أهم الأخبار

كريمة مختار كاريزما مصرية تشبه جميع الأمهات

ليبيا المستقبل | 2017/01/22 على الساعة 07:56

ليبيا المستقبل (نقلا عن العرب اللندنية): الشخصية النمطية، أحد ركائز المنظومة الدرامية، سواء في التلفزيون، أو على شاشة السينما، مع ذلك فإن القليلين فقط، نجحوا في استثمار أدوارهم في تقديمها، فصنعوا علامات فارقة في مشوارهم، ومن هؤلاء الفنانة المصرية الراحلة كريمة مختار، التي غادرتنا قبل أيام، عن عمر ناهز الـ82 عاما، بعد صراع مع المرض.

هل ينسى أحد 'أم العيال' التي كبرت

عندما ترد إلى الذهن صورة "الأم"، فإن الذاكرة تطفو فوقها على الفور، ممثلات مثل فردوس محمد، وأمينة رزق، وسعاد عبدالله، وعزيزة حلمي، وحياة الفهد، وثناء دبسي، وعلوية جميل، ومع ذلك ستبقى عطيات محمد البدري، الشهيرة بـ"كريمة مختار"، واحدة من أبرز الفنانات اللاتي أدين هذا الدور على الشاشة العربية، فأوجدت لنفسها مكانة خاصة من خلاله. مختار، كانت صاحبة الإطلالة "الأُمومية" الأبرز في عمر الدراما التلفزيونية، التي أثرتها بالعديد من الأعمال، بالإضافة إلى الكثير من الأدوار السينمائية التي اختارتها بعناية.

بدأت مختار رحلتها من ميكروفون الإذاعة في الخمسينات من القرن الماضي، مع الإعلامي الراحل، محمد محمود شعبان، "بابا شارو"، بعد أن وجد فيها الإذاعي والمنتج محمد الطوخي، وأيضًا الفنان عبدالرحيم الزرقاني، نبرة صوت مميزة، تتشابه مع صوت الراحلة فاتن حمامة، ما جعلهم أكثر تمسكًا بموهبتها، وأصروا على أن تمارس العمل، على الرغم من معارضة أسرتها.

ابنة المحاسب

التربية الصارمة التي رباها عليها أبوها، الذي كان يعمل مديرًا للحسابات في شركة "ماركوني" المقر القديم للإذاعة المصرية، جعلت الأب يرفض عمل ابنته في هذا المجال. إذ رأى في ذلك عيبًا كبيرًا، وهو الموقف الذي اتخذته والدتها أيضًا، خصوصًا وأن كريمة مختار كان لها خمس شقيقات، ما أثار عند الأبوين الخوف على مستقبلهن الأسري، في حال عملت الابنة في هذا المجال، لكن بعد محاولات مضنية لإقناع الأب، أعلن الأب رضاه.

زواجها من الفنان والمخرج والمنتج الراحل، نور الدمرداش، الذي كان قد حقق البعض من الشهرة، بعد أدائه شخصية "صلاح" في فيلم "صغيرة على الحب" مع سعاد حسني، كان بوابة لانطلاق رحلة فنية للنجمين معًا، بدأت بتقديمهما سويّا لأول عمل سينمائي له كمخرج ولها كفنانة تخطو خطواتها الأولى في فيلم "ثمن الحرية" أمام الراحلين عبدالله غيث ومحمود مرسي. في هذا الفيلم، بدأت كريمة مختار مشوارها الطويل مع "صورة الأم"، حيث جسدت فيه دور أم لفدائي مصري، أيام الاحتلال الإنكليزي، يختفي، فيقوم قائد القوات الإنكليزية، بالقبض على مجموعة من البسطاء، ويهدد بقتلهم الواحد تلو الآخر، ويأخذ بالفعل في قتلهم، ومع ذلك فإن الأم، ومعها هؤلاء المقبوض عليهم، تأبى الإفصاح عن مكانه. ثمن الحرية، تم إنتاجه في منتصف العقد الستيني من القرن الماضي، تلك الحقبة التي مثلت العصر الذهبي للسينما المصرية، والتي شهدت أيضًا الكثير من الأعمال السياسية الوطنية، كان من بينها هذا الفيلم.

ورغم تعدد أدوار الراحلة في السينما -بعد "ثمن الحرية"- ومنها أفلام "المستحيل"، و"نحن لا نزرع الشوك"، و"الحفيد"، و"أميرة حبّي أنا"، إلا أن واحدة من أهم الشخصيات التي قدمتها كريمة مختار، كانت في فيلم "وبالوالدين إحسانا"، الذي أثار ضجة حين عرضه عام 1976، لما حملته أحداثه من مواقف إنسانية مؤثرة بين الابن (الذي أدى دوره الفنان سمير صبري)، ووالديه كريمة مختار وفريد شوقي.

"رحلة كريمة مختار تبدأ من ميكروفون الإذاعة في الخمسينات من القرن الماضي، مع الإعلامي الراحل، محمد محمود شعبان، "بابا شارو"، بعد أن يجد فيها الإذاعي والمنتج محمد الطوخي، وأيضًا الفنان عبدالرحيم الزرقاني، نبرة صوت مميزة، تتشابه مع صوت الراحلة فاتن حمامة"

لم تمنع الشخصية النمطية، التي حاصرت كريمة مختار طيلة مشوارها الفني، من نجاحها في إضفاء البعض من المقومات والأدوات الخاصة بها على دور "الأم"، حيث كانت للراحلة، نظرة ثاقبة للكاميرا، تجمع بين الحزن والقوة والحنان، علاوة على تلك النبرة في صوتها، التي كانت تغيّرها من دور إلى آخر، رغم تكرار تجسيدها لنفس الشخصية، فصوت الأم الذي يجمع بين المرح والفطرة -كما في فيلم "الحفيد"- ليس هو ذلك الصوت القويّ لكن الحنون أيضًا في "أميرة حبّي أنا"، أو ذاك الحزين المؤثر في "وبالوالدين إحسانا".

الأداء الفريد

تلك المقومات، جعلت كريمة مختار صاحبة أداء مميز لشخصية الأم، على عكس غيرها من الفنانات الراحلات (فردوس محمد، أو أمينة رزق، أو علوية جميل) اللاتي حافظن على طريقة أداء واحدة خلال تجسيدهن هذه الشخصية. ولأن الصوت أحد أدوات الممثل الهامة، نجحت الراحلة، في اجتياز مرحلة أعمق في حياتها الفنية من خلال شخصية "ماما نونا"، التي قدمتها في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، ضمن مسلسل "يتربّى في عِزّو". هذا العمل، كان بمثابة النضج الفني الكامل للراحلة، حيث غامرت بتقديم دور يجسد "دلع" (تدليل) الأم لنجلها الوحيد، الذي تخطّى عمره الخمسين، ولم تخش من أعراض تقدمها في العمر، فجاء الدور يحمل قدرًا كبيرًا من الأداء المفعم بالدلال، للولد الخمسيني.

ويعتبر مسلسل "يتربّى في عزّو"، أحد أهم الأدوار، التي مثلت نقلة فنية في حياة الفنانة الراحلة، وحصدت عنه عددًا من الجوائز، منها جائزة أفضل ممثلة من مهرجان القاهرة للإعلام العربي الثالث عشر عام 2007، بالإضافة إلى درع التكريم من مهرجان "أوسكار السينما المصرية" عام 2008، وليس هذا فقط، بل إن شخصية، "ماما نونا"، أصبحت الأكثر قربًا إلى مزاج الأطفال، في تلك المرحلة الزمنية، ما دفع بصناع الألعاب، لطرح عروسة دمية بالأسواق، تحمل نفس الاسم خلال العام ذاته.

شراكة مع الملك

نقلة فنية أخرى حققتها كريمة مختار، في تقديمها شخصية الأم، عندما شكلت هي والراحل فريد شوقي، المعروف في السينما العربية بالملك، أو ملك التِرسو، "دويتو" شهيرًا جدًا، قدما من خلاله العديد من الأعمال، حيث نجحا في تقديم ثنائية الأب والأم، في جميع مواقف ومصاعب حياة الأسرة المصرية، ما بين الفرح والحزن، ما منح المشاهدين قدرًا كبيرًا من المتعة والقيم الأخلاقية التي تركت آثارها على الآباء والأمهات وهم يربون أبناءهم. لقد نجحا معًا، في هذا الثنائي الفني، في إبراز قدرة غير مسبوقة لديهما على توظيف إمكانياتهما والكيمياء المشتركة التي جمعت بينهما في العمل، دون أن يكون بينهما نوع من الارتباط العاطفي، ما منح الشريكين تميزًا أكبر خصوصًا وأن فكرة الثنائية الفنية ومدى نجاحها ارتبطت في ذهن المشاهد في كثير من الأحيان بوجود قصة حب أو زواج تجمع بين طرفيها.

 

ماما "نونا" الاسم الحركي الذي لازمها ودورها في حملات صحية توعوية حفر لها مكانا في قلوب كثير من المواطنين

ماما "نونا" الاسم الحركي الذي لازمها ودورها في حملات صحية توعوية حفر لها مكانا في قلوب كثير من المواطنين

من أشهر أعمال هذا الثنائي، أفلام "يا رب ولد"، و"بالوالدين إحسانا"، و"تمضي الأيام"، و"الليلة الموعودة"، و"أنقذوا هذه العائلة"، و"رجل فقد عقله"، بالإضافة إلى مسلسلات، "صابر يا عم صابر"، و"البخيل وأنا"، و"العرضحالجي". والنجاحات في حياة كريمة مختار -كأم- لم تتوقف على الشاشة فقط، إذ أنها بعد ما حققته من شهرة في الكثير من أدوارها، التي تألقت فيها، خطت نحو نجاحات أخرى في العمل المجتمعي، الذي تولت خلاله حملة التوعية ضد جفاف الأطفال، بالإعلان عن "المحلول" الذي أطلق عليه العامة من البسطاء في ما بعد "محلول كريمة مختار"، نظرًا لمدى الصدق الذي عبّرت من خلاله الفنانة عن خطورة الأمر.

هذه الحملة التوعوية جعلت للراحلة مكانة في جامعات العالم، تلتها بعد ذلك حملة الأسرة، عن تنظيم النسل، التي رشحت لها الكثيرات من الفنانات، مثل الراحلة هند رستم، وفاتن حمامة، وغيرهما، غير أنهم في الحملة أصروا على اختيار كريمة مختار، لتكون شعارًا لها، بتقديمها دور الطبيبة، وسط اعتراضات من آخرين، رأوا عدم صلاحية الراحلة، كون الحملة كانت عن الفلاحات ونساء الأحياء الفقيرة، وأوضح المنظمون أن الرسالة ستكون أكثر وقعًا لو أنها أتت من "ماما كريمة مختار". كما قدمت الراحلة، أفلامًا توعوية خاصة بالوقاية من مرض إنفلونزا الطيور، الأمر الذي نالت عنه جائزة من وزارة الصحة، وأخرى من منظمة اليونيسيف عام 2008.

أم صارمة في الواقع

عندما تحدثت عن نفسها، أكدت أن مكانتها الفنية الحقيقية، تحققت من خلال تجسيد أدوار الأمومة، بحسب ما صرحت به سابقًا في أحد لقاءاتها التلفزيونية، فقد كانت تجيد اختيار نوعية الشخصيات التي تلعبها، مع الدقة في اختيار المخرجين والفنانين من الرجال، الذين يقفون أمامها، وكان من ذكاء الفنانة الكبير أنها لم تلهث وراء المزيد من الشهرة بالوقوف أمام نجم بعينه، أو بالانتشار من خلال تقديم عدد كبير من الأدوار دون هدف أو قيمة.

ما أضفى على "مختار"، المصداقية في لعب هذا الدور على الشاشات، نجاحها في حياتها الطبيعية، حيث عرفت بأمومتها الطاغية لأبنائها، واستقرارها الأسري، ولعل زواجها من الفنان الراحل نور الدمرداش، الذي جمعتها به قصة حب، وأنجبا ثلاثة أبناء، هم شريف، وهبة، ومعتز الدمرداش (الإعلامي المصري الشهير)، كان سببًا رئيسًا في الوعي الذي صاحبها طيلة رحلتها الفنية، خصوصًا وأن نور كان يشجعها دائمًا على مواصلة العمل، بعكس ما واجهته من اعتراضات من الأهل في بداية مشوارها الفني.

"ماما نونا"، التي عرفها الجمهور بالدلع والحنان للابن "حمادة"، كانت مختلفة عن كريمة مختار، الأم الصارمة، التي وضعت مصلحة أبنائها وتربيتهم نصب عينيها، حيث كانت أكثر جدية في تعاملها معهم، لكن هذا لم يمنعها من الاعتراف بندمها في اختيار زيجات غير مناسبة لأبنائها في البعض من الأحيان.

رغم المحصول الفني الكبير، والعمل مع الكبار من المخرجين مثل عاطف سالم وحسن الإمام وآخرين، وكذلك مع الفنانين الكبار مثل فريد شوقي ومحمود مرسي، َوعبدالله غيث وَعبدالمنعم مدبولي، إلا أنها كانت تتمنى العمل في سنواتها الأخيرة مع الفنان أحمد مكي، لإعجابها به في شخصية "الكبير"، بالإضافة إلى أنها كانت ترى أن الوقت مناسب جدًا، لتقديم الأدوار الكوميدية.

مكانتها الفنية الحقيقية، تحققت من خلال تجسيد أدوار الأمومة

مكانتها الفنية الحقيقية، تحققت من خلال تجسيد أدوار الأمومة

أتى دور "الأم" في مسرحية "العيال كبرت"، عندما جسدت أم فنانين كبار راحلين، هم أحمد زكي وسعيد صالح ويونس شلبي، نقطة هامة في الرصيد الفني لكريمة مختار، رغم ندرة أعمالها المسرحية، خصوصًا وأنه كان المرحلة الثانية التي انتقلت فيها الفنانة لتقديم الأدوار التي تحمل كوميديا الموقف، مثل فيلم الحفيد.

كريمة مختار، التي شاء لها القدر أن يشهد شهر يناير، مولدها ووفاتها، بفارق أربعة أيام فقط، لم تبخل نهاية رحلتها التي تكللت بالكثير، بالوقوف أمام الشباب كأمهات لهم، رغم أنها أحيانًا ما كان ظهورها معهم لا يتعدى عددًا قليلًا من المشاهد، ومع ذلك تركت تلك الأعمال، التي اختارتها بعناية فائقة، أثرًا في ذاكرة المشاهد. من بين هذه المشاهد، تلك التي قدمتها، في فيلم "ساعة ونص"، عندما جسدت شخصية الأم التي تعاني من مرض الزهايمر، والتي ملّ منها ابنها، فقرر تركها في محطة القطار، ومعها ورقة، توصي بإيداعها في دار للمسنين، وسط دموع وبكاء حارّ منها، وكذلك دورها، في فيلم "الفرح"، الذي أدت فيه شخصية الأم، التي تدخر القليل من النقود، من أجل شراء الكفن عند موتها، وإقامة جنازتها.

قاهرة الزهايمر

أما دور "سندس"، الذي لعبته في مسلسل "دلع بنات"، مع الفنانتين، مي عزالدين وكندا علوش، فرغم الهجوم والانتقاد الذي وجّه للراحلة، بعد تجسيدها دور السيدة العجوز "المتخلفة عقليًا"، إلا أنها نجحت في وضع بصمة خاصة لها فيه، أفصحت عن جرأة لم تمنعها من تقديم الشخصية بواقعية كبيرة.

كريمة مختار التي كرمت عن مجمل أعمالها في ختام المهرجان القومي للمسرح عام 2010، كما كانت أمًا في أعمالها الدرامية، لعبت الدور ذاته مع العديد من الفنانين خلف الكاميرا، والذين كانوا يجدون فيها رائحة الدفء والحنان، والزمن الماضي، ما جعل وفاتها، صدمة بين هؤلاء الفنانين، الذين نعوها عبر صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي.

"لقد أديت رسالتي.. وليس في حياتي ما أخجل منه. أو يزعجني"، بتلك العبارة التي ختمت بها الراحلة مشوارها الفني، خلال حديثها مع نقيب الفنانين الدكتور أشرف زكي منذ أيام، قبل رحيلها.

كانت مختار تشعر وكأن الرحلة أوشكت على الانتهاء، فأبت أن تستقبل النهاية، إلا وهي تعلن اعتزازها بالعمل في الوسط الفني، الذي تركت فيه الكثير من البصمات، وهكذا، ستبقى كأحد أعمدة الفن المصري الذي جعل لشخصية الأم مكانة ودورًا بارزًا، يرمز للقيم والأخلاق، بل ورمزًا اختفى من الأعمال الدرامية في سنواتها الأخيرة، التي شوهت فيها شخصية المرأة، وخصوصًا الأم.

كلمات مفاتيح : مصر، سينما،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار