أهم الأخبار

جسد مستباح وبلد لم تصلحه ثورة في فلم "على كف عفريت" للتونسية كوثر بن هنية

ليبيا المستقبل | 2017/05/22 على الساعة 11:11

ليبيا المستقبل (عن القدس العربي): "البلد على كف عفريت وانت جاية تشكي!" هكذا صاح أحد ضباط الشرطة غاضبا متوعدا في وجه السيدة (مريم الفرجاني)، الشخصية المحورية في فيلم "على كف عفريت" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، المشارك في "نظرة ما"، ثاني أهم تظاهرات مهرجان كان بعد المسابقة الرسمية. "على كف عفريت فيلم صادم حاد لا يهادن نشهد فيه مواجهة حقة وموجعة بين مريم التي تغتصب وتنتهك جسديا ومعنويا على يد عدد من رجال الشرطة وبين المؤسسة الأمنية في الدولة، التي يفترض فيها أن تحمي المواطن لا أن تنتهك حرماته. إنه فيلم إنساني بامتياز نتماهى مع بطلته المنتهكة، التي تود أن تسترد بعض حقوقها السليبة، وفيلم نسائي بامتياز يكشف نظرة المجتمع للمرأة، تلك النظرة، التي تحيل ضحية الاغتصاب إلى متهمة بالتفريط في العرض، وفيلم سياسي بامتياز، يكشف الفساد والظلم الكامنين المتحكمين في الأجهزة التي يفترض فيها أن تحافظ على الأمن.

اختارت بن هنية، التي كتبت أيضا السيناريو المكثف المحكم للفيلم، في تحولها من الأفلام الوثائقية إلى الروائية قصة مثيرة للجدل بُنيت على واقعة حقيقية عن شابة تقف في مواجهة مؤسسات الدولة في محاولة لإثبات واقعة اغتصابها، واختارت بن هنية في الفيلم تحديا إخراجيا وتقنيا كبيرا، فالفيلم مكون من تسع فصول، نراها مرقمة على الشاشة، ويتكون كل فصل من لقطة واحدة مطولة دون قطع. خيارات طموحة وصعبة تختارها بن هنية، ولكنها تنجح في أن تنجز فيلما يحدث فينا من التأثير الكثير، ويثير فينا من المشاعر الكثير. تدور أحداثه في ليلة واحدة مشحونة بالتوتر والقلق والمشاعر المحتدمة والألم، ويضعنا في خضم دوامة من الأحاسيس، ويقدم نقدا سياسيا واجتماعيا لاذعا لتونس، ويفند تصور المجتمع للمرأة.

الشخصية المحورية في الفيلم هي مريم، وهي طالبة جامعية في الحادية والعشرين تقيم في نزل الطالبات في الجامعة في تونس العاصمة. تشارك في تنظم حفل اجتماعي للطلبة في أحد الفنادق للمطلة على البحر. ونراها في بداية الفيلم والحفل ضاحكة تتحدث مع صديقاتها وترقص على أنغام الموسيقى وتعبر لصديقتها عن إعجابها بذلك الشاب الوسيم يوسف (غانم زريلي)، وبعد حديث قصير تخرج معه خارج الفندق. ينتهي الفصل الأول، وتظلم الشاشة، ثم نرى مريم تركض في هلع، وترتعد وقد تلطخ وجهها إثر البكاء واختلاط الدموع بزينتها، ويعدو خلفها يوسف. يتبدى على وجه مريم الكثير من الذعر، كلما مرت سيارة للشرطة. ثم يتضح لنا تدريجيا أن مريم اغتصبها عدد من رجال الشرطة.

يوجه الفيلم انتقادا لاذعا للمؤسسات الرسمية ونظرتها للمرأة المغتصبة. دوما نجد ثمة اتهام واضح أو مبطن لمريم أنها السبب في ما تعرضت لها من انتهاك. تذهب برفقة يوسف للمستشفى لتوقيع الكشف الطبي عليها وإثبات أنها تعرضت للاغتصاب، فتلاحقها النظرات التي تتمهل على ثوبها القصير حتى تشعرها بالعري، ويصل إليها الاحساس أن المجتمع يرى أنها تستحق ما حل بها لأنها ترتدي مثل هذا الثوب. تجابه مريم في المستشفى بشتى أنواع الروتين العقيم والتلـكؤ وعـدم الاكـتراث بحالـتها النفسية أو الجسدية، وتـجد نفـسها ويوسـف يغـرقان في دوامة من الرفض والتعقيدات، لأنها تريد إثباتا طبيا بواقعة الاغتصـاب. ويزداد الأمر سوءا برفض المستشفى أن يفحصها الطب الشرعي قبل الذهاب للشرطة للإبلاغ عن الواقعة، رغم الذعر الواضح على وجهها وإصرارها أن الشرطة اغتصبتها، فكيف تشكو لمن اغتصبها.

تتابع فصول الفيلم مصورة مساعي مريم المريرة لإثبات أنها تعرضت للاغتصاب في كابوس ليلي مطول تنتقل فيه بكل ما تحمل من ألم وخوف من مستشفى لآخر ومن مخفر للشرطة لآخر. تواجه كل صور الترهيب من رجال الشرطة حتى تتنازل عن الشكوى، فمسعى رجال الشرطة، كما يصورهم الفيلم هو حماية أنفسهم والتنكيل بمريم. يصور الفيلم أن الخوف من العار والفضيحة يمثلان أقوى سبل المجتمع لقمع المرأة. يهدد رجال الشرطة مريم بابلاغ أبيها بأمر اغتصابها، ثم يهددونها بنشر فيديو واقعة الاغتصاب الذي سجله أحد رجال الشرطة حتى تتنازل عن شكواها. ولكن الفيلم ينأى بنفسه عن أن يصور جميع الرجال على أنهم مغتصبون متحرشون أو كل رجال الشرطة على أنهم ظالمون فسدة. يبقى يوسف مع مريم طوال ليلتها سندا ومعينا لها، يذود عنها ويقف في وجه رجال الشرطة كما تقف هي أيضا في وجههم. وتحصل مريم على بعض العون من أحد رجال الشرطة، الذي يوافق على تسجيل شكواها رسـميا.

ما تطرحه بن هنية في الفيلم، ليس مجرد تصوير للمحنة الشخصية، التي تعصف بحياة مريم فقط، ولكنها تنطلق من الفرد إلى المجتمع ومن الخاص إلى العام لتقدم صورة صادقة للغاية للمجتمع التونسي ونقدا لاذعا لمؤسساته ومجتمعه. يوضح الفيلم أنه حتى رغم الثورة والاطاحة بنظام بن علي، فأحداث الفيلم تدور بعد الثورة، يستمر فساد الشرطة، وتبقى قوات الأمن أداة لترهيب المواطن لا لحمايته، وتبقى المرأة هي الحلقة الأضعف دوما في المجتمع، رغم تحديها وصمودها. يبقى جسد المرأة عارا وعورة، ويظن الرجال أنه يحق لهم استباحته إذا لم تمتثل المرأة للتصور الذي يضعه الرجل للمرأة "المحتشمة" وزيها. رغم الثورات والحيوات المهدورة تبقى البنية المجتمعية على حالها ويبقى النسق القيمي الظالم السائد دون تغيير. لا غرابة إذن أن نستمع إلى يوسف، الشخص الذي آزر مريم في محنتها العصيبة، والذي نعرف من أحداث الفيلم أنه آمن بالثورة واشترك فيها، وهو يقول إن البلد بأسره قد استحال سجنا كبيرا، بينما تقتاده الشرطة للاحتجاز. تقدم مريم الفرجاني أداء صادقا يسحق القلب في دور مريم، التي كثيرا ما تدرس الكاميرا ملامح وجهها وما تحمله من حزن وألم وخوف وغضب وتحدي. نفرغ من مشاهدة الفيلم، ولكننا لا نفرغ من تأثيره علينا، يبقى وجه مريم في ذاكرتنا ولا يبرحها.

كلمات مفاتيح : تونس، سينما،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار