أهم الأخبار

محمد نجم: اْطياف الرحيل والتاريخ

سالم الكبتي | 2016/12/14 على الساعة 13:43

صباح الثلاثاء 13 ديسمبر 2016 توفى محمد نجم مواطنا عاديا فى اْحد مستشفيات تونس العاصمة. ومع الصباح تبدت اْطياف وصور ومشاهد. والرحيل الذى لابد منه لاْى انسان كائنا ما كان.. يستدعى من بعيد.. من بعيد جدا اْطياف مختلفة وكثيرة ومختلطة لاْبعاد الضوء والظل فى حياة الرجل الذى مضى الى جوار ربه.. الى رحاب التاريخ. مسؤولا ذات يوم ثم مواطنا عاديا ساعة رحيله فى صباح الثلاثاء.

اْطياف حياة بداْت عام 1943. الادارة البريطانية تبسط قوتها بفعل الحرب على البلاد. تتخذ من المرج فوق قمة الجبل مقرا لقيادتها. وبنغازى وضواحيها تعمها الخرائب والفزع والخوف. الاطفال يولدون والحياة عادية فى ظروف تمر بها كل عائلة ليبية عبر تلك الاعوام ومابعدها. الدراسة والطموح والمشاركة تطوعا فى تعليم الكبار من خلال محو الامية فى الصابرى. النخيل والسباخ وزرايب العبيد. ثم الالتحاق بالحركة الكشفية شابا يحضر اجتماعات فرقها فى المفوضية ومعسكراتها ويلتقى بشبابها فى جودائم والقوارشة من كل اْنحاء الوطن. واْطياف تمتد. الدخول الى الكلية العسكرية الملكية ضمن الدفعة السابعة اواخر عام 1963.

العام العشرون من العمر. الشباب والاندفاع ومزيد من الحماس والطموح مثل كل شاب ليبى. تزيد الاطياف امتدادا حيث تشاء الاقدار ازدحام المزيد من الالوان فوق الضفاف فى الحياة الانسانية التى تستمر فتهىْ له التخرج مع مجموعة من زملائه اْضحواء اعضاء مجلس قيادة الثورة عام 1969 التى عرفت لدى الجميع بالانقلاب بعد اْن كونوا تنظيمهم فى اْيام الدراسة بالكلية. الاقدار من الكلية الى الحياة العسكرية الى قمة السلطة.

اْطياف لمعالم اْخرى تمتد بقوة وتنتشر الى مناطق الضوء ليصبح الرائد محمد امحمد نجم الذى شاءت الاقدار له اْن يكون خارج البلاد فى اجازة يوم الاول من سبتمبر. لم يشارك ولم يحضر مثل زميله مختار القروى. ولكنها الاقدار.

ثم يراْس اْول محكمة عسكرية لمحاكمة رفاق الامس.. حركة ادم الحواز وموسى احمد. بعد تفجر الخلافات واتساع مداها فى الاشهر الاولى. لم يعد ذلك خافيا على اْحد. فى تلك الظروف يشهد له الجميع بشجاعته وعناده ضد اصدار عقوبة الاعدام رغم التشويشات التى حصلت. كان صوته مبحوحا من حدة النقاش اْثناء تلاوته للاْحكام التى اْصدرها كما تريدها المحكمة وليس كما يريدها العقيد. اْحكام متفاوتة لم تصل الى الاعدام وكان ثمة اْمل فى اْن يصار الى تخفيفها. كان شجاعا فى المواجهة كما يشهد الجميع. عامل المتهمين رغم كل التشويشات والالتباسات بمنتهى الاحترام واتاح الفرصة واسعة لهيئة الدفاع وعمل ماوسعه العمل والجهد فى ظروف تحيط واحاطت به تلك الساعات وببعض زملائه الذين عانوا من المطرقة والسندان. من اللوم وقيادة البلاد نحو المجهول. ثم يصبح وزيرا للخارجية عام 1970. ويفتح الابواب مشرعة امام كفاءاتها القديمة للعمل.. للاستفادة من خبرتها. ثم تركه للوزارة. نقاشات وعناد واْحيانا كثيرة الالتزام بالبيت.. فى الصابرى. حيث النخيل والسباخ وذكريات الطفولة القديمة.

اْطياف تلوح وتمتد. ويظل محمد نجم هو محمد نجم سواء فى السلطة اْو خارجها. شهد له الجميع فى بنغازى بذلك. ينحسر الضوء وتلك هى الاقدار. ليمتد الظل خطوات اْخرى. وفى كل هذا كان محمد نجم محل تقدير زملائه والناس. فلم يشهد له اْحد بظلم. اْو اساءة لاْحد. اْو استغلال لسلطة. عامل الناس على قدر اْحوالهم وشكاواهم. طرق بابه الكثيرون ولم يرد اْحد وقضى له مايشغله دون جميل.

واْطياف تتراءى من بعيد خلال ذلك كله فيه نقاط تحفل بالمواجهات الضارية قاربت على استخدام السلاح فى الاجتماعات المغلقة. المطالبة بالعودة الى الثكنات وتحقيق الحلم الذى تم الاتفاق عليه. لكنه وبعض زملائه راْى اْن معمر القذافى لم يعد معمر السابق منذ معرفتهم به وزملائه اْواخر عام 1963 فى ساحة الكلية اْو معسكر التدريب الخارجى فى طلميثة. ضوء وظل يمتد وينسحب ويتراجع. والمطرقة والسندان.. لااْحد يرحم فى كل الاحوال.

تتسع المواجهات لتشمل مايتصل بالعمل السياسى فى الخارجية واْتساع نفوذ اْبناء القبيلة. من ضباط الصف الذين ظل نفوذهم يزداد. صاروا ضباطا يجتازون نطاق القادة.. اعضاء القيادة وتهميش بعض الزملاء من الاعضاء الذين يواجهون ويناقشون ويحاولون فتح ثغرة فى الجدار الرهيب.

واْطياف الانسحاب الذى لابد منه الى منطقة الظل. رفض الثورة الشعبية وتخريب الادارة واعتقال الناس وتدمير التعليم. انزواء فى الظل هو الافضل. ورغم ذلك يسعى لحماية المدينة واْبنائها مع المخلصين من تغول الكثيرين من المنافقين والمصلحيين والثوريين الذين طراْوا على السطح. تلك من بدايات الخلاف واْسباب الانسحاب. واحداث عام 1976 تشهد للرجل بمواقف لاتنسى. وشجاعة اْخرى تتضح فى الرد على معمر فى مقالات نشرها بجريدة الفاتح فى بداية صدورها عام 1974 بمقالات مضادة وصريحة ويتحمل فيها كل المسؤولية بتوقيع (محمد محمد). خاف عليه الكثيرون من العواقب.. لكنه لم يخف.

اْثر وفاة الملك ادريس رحمه الله طلب من معمر فى برقية مشهورة الموافقة على اْن يدفن فى الجغبوب. كثير من المواقف الشجاعة مع السيد على صفى الدين فى استعادة بعض حقوقه وممتلكاته. عقب اْحداث العزيزيه فى مايو 1984 حضرت مجموعة لهدم منزل الحاج سالم صهد.. خرج لهم وردهم عن فعلتهم متحملا كل المسؤولية ولم يحققوا ما اْرادوه اْو اْراده من اْرسل بهم. ومواقف كثيرة.

وفى كل ذلك - مع بعض الزملاء الذين اْنسحبوا مثله - كان محمد نجم يحاول اْن يكون شاهدا غير عاجز بعد الركون الى منطقة الظل. ومواجها غير متردد فى ظروف لايحيط بها اْحد وظلت حبيسة القاعات اْو المرابيع. وكان يحاول - مع بعض الزملاء - وسط رياح عاتيه اْن يكونوا اْصواتا للعقل فى مواجهة الجنون.. والغطرسة. جنون العظمة والعواصف العاتية.

وكان يحرص اْيضا - مع بعض الزملاء - على تحقيق التوازنات وايجاد العلاقات الضرورية خدمة للصالح العام رغم كل مايقال وعدم الرؤية الصحيحة اْو الفهم السليم اْو المنطق الخاْطى من الاخرين. وفى كل ذلك.. وسط العواصف التى شاءت الاقدار اْن يكون فيها.. يخاف من المجهول.. من المستقبل الذى قد تصل اليه ليبيا بفعل التهور والجنون والعواصف.

كان شريكا فى حلم بعض زملائه لمستقبل رائع للجميع ولم يخطر بباله تلك الساعات عبر الحماس الذى قاده للشراكه والمشاركة فى اْن تصل ليبيا الى المجهول نتيجة لذلك الجنون الذى لم يستطع كبحه واولئك الزملاء اْو الحد منه.

وكان لابد مع الوقت اْن ينحسر الضوء ليظل فى الظل.. بعيدا مواطنا عاديا. لكنه صار بسلوكياته مع مجموعة من رفاق الامس اْقوى مما كانوا فى منطقة الضوء. اْقوى بالعلاقات الانسانية وامتدادها مع كل الناس. لم يتغير فى السلطة. لم يتغير خارج السلطة. كان مواطنا عاديا فى كل الاحوال.

عرفته عن قرب وعرفت بعض زملائه. التقيتهم كثيرا. حاورتهم. قالوا وتحدثوا بصدق. ولانهم فى منطقة الظل لم يسمح لهم بنقل شهاداتهم اْو الدفاع عن اْنفسهم اْو اظهار الحقائق عن فترة مهمة امضوها شركاء فى المسؤولية. ومن حقهم ذلك تماما. ولكن الانطباع المسبق لدى معظم الليبيين جعل منطقة الظل تمتد وتتسع وينحسر الضوء. وكان محمد نجم وزملائه الذين التقيتهم يمتلئون صدقا فيما تحدثوا به مثلما يمتلئون اعترافا باْية اْخطاء اْو اندفاع جارف. كانوا يرون فى معمر القذافى قديسا قبل اْن يتغير وتغيره السلطة ويصل الى مرحلة جنون العظمة. لقد حاول على سبيل المثال اغتيال عبدالمنعم الهونى عن طريق فرقه الخاصه ذات يوم فى لندن. وحاول مع محمد نجم نفسه. وعوض حمزه. وكاد ينجح فى هذه المحاولات. والكثيرون ممن التقيتهم توثيقا لتاريخنا - شئنا ام ابينا - اْكدوا حقيقة تلك الامور والمواقف. وعلينا جميعا اْن نعيد تقييمنا للرجال. فالتاريخ لابد اْن يتحرك. لابد اْن نلم بجوانبه وتفاصيله ربطا لخيوطه. لابد اْن نتقصى الاحداث والخطوات والاخطاء. لابد اْن نجمع ذلك ونحلل ونتجه بعلمية ومنهجية الى المستقبل.

واْطياف اْخرى.. تتبدى وتتضح مثل الشمس قليلا.. قليلا. لكن محمد نجم هذا الصباح هو فى ذمة الله.. وفى رحاب التاريخ. ومع الرحيل تلوح وتنهض صور لحياة ومواقف تظل جزء من تاريخه وسيرته ثم من تاريخ الوطن - شئنا ام ابينا - ذلك هو الواقع. ذلك هو التاريخ.

محمد نجم… اْيها الصديق الانسان. وداعا وبوركت جهودك عند العلى القدير الذى لاتضيع الودائع لديه الى يوم يبعثون وهو ولى المؤمنين.

سالم الكبتى

 

الكاتب مع محم نجم

الكاتب فى حديث مشترك مع محمد نجم وعوض حمزه

العقوري | 19/12/2016 على الساعة 07:12
الشاهد الشجاع .....
رحم الله الرائد/ محمد نجم وتقبله بواسع رحمته وألهمنا جميعا الصبر والسلوان وان لله وان اليه راجعون...رحل الشاهد الشجاع والذي وقف مواقف عديدة مع اهلنا في ربوع الوطن كافة ...ساعد كل من قصده ووقف مع كل محتاج ومسكين وضعيف ....كنت أتمني ان يكون كتب مذكراته في هذه الفترة العصيبة منذ 1969 سنة الانقلاب الي سنة النكبة 2011 ..ونأمل من الاستاذ سالم الكبتي ان يبحث مع عائلته الكريمة بحكم علاقته بهم كتابة اية مذكرات او حكايات تهم الوطن قد تكون نافعة لنا وللاجيال القادمة نستخلص منها العظة والدروس ونعرف من خلالها ماكان يحاك للوطن....اللهم يارب أرحم الفقيد الراحل وأنزله منزلة حسنة ونقيه من الذنوب كما ينقي الثوب الابيض من الثلج والبرد ...اللهم ارحمه بواسع رحمته وتجاوز عن سيئاته وسيئاتنا و زد له من حسناته يارب ياكريم .....وارحمه برحمتك الواسعة ....اللهم آميييييييييييييييييييييييييييين
Naseer | 15/12/2016 على الساعة 22:17
البقاء لله وحده
اللهم اغفر له ورحمه وعافه واعفو عنه واكرم نزله ووسع مدخله
محمود الدرسيl | 15/12/2016 على الساعة 14:37
البقاء لله وحده
رحم الله الرائد محمد نجم وغفر له وسائر أمواتنا واموت المسلمين ،، ورحم الله والديك يا أستاذ سالم ودمت
آخر الأخبار