وليست مجرد وسيلة لحمل المعاني والمضامين، ونستطيع ان نعتبر محمد الفقيه صالح بصوته المتميز، وقاموسه الشعري الخاص، ومفردات قصيدته ذات الابعاد الجمالية بل ونستطيع ان نقول الصوفية في احيان كثيرة، هو من قام بتقديم الشعر الليبي الى القاريء في مصر والعالم العربي، اذ كان قاسما مشتركا في مهرجانات الشعر التي تعقد في القاهرة في العقود الاخيرة، وضيفا على الامسيات الشعرية في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وقد  اختفى خلف الشمس لعشر سنوات او اكثر على يد السلطة القمعية  السابقة، وانصفته ثورة 17 فبراير عندما اختارته سفيرا لبلاده في البلاط الاسباني.

ويا ايها الصديق العزيز الغالي، طهور انشاء الله، وشفاك الله وعافاك، ونحن في شوق للالتقاء بعطائك الابداعي الشعري الجديد،  المفعم بالذائقة الراقية والحس الجمالي البديع ، ليقدم هذا الشعر لحياتنا لمسته ذات الابعاد السماوية الفردوسية التي نفتقدها في واقع يلوثه اهل التطرف والاجرام.

د. احمد ابراهيم الفقيه

سعدون السويح | 03/06/2017 على الساعة 21:15
تعزية
عزاؤنا واحد اخي الحبيب د احمد. رحم الله هذه الروح الشاعرة. كان رقيقا كنسمة وديعا كحمامة حزينا كدمعة طفل. جمعني اللقاء به مرات قليلة احسست خلالها اني اعرفه لقرون. اليوم تبكيه عرائس البحر في طرابلس ومطارق سوق القزدارة ودقات برج الساعة هنالك في سوق المشير. ولكن هل يرحل الشاعر حقا ام انه يمضي الى وجود اخر. أنقى شعرا ليمتزج بذرات الكون في مقعد صدق عند عزيز مقتدر. رحم الله محمد الفقيه صالح. وأحسن الله قبوله ورزق كل محبيه صبرا جميلا فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع !
نافع بدر | 03/06/2017 على الساعة 20:01
كل نفس ذائقة الموت
عظم الله لك الأجر في صبرك علي فراق صديقك والهمك واللهم ذرية الصبر والسلوان ، نسأل الله تعالي ان يغفر له ويرحمه ويجعل مثواه في الفردوس الاعلي من الجنة ، اللهم آمين
أ. حسن ابوقباعة المجبري | 03/06/2017 على الساعة 18:33
( إنا لله وإتا اليه راجعون )
أحسنت وأبدعت كبيرنا الأديب أحمد ابراهيم الفقيه ( إنا لله وإتا اليه راجعون )
حسن محمد الأمين | 03/06/2017 على الساعة 17:58
اللهم اغفر له وارحمه
اللهم اغفر له وارحمه واجعل مثواه الجنة. تعازينا الي أسرة الفقيد واهله واقاربه واصدقائه. انا لله وانا اليه راجعون.
آخر الأخبار