أهم الأخبار

عزة المقهور وثلاثون قصة طرابلسية (4) والاخيرة

سالم قنيبر | 2017/02/19 على الساعة 10:00

إلى عزة المقهور... (لوحة ليبية من لوحات الحي اللاتيني)

مشاهد طرابلسية، داخل و خارج بيوت طرابلس... شوارعها، وطرقها، وميادينها، وأسواقها، وشواطئ بحرها، وحدائقها.. اتخذت منها الكاتبة مواقع مكملة.. لحركة شخوص قصصها، وحملت معها وهي تتنقل خلالها  أدوات تسجيلها وتصويرها كتابة، تقدم معالم مرئياتها بدقة وصف ووضوح تبيان.

وكان لداخل البيت الطرابلسي بمراسم نظامه المعيشي، المعتمد في مأكله وملبسه ومختلف شئونه.. وما ترسخ نسقا يتبع في كل بيت، نجده أيضا مادة تقدم لمعظم قصصها الثلاثين.. وبما أن الكاتبة إمرأة.. ولأن صاحبة الشأن الأول في إدارة البيت الطرابلسي، أو الليبي عامة هي المرأة، ويظل عالم المرأة  المختص بممارسات طقوسه العامة.. أفراحا، أو مآتم، أو (لمات)، تُـعد  لمختلف المناسبات. يظل عالما مقفلا مغيبا عن الرجل.. لا يعرف عنه غير توفير ما يحتاجه من المتطلبات.. أو ما يتردد من الأخبار المتناثرة عما دار فيه من الحكايات.. وفي هذه القصص سنطلع على بعض من خواصه، ونتعرف على طرف من وقائعه.

(1) الفراشيــــة

وهذه عمتها خديجة... (المرأة القريبة إلى قلبها،.. والتي لا تكاد تتعرف عليها وهي ترتدي الفراشية)... كان لديها أكثر من فراشية، تقول: (البيضاء المفتولة الحواشي بعقد دورة تنتهي بشراشيب، ترتديها في الزيارات.. وتلك الملونة بلون الكبريت للخروج اليومي، بينما النوع الثالث من الحرير الأصفر، ترتديها في الأعراس والمناسبات.. تحتفظ بها في صندوق مستطيل من الورق المقوى في دولابها بين حاجياتها.. ما إن تعود من العرس حتى ترمي بها على سريرها ، ثم تبدأ في نزع حليها الذهبية من سلالسل المجارات واللبة والجوهر المتزاحمة على صدرها. "... أما ما ترتديه تحت (الفراشية) فلكل منها نوعه المناسب.. الفراشية الحرير تحتها حولي حرير موشى بخيوط الفضة.. أما البيضاء فتتوشح بالرداء البرمبخ المخطط بخيوط التل العريضة... وإذا ما وضعت الفراشية الملونة فإنها غالبا ما تلتحف بها على قفطانها فحسب".

(2) الطباخـــــة

وكانت مناسبة عودة والدها من الحج - وذلك الحديث عنه ورد في قصة أخرى... ضجت الحركة في البيت، وعلت المطالبات بطباخة لإعداد قصاع الكسكسي  "سلامة الحجاج"... وتذكرت (عمها محمد)، حاجب المحكمة الذي كان قد أخبرها عن زوجته التي تجيد الطبخ، (لو إحتجتي طباخة يا أستاذة زوجتي إيديها ذهب).. وتوجهت معه إلى (زاوية الدهماني) حيث يقيم.. فتحت لهما الباب "سيدة خمرية اللون فارعة الطول، عريضة المنكبين، يكاد رأسها يلمس حافة الباب الخشبية.. نظرتها جدية، لا تبتسم، كانت باسقة كشجرة، تلتحف رداء تقليديا مخططا يتهدل على جسدها الفارع.. كأنه رداء الرومان، ليكشف عن ثنيات أسفل التخليلة، في خطوط مستقيمة تشده نحو الأسفل، وتعقد تستمال على رأسها يختلف شكله عن ردائها".

وكان حضورها في اليوم المحدد ليتوجه الحديث إلى قيامها بإعداد وجبة (الكسكسي) بحرفية.. تستغرق في وصف مكوناتها وتتسع لتشغل حيزا  من القصة (... وما إن أكملت طبيخها حتى نزعت المريلة.. إغتسلت، إلتحفت بفراشيتها البيضاء.. أخذت عدتها.. جرجرت كرسيها بعيدا عن مكان الطبيخ  وجلست تنتظر من يعيدها إلى بيتها).

(3) طاسة الشاهي

وطاسة (الشاهي)... وللشاي في حياتنا المعيشية اليومية حضور ظاهر، ووجود مرافق لوجبات الأكل الثلاث، صباحا.. وغداءً.. وعشاءً وهو في المناسبات أو المتكآت النسائية.. من المستلزمات الأساسية، تتحلق النسوة حول (عالته) بمختلف  محتوياتها وتقوم إحداهن بإعداده. ومع  كركرة براد الشاي وغليانه على النار يدور الحديث وترتفع الأصوات المختلطة بالكلام.

ومعنا نورية والصادق و(طاسة الشاهي).. الصادق الذي لا يتمدد في الظهيرة إلا على المندار إلى جوار زوجته نورية ولا يداعب جفنيه النوم إلا على كركرة براد الشاي الذي تتفنن نورية في إعداده.. يتمرغ على ظهره قبل أن يستكين إلى النوم قدماه خارج الشرشف... ويشخر بصوت عال. وتستهل القصة بتقديم معدات الشاي التي تجهزها نورية (بعد أن تتربع أمامها).. السفرة الخشبية المستديرة، وسفرة المعدن فوقها.. (وغالبا ما تتطابقان حجما واستدارة)، والمفرش البلاستيكي الأبيض، والإبريقين (ذوي الحجمين المختلفين)، والكوب المعدني الواسع  (الذي يعرف باللقامة)..، ثم كئوس الشاي الزجاجية، والسخان، وأنبوب الغاز - الستوفة - (المغطى بقماش يخفي خطوط الصدأ العالقة به).

وكالمعتاد.. يتم تقديم التعريف وصفا لنورية.. بيضاء قصيرة القامة ومكتنزة، وجهها مستدير، يبدو أصغر من جسدها، ترتدي رداء برمبخ مخططا.. وها نحن نراها تجلس متربعة تعدل من ردائها، وتلقي بغطائه خلفها، (وكأنها ملكة تتبوأ عرشا)... تنظر إلى "العالة" أمامها (وتركز كل حواسها في إعداد الشاهي).. وتأخذ في متابعة تفاصيل هذه العملية.

ويبدو تميز الكاتبة وتفوق قدرتها على تقديم التفاصيل الدقيقة لمشاهد حركة قصتها واستحضارها واقعا مجسدا.. وتأخذ في السرد: ".. تضع البراد الكبير على نار زرقاء هادئة.. وما إن يبدأ عنق البراد في نفث البخار، مرتعشا على (الستوفة) حتى تفتح نورية الغطاء الساخن عنه.. وتواصل متابعة حركة الإعداد بتفاصيلها الدقيقة إلى أن تضيف".. وتتفنن نورية في تخليق الرغاوي... لتوفير أكبر قدر من الكشكوشة.. (لأن الصادق يحبها مرغوية ومنفوخة).. وحين تدفع نورية بسباتها غطاء الإبريق ليسقط على فوهته ويحدث صوتا.. يجفل الصادق في نومه ويفتح عينيه فتبتسم نورية بزهو وتقول: "الطويسة الأولى واتية"... وتأخذ في تجهيز الطاسة الثانية وهي تدندن بصوت خافت.. (ديري رغاوي وكشكشي يا طاسة... وأنت دوا للي مريض براسه... ديري رغاوي وكشكشي بالراحة... وأنت دوا للي كاثرات جراحة).

ولا تغفل راوية القصة شأن الصادق الذي رأيناه مستغرقا في النوم مستلقيا على المندار إلى جانب زوجته نورية وهي تعد له الشاهي، فتقدمه بقولها: (قصير القامة، لا يرتدي إلا بدلة عربية، ويعمل موظفا بإحدى الدوائر، في الشتاء يضع معرقة ويرتدي صديريا من الصوف على البدلة العربية ومعطفا أزرق...)... وللقصة بقية أحداث.. وللقصة توجهات مأسوية  يمكن استخلاصها مما آل إليه الحال (بعالة الشاهي) رفيقة مناني في الإستئناس بالصادق الذي كان يمضي السويعات نائما بجوارها كل عشية... (تبعثرت عالة الشاهي.. وصدئت أباريقها.. وتكسرت كئوسها الزجاجية الصغيرة).

تسع وعشرون قصة إختصت بطرابلس مكانا ومجتمعا بمعالم خصوصيات سلوكيات أفراده وتقاليد معيشتهم، تعرضنا لمعظمها، وقدمنا نصوصا مقتطعة منها، لتبيانها.. وللتعرف على الأسلوب الفني المميز للكاتبة في عرضها وتقديمها... إلا واحدة منها.. مستثناة... لم تكن طرابلس مجالا لها. وذهبت بنا بعيدا... بعيدا إلى باريس لمتابعة أحداثها.

(4) لوحة من لوحات الحي اللاتيني

ونراها... (الفتاة النحلية التي تميل إلى القصر).. وهي تصعد من محطة مترو سان ميشيل  إلى قمة الشارع الطويل المتجه نحو حديقة اللوكسمبورح..  تخترق الحي اللاتيني منطلقة في خط مستقيم باتجاه واحد حتى محطة مترو اللوكسمبرج.. وعندما تصل إلى منتصف الشارع تتوقف بغتة مصوبة نظرها بخط مستقيم نحو صدر الساحة المربعة... (إلى ذلك المبنى الضخم الذي يسد الساحة بالعرض ولا يترك لها من مخرج إلا من جانبيه الضيقين إنه جامعة السربون).. وكانت كلما مرت بجوار تلك الساحة ورغبت في الاستدارة نحوها تشعر بقدميها  ترفضان الانصياع لها.. وتدفعانها بالسير باتجاه واحد لا غير. وتكتفي   بالوقوف.. و(بعينين راصدتين) تلتقط الصور لتلك الساحة التي تعج بالشباب.. وتباشر عرض المشاهد المسجلة  لما يدور في لقاءهم بالساحة (كانوا يتبادلون الحديث بشكل ثنائي أو جماعي يتحلقون حول الطاولات يتسامرون تعلو أصواتهم وضحكاتهم، أو تتماس جباههم وهم يتهامسون....) - "لطالما حلمت بالدخول إليها.. لكن الوقت لم يكن قد حان بعد"..  كانت لا تزال تتعرف على (قواعد اللغة الفرنسية المعقدة) وكانت وهي.. (تمرر أصابعها على مفاتيح اللغة، تحاول بصبر فك طلاسم بودلير، ورامبو، وتقرأ كتاب "كلمات" لجاك بريفير... وتردد عن ظهر قلب أنا كما أنا،  هكذا خلقت... وتتغنى بأغاني جاك بريل).

وفي ذلك اليوم  الذي حان فيه الوقت.. وما إن توسطت الشارع حتى إندفعت مرة واحدة إلى اليسار.. شقت الساحة بسرعة.. إتجهت نحو المبنى العتيق الذي يتربع على ضلعها.. وفي قاعة المحاضرات بدأ الطلبة يتوافدون إلى أن إمتلأت القاعة.. كانت الإبتسامة تعلو محيا الوافدين وتهتز الرءوس بإيماءات التحايا.. أصبح المكان مألوفا.. وانبعثت ضوضاء محببة.. وسرى الدفء فيه.. وتحولت القاعة إلى مكان تعرفه... يحاضر الأستاذ في مادة قانون البيئة... (وتتطاير كلماته في الهواء بانسيابية..) وفي ذلك اليوم.. حينها فقط تحولت إلى (لوحة من لوحات الحي اللاتيني).

سالم قنيبر

بنغازي، الجمعة 17 فبراير 2017

* راجع الحلقات بـ (أرشيف الكاتب)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار