محمد بن غشير: قراءة في قانون العزل السياسي وتداعياته 22/5/2013 08:41 محمد بن غشير: قراءة في قانون العزل السياسي وتداعياته
محمد بن غشير بحث

بعد مخاض عسير صدر أخيرا عن المؤتمر الوطني العام بليبيا بتاريخ 8.5. 2013 م، القانون رقم (13) لسنة 2013 في شأن العزل السياسي والإداري، بعد أن تم التصويت عليه قبل صدوره بثلاثة أيام، ودون الدخول في تفاصيل البنود الإثنين والعشرون وتفريعاتها التي نص عليها القانون كسبب للعزل، فإننا سنكتفي بنظرة شاملة على شكل ومضمون القانون والمعايير التي أعتمدها ورأينا المتواضع فيه، ثم نعرج على التداعيات التي رأينا أنها نشأت بمناسبة صدوره.

بداية يجب الإشارة إلى أن تسمية القانون بالتسمية التي صدر بها أمر لا يتسق مع مضمون القانون ومواده العشرون التي تتحدث الأولى منها على معياري العزل السياسي والإداري وهما معيار تقلد المناصب والوظائف العامة وأخر يتعلق بالسلوك المؤدي لإفساد الحياة السياسية والإقتصادية والإدارية في البلاد وكلها عن المدة من 2013.9.1 إلى تاريخ إعلان التحرير، والثانية المتضمنة بيان المناصب والوظائف التي لا يحق توليها من قبل الأشخاص الذين تنطبق عليهم المعايير المبينة بالمادة الأولى، وكذلك المادة (18) التي حددت عشر سنوات كمدة لسريان أحكام هذا القانون، فإنه وبداية من المادة الثالثة يتحدث القانون عن إنشاء هيئة تسمى "هيئة تطبيق معايير تولي المناصب العامة" والتي حلت محل "الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية" السابق انشائها بموجب القانون رقم (26) لسنة 2012 م، وعليه فقد خلط القانون بين العزل السياسي والإداري وفقا للعنوان وبين إنشاء الهيئة الجديدة المنوط بها تطبيق أحكامه خاصة وأن المشرع خص الهيئة بسبعة عشر مادة من المواد العشرون المكونة للقانون حيث وردت احكامها مفصلة بما يؤكد انه كان من الواجب إنفرادها بقانون خاص بها، والإكتفاء في قانون العزل بالإشارة إلى كونها الجهة المخولة بتطبيق احكامه ، بمعنى أن القانون في أغلبه هو قانون إنشاء الهيئة المشار إليها قبل أن يكون قانونا للعزل السياسي، وبالعودة للمادة الأولى نجد أن القانون حدد معيارين للعزل كما سبق القول، ولا يختلف إثنان على  صحة معيار السلوك المؤدي إلى إفساد الحياة السياسية والإقتصادية والإدارية في البلاد وفقا للأنماط الثمانية المبينة تفصيلا بالفئة الثانية من المادة الأولى، ولكن الإختلاف يظهر فيما ورد بالفئة الأولى والتى جعلت العزل مرتبطا بتولي المناصب والوظائف التى بينتها في اربعة عشر بندا خلال الفترة السابق بيانها، ودون الدخول في مناقشة هذه المناصب والوظائف، فإننا نرى أصلا عدم صحة أن يكون تولي الوظيفة أو المنصب سببا للعزل السياسي والإداري، وذلك لعدة أسباب أهمها أنه لا يتصور أن كل من عمل في تلك المناصب والوظائف المبينة بالقانون كان من أتباع النظام المقصودين بالعزل او كان ممن ساهم في الفساد  أو خان ضميره أو الوطن لمصلحة النظام أو أنه لم يكن أهلا لما اسند إليه من عمل، خاصة وأن السنوات الأولى لحكم العقيد القذافي كانت محل تأييد من غالبية الشعب الليبي وأن تولي المناصب والوظائف العليا كانت غير منتقدة وتحمل تشريفا للعديد من الشخصيات الوطنية التي يطغى حب الوطن لديها على مجرد تأييد اشخاصا بعينهم استلموا مقاليد الحكم، كما أن مسيرة حكم العقيد القذافي وبطانته لم تخلوا في وقت من الأوقات من مسؤولين لا تشوب وطنيتهم أي شائبة، والدليل على ذلك أن عددا من الشخصيات الوطنية التى شملها قانون العزل كانت من قيادات ثورة 17 فبراير وساهمت بدور كبير ومميز في نجاحها، وعليه فقد جاء القانون حاملا في طياته نكرانا وجحودا لرموز عديدة من رموز الوطن، ويضاف إلى ذلك تلويث أسماء العديد من االشهداء الذين ضحوا من أجل بلادهم وشملهم العزل معنويا وهم بإذن الله في جنات النعيم، ويقودنا ذلك إلى نتيجة لا يقبلها عقل ولا منطق وهي توقيع عقوبة العزل السياسي والإداري لمدة عشر سنوات منذ تاريخ نفاذ القانون على مواطنين لم يرتكبوا فعلا  يستوجب العقاب، بل أن منهم من يستحق التكريم، وتفاديا لذلك فقد كانت العدالة تستوجب أن يكون العزل السياسي والإداري فقط  وفقا لمعيار السلوك  كما بينتها الفئة الثانية من المادة الأولى وأن يكون العزل بحكم قضائي بإعتبار العزل عقوبة تستلزم حكما قضائيا نهائيا لتطبيقها، ويمكن إذا أخذنا بحالة الضرورة والتحول من الثورة إلى الدولة أن يتم العزل بقرار صادر عن الهيئة المشار اليها في المادة الثالثة من القانون وأن يكون قرارها قابلا للطعن فيه أمام القضاء  وفقا للأحكام التي وردت بشأن ذلك في القانون محل البحث، وللإنصاف فإن قانون العزل بصيغته النهائية التي صدر بها هو الأفضل من بين كل ما طرح من مشاريع سابقة في وسائل الإعلام وأخذت حقها من البحث والتدقيق من قبل الكتل السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والقانونيين والباحثين فى الشأن العام.

