أهم الأخبار

وداعا ادريس المسماري... رفيق نضال مٰضاف يرحل دون وداع

سعاد الوحيدي | 2017/01/25 على الساعة 11:31

ما كنت ادري ان ما أتاحه له القدر من ذلك العمر الطفولي الذي اكتسبه في الزمن الضائع، لن يتجاوز الست سنوات. كنت قد ودعت ادريس المسماري في الخامس عشر من فبراير 2011، كفنته، وبكيته ودفنته (رغم المسافات التي كانت تباعد بيننا في حينها). وكنت على يقين وانا أتابعه يختفي على الاعناق أمام المحكمة في بنغازي،، بأننا لن نراه ثانية. وبالفعل طال اختفائه.... ثم عرفت انه لا زال على قيد الحياة بعد رحلة غير قصيرة من المواجهة مع سجانه السابق. عاد ادريس المسماري في قلبي الى الحياة، ُبعث من رماد العصف والعنف وضراوة المواجهة. عاد جبارا قويا (رغم جسده المكسور الجناح)، ليهزم اعتى سلطان. ثم في سيارة متهالكة، كانت ترتعش تحت تهديد رياح البحر، وخطر الطريق الساحلي ايام البراءة الأولى، وصل مع صديق عمره، ورفيق الزنزانة، رضا بن موسى الى طرابلس، ليتوجه مباشرة الى مبنى "مؤسسة الصحافة" الرمز الذي حاول السلطان عبره "إستعباد" الصحافة.

تبرعت لهما موظفة كانت تداوم في ذلك المبنى المهجور، الذي سكنته الغربان وافترش أروقته الغبار (تحتاج لتكريم خاص هذه البطلة الوطنية المتحركة من وراء ستار) مبلغ ألفي دينار؛ للبدء بأعمال التنظيف وشراء ما يتيسر.... المبلغ الذي كان كافيا لادريس المسماري لينطلق بهذا "المنبر"في سرعة خارقة؛ حيث لم ينتظر قيام الدولة، ولا صراعات الساسة والسياسة. أراد له ان يتحول إلى مؤسسة "لدعم وتشجيع الصحافة"؛ ايمانا منه بان الكلمة الحرة وحدها ما يمكن ان تَخَلَّق شعبا حرا.

بعد ذلك حصل رضا بن موسى على "قرض" من الجهة المصرفية التي يشتغل بها، لترتيب اوضاع  العمل، والمشتغلين في القطاع. في تلك الظروف الصعبة مع بدايات الثورة حقق المسماري اهم إنجازات الدفع بحرية الصحافة؛ (كان المشتغلون بالمؤسسة يتلقون رواتبهم في انتظام عجائيبي، وعكس كل التيار)، ليورق بسرعة في فضاء تعاسة حرية الكلمة في ليبيا اكثر من صحيفة؛... (حرة). الأهم في ذلك انه مكٓن لأول مرة في تاريخ العالم بأسره، خمسة سيدات من ترآس أهم خمس صحف في البلاد... خمسة، بما في ذلك صحيفة الجنوب الليبي المهمش عبر الزمن.

قاد ادريس المسماري حراكا غير مسبق للتبشير بحرية الاعلام؛ وكانت اخر أعماله قبل أن  يُلقى به الى خارج دائرة الفعل (ان لم نقل خارج الأبواب) كما يحدث في كل البلدان الجاحدة لأعمال أبطالها، تكريم رائدات الصحافة من النساء.

هذا هو ادريس الذي قضى ربع عمره في سجون القذافي، وخرج منها رغم العصف في عنفوان الأحرار حرا مسكونا بالحرية، محلقا في فضاء الكون كطائر مجبول من ريح ودفء وصبر على اللامتناهي. وأخذ يحلق دون توقف، وقد تحرر من عجز الجسد، وقيود المألوف عبر الفيافي.... هكذا عاش صاعقا في نقده، حنونا في دعمه، صادقا مع نفسه، وقد فتح قلبه وبيته لصعاليك الكون؛ ومشردي الحزن، وكل المتسكعين على مرافيء الأرض.

كانت يده لا تخلو أبدا من كتاب؛ وكان يلتهم الصفحات في سرعة عبقرية. وهو وإن لم يترك (مصلوبا على الورق)، الكثير مما سكن قلبه المجروح بألف طعنه؛ لكنه ترك هذا الحب الذي وزعه حيث ما مرٓ.... بالمجان.

سعاد الوحيدي

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار