صالح الصالح: ديوان المحاسبة 22/6/2013 20:42 صالح الصالح: ديوان المحاسبة
صالح الصالح بحث

ديوان المحاسبة....... مرة أخرى

كنت قد تناولت موضوع ديوان المحاسبة في مقال تحت عنوان "ديوان الحاسبة ضحية أم جلاد" وأجد نفسي اليوم أتناول ذات الموضوع ولكن لأسباب أخرى. ترددت خلال الأيام الماضية أنباء حول قيام المؤتمر الوطني العام بالتصويت على إقرار قانون ديوان المحاسبة الجديد ولست بصدد مناقشة جدوى فصل الأجهزة الرقابية العليا أو دمجها من قبل مؤتمر مؤقت ودون وجود دستور يحدد توجهات المجتمع بشكل عام.

غير أن ما استوقفني هو ما تم تناقله عن قيام أعضاء المؤتمر بالمصادقة على تعديلات جوهرية بنصوص ديوان المحاسبة وهي تلك النصوص المتعلقة برقابة الديوان على التعاقد والصرف على المشروعات. حيث يختص ديوان المحاسبة بدراسة العقود التي تزيد قيمتها عن خمسمائة ألف دينار والموافقة عليها قبل إبرام عقودها وكذلك بالفحص لمستندات الصرف قبل إتمام صرف المستحقات وقد جاءت التعديل برفع سقف قيمة العقود الخاضعة للرقابة المسبقة إلى خمسة ملايين دينار واحصر الرقابة على الصرف بعد إتمام الصرف وليس قبله.

وحتى تتضح الصورة أمام القارئ فإن إجراءات الرقابة على التعاقد والصرف وضعت لتحقيق أهداف محددة تتلخص في الآتي:

- ضمان تنفيذ الميزانية وفق قانون إصدارها والحد من أي تجاوزات للمبالغ المخصصة بالميزانية تفاديا لأي انحرافات تؤدي إلى حدوث عجز بها.

- تحقيق رقابة فعالة على إجراءات التعاقد بما يضمن توافر النزاهة ي إجراءات العطاءات والمفاضلة بين العروض وتقييم الجهات المتقدمة وترسية العمل على من تتوفر فيه الشروط اللازمة لذلك.

- ضمان إجراءات الصرف بحيث تتم وفق تفويضات مالية صحيحة ومطابقة لقانون الميزانية وأن تلك المبالغ تقابلها أعمال منفذة على الواقع وضبط إجراءات الصرف بما يتوافق وتقدم العمل بالمشروعات.

- التحقق من وجود إشراف فعلي يقوم بممارسة عمله وفق الاشتراطات والأصول الفنية.

- التحقق من استيفاء الحق العام من حيث سداد الضرائب والرسوم الجمركية والضمانات المنصوص عليها قانونا.

وقد ينبري الخبراء والمختصون للقول بأن تلك الأهداف يمكن تحقيقها من خلال الجهاز التنفيذي وأدوات الرقابة الداخلية به ومن خلال رقابة وزارة المالية عن طريق المراقبين الماليين وهذا القول صحيح نظريا ولكنه مردود عليه للأسباب التالية:

- أن الواقع العملي أثبت في السابق وحاليا أنه لا الجهاز التنفيذي ولا المراقبين الماليين يملكون القدرة لوقف المخالفات ومجابهة ضغط الحكومة التي يتبعونها إداريا بعكس ديوان المحاسبة الذي يتبع السلطة التشريعية وتمنحه تلك الاستقلالية الإدارية عن السلطة التنفيذية القدرة على إبداء رأي مخالف لها وإلزامها بإتباع صحيح القانون.

- إن الغرض من إخضاع العقود لتلك الإجراءات من ديوان المحاسبة هو منع المخالفات أو التقليل منها قبل وقوعها ذلك أن أثار مخالفات المال العام قد يكون مدمرا على الاقتصاد الوطني وعلى الوضع المالي للدولة ولن يكون لمعاقبة المخالفين أي جدوى في معالجة تلك الآثار، فضلا عن أن الغرض الأساسي من وضع القوانين المالية والإدارية هو حماية الموظف من ارتكاب المخالفة وليس معاقبته عليها.

وقد تعالت أصوات كثيرة من الجهاز التنفيذي في النظام السابق حول عرقلة تلك الإجراءات لخطة التنمية وهو الأمر الذي يجافي الحقيقة، وللأسف الشديد فإن حكومات العهد الجديد نهجت ذات النهج، ففي الوقت الي يحلم فيه الجميع بعد ثورة 17 فبراير بدولة القانون والمساواة والعدالة، استمرت نغمة عرقلة التنمية وتكبيل أيدي الحكومة والحد من قدرتها على معالجة الأمور وكأن الأمور لا تعالج إلا بإبرام العقود.

ويتجاهل المنادين بتجنيب المشروعات العامة ومشروعات التنمية لرقابة ديوان المحاسبة أن الدول التي قامت بتلك الخطوة تختلف عن ليبيا لعدة أسباب منها:

- انحسار حجم الفساد المالي والإداري في تلك الدول بالشكل الذي أصبح يسمح بتخفيف القيود الرقابية على المال العام.

- أن تمويل المشروعات في العديد من تلك الدول مصدره القطاع الخاص أو الاستثمارات الأجنبية في حين أن المشروعات في ليبيا تمول بالكامل من الخزانة العامة ومن إيرادات النفط تحديدا.

- أن حجم الإنفاق الحكومي على مشروعات التنمية في ليبيا بلغت نسبته في ميزانية 2010م (54.7%) ورغم انخفاضة خلال العامين 2012 م و2013 م لتبلغ نسبته (28%) إلا أنه لا مناص من عودة تلك النسبة للارتفاع لمجابهة حجم الالتزامات القائمة على العقود المبرمة والمزمع إبرامها وبالتالي فإن الأهمية النسبية لمخصصات مشروعات التنمية والمشروعات العامة التي تمول من الميزانية العامة تجعل من فرض الرقابة المسبقة أمرا فعالا لضبط الإنفاق العام ومن أولويات ديوان المحاسبة.

وتطرح بعض الأسئلة نفسها على المؤتمر وحكومته ، فقد يكون في الإجابة على تلك الأسئلة سبيلا للوصول إلى حقيقة ما.

السؤال الأول:

عن أي تنمية تتحدث الحكومة ومن ورائها المؤتمر فيظل عدم وجود الاستقرار الأمني الذي يسمح بتفعيل المشروعات العامة وعودة الشركات لممارسة نشاطها في ليبيا وما هي حاجة الحكومة المؤقتة لإبرام العقود في الوقت الحالي؟

- أن دور الحكومة المؤقتة هو تصريف الأعمال بأقل المصروفات ودون توريط الدولة في التزامات قد تصعب مواجهتها من الحكومة الشرعية التي ستستلم زمام الأمور بعد صدور الدستور وإجراء الانتخابات التشريعية ، قد يقول قائل أن الحكومة الحالية هي أيضا شرعية وهو قول صحيح لكنها شرعية في حدود ضيقة ولكم في حكومة الكيب خير مثال حيث غادر أغلب وزرائها ارض الوطن بعد انتهاء مدتها وطبقوا المثل الليبي القائل ( اللي يقعد في الدار يدفع الكرا).

- أن هناك عقودا مبرمة من حكومات النظام السابق تتجاوز قيمتها المائة وسبعون مليار دينار وتحتاج لمثل هذا المبلغ لاستكمالها لأسباب متعددة (توقف العمل بها / الاضرار التي لحقت بها وبالشركات المنفذة / قصور دراساتها والحاجة لأوامر تعديليه وملاحق عقود لها ) وبالتالي فإن قدرة الحكومة الحالية على التعاقد على عقود جديدة يفترض أن تكون محدودة ما لم تكن تهدف إلى إغراق البلاد في بحر من الديون للشركات الأجنبية وهو ما بدأه السلف الطالح الممثل في البغدادي وسيف.

السؤال الثاني:

بعد استبعاد ديوان المحاسبة من إجراءات الفحص المسبق للعقود هل ستتمكن الحكومة من معالجة أوضاع ليبيا والانطلاق نحو التنمية وكسر قيود الديوان التي تكبلها؟

- التجربة الماثلة أمام العيان هي ميزانية الطوارئ التي خصص لها ثلاث مليارات دينارخلال العام 2012م  وتم استثناء إجراءات تنفيذها من قانون النظام المالي للدولة ومن لائحة العقود الإدارية ومن قانون ديوان المحاسبة ولم يظهر أي إنجاز يمكن أن يعزى لتلك الميزانية، إن إنجاز وحيد تكون الحكومة قد حققته عن طريق تلك الميزانية كفيل بمنحها الثقة في التصرف بكامل الميزانية بعيدا عن جميع القوانين ولكن للأسف لا أعتقد أن لدى الحكومة أو المؤتمر إنجازا وحيدا يمكن أن يبرر تجنيب العقود للرقابة المسبقة على التعاقد والصرف.

السؤال الثالث:

إذا كان ديوان المحاسبة يعاني من فساد الأجهزة التي ورثها ولم يستطع ضبط الخروقات في السابق فهل سيكون بإمكانه حاليا التقليل من المخالفات بعد تقليص صلاحياته؟

الإجابة بكل بساطة هي لا لعدة أسباب منها:

- أن الفساد المستشري في الجهاز التنفيذي وجهات التنفيذ ورؤوس الأموال ذوي العلاقة بالمشروعات يشكل منظومة متكاملة لم يكن ديوان المحاسبة أو الأجهزة التي ورثها طرفا فيها فهي جهات رقابية وليست تنفيذية من ناحية الاختصاص أما من ناحية الصلاحيات فقد كانت غير قادرة على مواجهة الضغوط التي مورست ولا تزال تمارس حاليا على ديوان المحاسبة تحت شعارات التسريع بالتنمية وحل المختنقات والحاجة الملحة والوضع الطارئ.

- أن ديوان المحاسبة ليس طرفا في سن القوانين وهو معني بالرقابة على تنفيذها وبالتالي عندما تتحد السلطة التشريعية الممثلة في المؤتمر الوطني العام والسلطة التنفيذية الممثلة في حكومته الموقرة على استبعاد ديوان المحاسبة من الرقابة المسبقة على العقود فإن ذلك يعطي رسالة واضحة مفادها الرغبة في تجاوز القوانين (الشواهد على ذلك كثيرة فقرارات مجلس الوزراء بشأن الأذن بالتعاقد تصدر خلال فترة وجيزة لاتكفي لدراسة الموضوع وبعضها صدر لمشروعات بوشر فعليا في تنفيذها مما يعني أنها قرارات منح الشرعية لإجراءات مخالفة والعقود تبرم دون تكامل دراساتها وبطريق التكليف المباشر الذي لا يحقق العدالة ولا يوفر الشفافية).

السؤال الرابع:

هل يملك المؤتمر الوطني العام الآلية التي تسمح له بضبط تنفيذ الميزانية دون حدوث تجاوزات وهل يملك رئيس الحكومة ذاته أي آلية لذلك؟

- لقد قدم ديوان المحاسبة ثلاث تقارير الأول عن السنة المالية 2011م وكان تقريرا استثنائيا لسنة استثنائية وقدم تقريره الثاني عن النصف الأول للعام 2012م وهو غير ملزم قانونا بذلك ولكنه قدمه ليكون مرجعل للمؤتمر الوطني العام عند استلامه لمهامه وأخير التقرير السنوي للعام 2012م ولم يكن مصير أي تقرير بأفضل من سابقه فلم تتم مناقشة تلك التقارير أو تشكيل لجان لمتابعة ما ورد بها ولا أعتقد أن أعضاء المؤتمر قد أطلعوا على تلك التقارير وبالتالي ماهي الأسس التي منح بها أعضاء المؤتمر أصواتهم لصالح أو ضد مواد القانون الخاص بديوان المحاسبة؟

أن تعطي صوتك داخل المؤتمر مع أو ضد أي موضوع هو ليس شأنا خاصا بعضو المؤتمر فهو يحمل أمانة الأصوات التي أوصلته لهذا المقعد وبالتالي فإن أي تصويت يقوم به عضو المؤتمر دون معرفة أو دراية أو إطلاع هو خيانة لمن وثقوا به وبقدراته ومنحوه أصواتهم هذا إذا لم تكن خيانة للوطن.

خلاصة القول أنه بكل أسف أتضح أن الأغراض الخاصة لأعضاء المؤتمر وللحكومة ومن ورائهم منظومة الفساد تمكنت من فرض هيمنتها على المؤتمر وإقرار مثل هذا الإجراء ورفع القيود على التعاقد ذلك أن الهدف هو إبرام العقود الجديدة واستلام عمولاتها وليس هذا باتهام ولكن هذا ما تنبئ به تصرفات المؤتمر والحكومة.

أخيرا.. سؤال يلح ويفرض نفسه ويجر ورائه تساؤلات عن السبب والمغزى من طرح ديوان المحاسبة بتاريخ 16/6/2013م وهو ذات الأسبوع الدامي الذي شهدته بنغازي وفي غياب أغلب نواب مدينة بنغازي..

ألم تكن هناك أمور أكثر إلحاحا وأهمية لمناقشتها في ذلك اليوم؟

هل كان مناقشة موضوع يخص العقود والمشروعات والميزانيات عملا أخلاقيا ورائحة الموت والدم لا تزال عالقة؟!!

لماذا تم تأجيل الموضوع حتى غادر مالك المدينة؟ فحين يقال "لايفتى ومالك في المدينة" فإنه عند مناقشة موضوع ديوان المحاسبة لا يفتي والدكتور محمد يوسف المقريف غير موجود.

هل كان من الضروري إصدار قانون لجهاز هو من الأجهزة القلائل المنضبطة والتي تمارس دورها وقدمت تقاريرها في مواعيدها أم أن الغرض هو تعديل هذه المواد تحديدا؟

في ظل عدم وجود دستور وعدم بناء أمن وطني وجيش وطني وغياب سلطة الإجبار لدى الدولة فإن عرض الموضوع وطريقة الانعقاد والنتائج التي تمت يشي بأن هناك منظومة فساد أرادت تمرير القانون وبهذه الطريقة.

لك الله يا ليبيا.....

صالح الصالح

S

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عبدالله
يجب وضع الية لعرض تقارير ديوان المحاسبة على المؤتمر وفى جلسة علنية بث مباشر بعتبار ان الديوان يتبع المؤتمر وفى واقع الحال فان الديوان يعتبر يد الدولة الفاعلة فى الرقابة…...
التكملة
إلى السيد مشاغب
يقولون الذي لا يرى من الغربال أعمي .. فلا تكن عزيزي المشاغب أعمى وإذا كنت تعتقد أن دور الرقابة أو الديوان هو زج اللصوص بالسجن فعليك بمراجعة معلوماتك ديوان المحاسبة…...
التكملة
محمد ابراهيم
بعد التحية والسلام.... الذى أتضح بأن غالب أعضاء المؤتمر الوطنى هم مجموعة من اللصوص السارقين ولاهم لهم ألا محاولة نهب ألأموال وألاستفادة قدر ألأمكان قبل أن تنتهى مدة صلاحيتهم فى…...
التكملة
عبدالعاطى محمد
إقرار التعديلات التى أشرت إليها يقضى على ما يسمى بالوقاية من المخاطر. ولذلك عند أول مخاطرة سوف يكتشفون أن العلاج لن يفيد. إن أهم شئ هى القوانين الوقائية. ومبررات التعطيل…...
التكملة
مشاغب
ديوان المحاسبة لم نرى له شغل على أرض الواقع لا فى عهد المقبور ولا حاليا فساد فى كل القطاعات أموال تنهب بدون حسيب ولا رقيب فساد إدارى لا متيل له…...
التكملة
مراقب
أخشى أن تكون هناك مؤامرة كبرى للعبث بأموال ليبيا في مشاريع فاشلة وقد تكون وهمية، ومن ثم أغراق البلاد في ديون ضخمة لا يمكن للناتج المحلي سدداها. أرجو أن أكون…...
التكملة