ونأتي إلى التداعيات التى أثارها صدور القانون فنلخصها أنه لا يخفى على أحد أن القانون قد صدر في غياب كامل للديمقراطية وفي ظروف لا تبشر بإمكان تأسيس دولة الحرية وسيادة القانون، وذلك لصدوره تحت التهديد من بعض المسلحين الذين لا يعدوا عن كونهم بيادق تحركها أيادي لأشخاص منهم بكل اسف من يتمتع بعضوية المؤتمر الوطني العام، وذلك بمهاجمتهم للمؤتمر وبعض الوزارات السيادية، وإرتباطهم بشكل أو بأخر بجماعة أطلقت على نفسها اسم تنسيقية العزل السياسي  ظهرت على الساحة دون أن تتمتع بوضع قانوني معترف به، ورغم ذلك ملأت الدنيا ضجيجا مؤثرا بسب غياب سلطة الدولة وقوتها، ويكفينا ذكر ثلاثة مشاهد للتدليل على التهديد الأول  محاصرة رئيس وأعضاء المؤتمر الوطني العام، وحبس حريتهم والإعتداء بالضرب على أحدهم وسب عدد منهم بما في ذلك بعض السيدات ومحاولة إجبارهم على إصدار القانون تحت تهديد السلاح، ووصل الأمر ليلا إلى إطلاق الرصاص على سيارة السيد رئيس المؤتمر أثناء مغادرته لمقر الأرصاد الجوية  البديل الذي تم اللجؤ إليه لعقد إجتماعهم، وقد أرتبط هذا المشهد باستقالة السيد حسن الأمين عضو المؤتمر الوطني العام إحتجاجا على عدم توفر المناخ الصحي الذي يحتاجه المؤتمر لأداء مهامه، والثاني مهاجمة الوزارات السيادية بالعاصمة طرابلس كوسيلة ضغط لإصدار القانون وتقديم السيد وزير الدفاع لإستقالته والعدول عنها لاحقا، والمشهد الثالث محاصرة المؤتمر في اليوم المحدد للتصويت بالسلاح والتوابيت الفارغة إلى نهاية التصويت بالموافقة برفع الأيدي والذي تم نقله مياشرة على الهواء، كان المشهد بالكامل واضحا لجميع المراقبين وغير مجحود من أحد بإستثناء جماعة الإخوان المسلمين وأعضاء حزب العدالة والبناء، وليس السبب بالطبع قصور في النظر ولكن صدور القانون مُغلبّا مصالحهم على مصالح غيرهم جعلهم يغضون البصر عن وقائع التهديد بل ويقسمون على عدم حدوثها، ومن التداعيات التي أعقبت صدور القانون ما أعلنه ممثل تحالف القوى الوطنية بالمؤتمر الوطني العام الأستاذ ابراهيم الغرياني صباح يوم الأحد 2013.5.19 في مؤتمر صحفي من ثبوت  تزوير في القانون وأن كتلة التحالف تمهل المؤتمر فترة لتصحيح الأوضاع أو أنه سيتم التقدم بشكوى مدنية وجنائية بخصوص واقعة التزوير، ونرى أنه لو صح الإدعاء بالتزوير فأنه لا يكفي الشعب الليبي مجرد إلغاء القانون بل انه لا مناص من حل المؤتمر مهما كانت التضحيات، وإن لم يثبت ذلك فإن المستقبل السياسي لقوى التحالف الوطني يكون في مهب الريح.

ويجب ألا يفوتنا أن نذّكر أن التداعيات التي صاحبت قانون العزل السياسي على ما سبق بيانه نبهت بقوة إلى ضعف السلطتين الرئيسيتين في البلاد المؤتمر والحكومة أمام قوة المليشيات المسلحة ومن وراءها، وأن حرية إصدار القوانين والقرارات اللازمة لبناء الدولة أو تنفيذ ما يصدر منها مرهون برغبات قوى أخرى، ولنكون متفائلين ونقول رب ضارة نافعة، إن انتبهنا وأخلصنا العمل، وأحسن ولاة الأمر قيادة الدولة وتمكنوا من السيطرة على مقاليد الأمور فيها.

المحامى محمد بن غشير
بنغاز- الثلاثاء 21 . 5 . 2013

S

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عزل بدون تطهير القضاء لا معني له
يجب حصر وابعاد كل قاضي او وكيل نيابة او رئيس او عضو في مجلس القضاء الاعلي كان متورطا مع نظام القدافي في اصدار أو تأييد رأو التصديق علي احكام او…...
التكملة
عبدالعاطى محمد
يجب أن يكون التصويت داخل المؤتمر سريا بورقة تحمل نعم أو لا ولا تحمل إسم الشخص المصوت. لأن كشف إسمه قد يعرض العضو لمخاطر التهديد والإبتزاز كما أن التصويت السرى…...
التكملة