أهم الأخبار

النيهوم والساطور... مدارس ليبية فريدة

أكرم الزروق زوبي | 2016/11/23 على الساعة 03:46

يوجد شخصيات ليبية ثقافية وسياسية ونضالية واجتماعية وغيرها في الماضي والحاضر لا يمكن نكران جهودها وتضحياتها وما قدموه ولا ينبغي هضم حق أحد، وطبيعي أن يتفوق شخص على آخر في مجال معين والناس درجات ومعادن والظروف لها دور في صياغة الناس.

في كل مجال وفن واتجاه لابد أن يبرز علم يكون علامة فارقة ونقطة تحول لمن بعده وهذا يعود لأسباب وعوامل عديدة منها شخصيته و أسرته وظروفه وعقليته وأسباب معلومة وأخرى غير معلومة تصنع شخصية فريدة تسابق الزمان وتتجاوز المكان في ثروتها النظرية أو العملية، وللأسف مثل هؤلاء الكبار لا يعرف الناس حقها واستشعار قيمة ما قدموه إلا بعد رحيلها بزمن! ربما هذه عادة قديمة جديدة عند الكثير من الشعوب والأمم.

أسباب التميز  كثيرة أحياناً تميز في الشخصية نفسها وتارة في أعمالها سواء فكرية نظرية أو عملية سلوكية ومن النادر التميز في الجانب الشخصي والعملي لصعوبة التوفيق بين الواقع والنظري والعملي، وليس بالضرورة توافق كلي وتفرد وانطباق تام بين العملي والنظري، الدرجة الأولى الانسجام بين المبدأ والفعل وهنا بيت الداء، الكثير يملك مواهب وثقافة وفكر ونقد وذكاء ولكن بشخصية ساقطة خفيفة تميل مع المصلحة وتحت الطلب وصوته وكلماته لمن يدفع، أو تسقط في عبادة الأنا ولا ترى إلا نفسها، الندرة في الإخلاص والمبدأ وعفاف النفس الحقيقي والعطاء المجاني للوطن ولكل الناس، وبهذا أصبح الصادق النيهوم ظاهرة ليبية ومدرسة ثقافية فكرية فريدة من نوعها   قضية ثابتة لا جدال فيها. والساطور المرحوم العزيز حسن محمود ادهيميش ظاهرة ليبية فريدة من نوعها، والحق أن والده الشيخ محمود رحمه الله عالم فريد بحد ذاته بحكم تجربتي والمعرفة.

ما نوع التفرد لهذين العلمين وماذا يمكن أن نستفيد من هذه المدارس الأصيلة؟ وما هو المطلوب وممن؟

أبرز معالم التفرد لهما الإبداع الذاتي، إبداع الأسلوب. الساطور يختصر كتب في صورة والنيهوم يرسم الصورة في سطور، مع انجذاب وتشويق وعمق، وهذا نادر عند المبدع. وكلهما يصور للعقل صور ومعاني تخاطب الوجدان وتكسر حدود الخيال. التواضع وكراهية الزخرفة والهرولة خلف أصحاب الأموال والسلطة والشهرة المتعجرفين. الاستفادة من الغربة والتفاني في الشأن الليبي وتوظيف التجربة والخبرة في خدمة ليبيا بلا مقابل مشروط. المعرفة الحقيقية للواقع ومشاكله وثغراته وهموم الناس وانتقاد ايجابي صادق لا انتقاد نابع عن عقد نفسية وانبهار ومثاليات لا واقع لها في العالم. الاستقلالية عن التيارات السياسية والدينية والتفكير والعمل بعقلية وأسلوب حضاري بعيداً عن التعصب بكل أنواعه.

تفرد قل نظيره في المشهد العام، وبحق صنعوا بداية حقيقية قابلة للتطور والانتشار وتأسيس مشروع مفيد ومؤثر يصنع شخصيات ليبية نوعية في الثقافة والفكر والفن والنقد الايجابي المؤدي إلي التغير والحراك السليم... العشق الواعي المميز لبنغازي الفريدة الغالية فهما من رحيق المدينة يعشقان نسائم بحرها الساحر. وبنغازي صاغت فيهما الموهبة والشخصية أيضاً.

نستفيد الكثير حينما نعطي هذين العلمين قدرهما وقيمة لما قدموه لليبيا، بغض النظر هل توافق على كل ما عندهم أم لا، يفترض الاتفاق أن هؤلاء ثروة يجب أن لا يضيع تراثهم ويرمى في الأرشيف وزوايا المكتبات، سوف نستفيد أولاً حس النقد والمحاولة لتأمل الحياة والقضايا ونكتسب مناعة ضد التسليم الأعمى وفكرة الإرهاب وإرهاب الفكرة، والسذاجة في تصديق المعلومة وأي قضية كانت، مخاطبة العقل والوجدان وتحريك المنطق والتأمل مكسب مضمون في مدرسة النيهوم والساطور وهذا عامل أساسي للعمل على إعطاء كامل الاهتمام لتراث غني وفريد قدموه بتعب وسهر وتضحيات كبيرة.

المطلوب كل شيء يمكن أن يساهم في إيصال هذه المدارس لكافة الشعب الليبي، والحقيقة حظ النيهوم أكبر من العزيز حسن ادهيميش الساطور، فقد تكفل من يخرج تراث النيهوم إلي النور في كتب ومقالات وغيرها من الوسائل، مع هذا لا يعد الجهد المبذول المشكور أعلى الطموحات خصوصاً في مرحلتنا الحساسة، ولسوء الحظ إلي الآن لا يوجد أي بوادر جيدة في جمع وتدوين ونشر تراث الساطور بشكل منظم واسع، المطالب الأول هو المسئول الثقافي والفكري والفني في الدولة ولكن لا حاجة لنا لضرب الأموات، المسؤولية غير محصورة يمكن لمجموعة صغيرة من المثقفين والتجار أن يتكفلوا بأقل المطلوب بعمل مشترك جدي مدروس بخطوات فاعلة وبداية حقيقية في بناء مؤسسة ليبية مستقلة حقيقية بعقلية وأسلوب ومهنية حديثة، تتحمل مسؤولية الحفاظ على هذا التراث وتقديمه ونشره بشكل جديد ومؤثر وبطريقة علمية واضحة.

الوفاء لأصحاب الفضل في الثقافة والفن والفكر لا يقل عن الوفاء لدماء القادة والجنود في معارك التحرر والاستقلال والعزة والشرف، من مقاييس الحكم على الفرد والمجتمع مقياس الوفاء لأصحاب الفضل والتميز ومن قدم خدمة للناس بروح صادقة لا يريد مديح ولا جزاء من أحد. نتمنى أن نرى عشرات الليبيين على درب النيهوم في الكتابة والفكر والفلسفة والأدب والنقد الايجابي وعشرات الليبيين تظهر المدرسة الفنية الساطورية وترسم لوحات التقدم والحضارة والأمل لحاضر ومستقبل ليبيا.

أكرم الزروق زوبي

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار