أهم الأخبار

"عاش صاعقا في نقده، حنونا في دعمه، صادقا مع نفسه"...

حسن محمد الأمين | 2017/03/06 على الساعة 03:46

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… ايها الجمع الكريم، من اسرة واصدقاء واحباب الرجل الكريم... وشكرا لمن بادر بلمسة الحب والوفاء هذه… تتقاسمون فيها مواجع الفقد وتستدعون فيها فرحات الأمس مع عزيز علي القلب… "عاش صاعقا في نقده، حنونا في دعمه، صادقا مع نفسه"...

كان بودي ان اكون بينكم لاشاركمم الم الفقد.. وابادلكم حرارة العزاء... واتذكر معكم اوقات اكتظت بكل الأشياء... قضيناها صحبة ذاك الذي رحل وذاك الذي دوما سيبقي...

كان اول حديث مباشر لي مع ادريس في شهر مارس 2004 عندما طلب مني علي الترهوني ومحمود شمام الاتصال به في القاهرة ومناقشة امكانية مساهمته في لجنة اعداد وثيقة "رؤية لمستقبل ليبيا" والتي عرفت بـ "وثيقة سياتل". كان جدا متجاوبا وابدي العديد من الافكار المهمة وقتها. ثم توالت الاتصالات واستمر التواصل الي ان التقينا وجها لوجة في ليبيا بعد الثورة. كان ذلك في طرابلس رفقة جمعة عتيقه...

ومنذ ذلك اللقاء صار ادريس جرعة لا بد منها بين الحين والاخر. كيف لا…  والضحكة البريئة لا تفارق وجهه الشاهدة تعاريج قسماته علي تعاريج الوطن وحكاياته. كيف لا… عندما تدمن سماع لكنته البنغازية الممجوزة باختها الطرابلسية. كيف لا… عندما تشتاق لمشاكساته، لعنادة، لبراءة الطفل القابع بداخلة. كيف لا… عندما تحتاج لان تنفق وقتا في مقهى الفائدة وتشتري بضاعة المعرفة والأدب…

ذهبت انا وجمعة عتيقة لزيارته في المستشفي بباريس فوجدناه متمسكا بالحياة ولكنه مصر علي عدم الامثثال لتعليمات البقاء. هكذا هو… عنيد ومكابر… وفي الوقت ذاته حنون.. عطوف وفيا لاصحابه. وفوق كل ذلك وفيا لمهنته… مهنة المتاعب...

اذكر ذاك اليوم في بنغازي في احتفالية اليوم العالمي للصحافة - وعلي ركح الاحتفالية - صعد الي ادريس - وهو جالس - بعض الشباب يخاصمونه حول تصريح لصحيفة.. فاشتد السجال وتتطاول الشباب علي ادريس فما كان منه الا ان رفع بعكازه وجري خلفهم يطاردهم علي الركح علي مرئي من الحضور… كان مشهدا اشبه بعرض مسرحي كان ادريس بطله بلا منازع...

بودي الحديث اكثر عن ادريس… فهناك الكثير… ولكن ساكتفي بالقول بانني سعيدا بالتعرف عليه… فخورا بصداقته... ممتنا لما بادلني به من حب وتقدير... وجدا جدا متالم لرحيله...

هذا الادريس الذي كتبت الصديقة العزيزة سعاد الوحيدي في رثائه تقول: "هذا هو ادريس الذي قضى ربع عمره في سجون القذافي، وخرج منها رغم العصف في عنفوان الأحرار، حرا مسكونا بالحرية، محلقا في فضاء الكون كطائر مجبول من ريح ودفء وصبر على اللامتناهي. وأخذ يحلق دون توقف، وقد تحرر من عجز الجسد، وقيود المألوف عبر الفيافي... هكذا عاش صاعقا في نقده، حنونا في دعمه، صادقا مع نفسه، وقد فتح قلبه وبيته لصعاليك الكون؛ ومشردي الحزن، وكل المتسكعين على مرافيء الأرض. كانت يده لا تخلو أبدا من كتاب؛ وكان يلتهم الصفحات في سرعة عبقرية. وهو وإن لم يترك (مصلوبا على الورق)، الكثير مما سكن قلبه المجروح بألف طعنه؛ لكنه ترك هذا الحب الذي وزعه حيث ما مرٓ... بالمجان.

شكرا للعزيزة سعاد.

وفي الختام… ومن هنا إلى هناك إلى بنغازي حيث مرقده الطاهر بمقبرة بودزيرة، أتلوا فاتحة الكتاب على قبره وادعوا له ولسائر المسلمين بالمغفرة والرحمة.

كونوا بخير… وسيكون الوطن الذي اراده ادريس.

حسن محمد الأمين
5 مارس 2017

* كلمة حسن الأمين في احتفالية تأبين الراحل ادريس المسماري - تلاها الأستاذ أحمد الفيتوري بالنيابة.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار