د. سعد العسبلي: الإقصاء المضاد قبل أن تبرز الجوازات الملونة
كثيرون هم الذين تصدوا للكتابة، عن مسودة قانون العزل السياسي، بالقبول أو الرفض، وكل المقالات ألقت بضوء ما على القانون، حتى لم يتركوا لي الكثير لأقوله هنا، لكن ما دفعني للخوض في هذا الموضوع اليوم، هو رغبتي في التطرق لبعض الجوانب الخطيرة من وجهة نظري، والتي شعرت بحاجة ماسة للتطرق إليها، بمناسبة قراءتي لمقالة بعنوان: عجلوا بإصدار قانون العزل السياسي، للدكتور محمد مفتاح الكربال، الذي أفصح عن جهل فاحش بأبسط قواعد القانون، والإعلانات الدستورية وحقوق الإنسان، التي كفلتها الشرائع السماوية، والقانون الطبيعي، والأعراف المحلية لأي بلد في الأسرة الدولية، ما لم يكن الدكتور مستعداً لخيانة ضميره المهني والأخلاقي، من أجل نشر الكراهية، وإرساء ثقافة التخوين ونزع الوطنية عن الآخرين جُزافاً، ومن غير بيّنة، لغايات يعلمها هو، وهو خطاب بات يُطل برأسه مؤخراُ من كتابات النُخب، أكثر مما يبدو في خطاب الشارع الليبي"البسيط".
أريد أن أستهل مقالتي هذه، بتوضيح ما أؤمن به كمحامية، مارستْ المهنة لعشر سنوات كاملة، من أن مهمة المحامي المخلص، والباحث القانوني النزيه، قطعاً ليست هي الدفاع عن أشخاص، إنما الدفاع عن حسن تطبيق القانون، والحرص على التمسك بإعمال نصوصه، ومراقبة اتساق نصوصه، مع القواعد الدستورية المنظمة للتشريع، لأن في ذلك ضمانة للمجتمع بأكمله، فأحداً لا يمكن أن يُضار، من وراء التطبيق الصحيح للقانون، لكن يمكن لمجتمع بأسره، أن يُضار من قيام القائمين على إنفاذ القانون باستغلاله، أو التعسف في استعماله، على غير الوجه الذي وضِع له، أو بمخالفته كليةً.
الأمر باختصار شديد، ينبع من ضرورة الولاء، لما يتصل بالمباديء العامة، المتعلقة بحقوق المتهم بوصفه إنساناً، وحقه في أن يكون مُصاناً، من تغول الآخرين على حرياته وحقوقه، واستبدادهم أو سخريتهم بها، لعداوات، أو لرغبة في فرض العضلات، أو لمحض وجود أمزجة مريضة أو متآمرة عليه، أو لإدعاء الوطنية، أو لتسجيل مواقف لدى طرف ما، ليُحصل بها على مكتسبات معينة .....الخ، أما إن صدر قانون يكون مخالفاً للدستورية، ومن شأنه أن يمس مراكز قانونية محترمة، وأوضاع قامت واستقرت بظل قوانين تنظمها، كقانون حرمان أعضاء القوات المسلحة، من حقوقهم التقاعدية مثلاً، أو القانون الذي يقضي بفسخ وبطلان عقد الزوجة الثانية، عند قيام الزوج بالتزوج على زوجته الأولى من دون علمها، فإنه ينبغي اللجوء فوراً، للإجراء القانوني المتبع بهذه الحالة، وهو الطعن على القانون بعدم الدستورية، والدفع بعدم جواز المضي باالدعوى، من دون السماح مطلقاً، للاستفادة من القانون المخالِف، والمضي به للأمام خطوةً واحدة.
وأظنني بهذا الاستهلال، قد وضعتكم في صورة ما أود قوله بالضبط، عن "مهزلة" قانون العزل السياسي بليبيا، ووضعكم في صورة وجود تعدٍ صارخ، ممن يقف وراء إصدار هذا القانون، وأنه أساساً قد خالف المنظومة العامة، التي تحكم مسألة إصدار القوانين، من تجاهل للإعلانات الدستورية، وقوانين وتشريعات مازلت موجودة ولم تلغَ، وأعراف قضائية استقرت عليها المحكمة العليا والمحاكم الدُنيا من عشرات السنين، وأحكام التشريعات الإسلامية، وأحكام القانون الطبيعي ذاته، التي تُقرر كلها مجتمعة، أنه لا ينبغي ولا يجوز، أن يُعاقب شخص على فعل، لا يعتبر بحد ذاته جريمة، ولم يكن مجرّماً وقت ارتكابه.
فقد جاءت نصوص قانون، بما لم يأتِ به مشرّع من قبل، مهما بلغت عنصريته، ودرجة حقده وساديته، على شريحة عريضة من أبناء وطنه، من خلال استبعاد شاغلي تسعة عشر وظيفة، من 1 سبتمبر 1969، حتى 2011، بدأً من المشاركين في إنقلاب الفاتح من سبتمبر، من مدنيين وعسكريين، مروراً بأمين اللجنة الشعبية العامة، وحتى من شغل وظيفة مدير عام لمؤسسة أو شركة عامة، وعمداء الكليات والجامعات، والسفراء، ونقباء وأعضاء نقابات عامة، انتهاءً بإداريين شغلوا مناصب رؤساء تحرير مجلات وجرائد وإذاعات، وهكذا حتى تجد نفسك أمام قائمة مهولة، من المبعدين، سيجاوز ربما عددهم مئات الآلاف، من سبتمبر 1969، حتى 2011.
وقد جاءت المادة الأولى، لتقرر إنكار حق هؤلاء، حتى في مجرد إعطاء أصواتهم لمرشح ما، بقادم الانتخابات مهما كان نوعها وسببها، وإنكار حقهم في تشكيل أحزاب، والانضمام لمنظمات المجتمع المدني، وفي تولي أي عمل إداري أو مدني، بكافة مرافق الدولة، مالية، عسكرية، فنية، سياسية، إنسانية، صحية، تعليمية، خدمية ....الخ، ومنعهم حتى من العمل بالشركات العامة، والانخراط في النقابات، بل وحتى الاشتراك بالنوادي مهما كان نوعها، بما يفصح عن وجود نية مبيتة، في إقصاء واجتثاث شريحة واسعة جداً من الليبيين، من الظهور والمشاركة، بالحياة العامة، بأكبر تفاصيلها كالترشيح والترشح، حتى أصغرها من خلال منعه من الانخراط في نادي ترفيهي.
وحتى يكون القرّاء من غير القانونيين، بصورة الانتهاكات الجسيمة، التي اقترفها من أصدر القانون المهزلة، رغم أنه قد ثبت لي من مقالة محمد الكربال، أنه رب فقيه ليس بحامل فقه، فإنني سألخّص الخرووقات القانونية، التي وقع فيها القانون، والنتائج الإنسانية التي قد تترتب عليه.
الخروقات القانونية:
أولاً: سلك القانون توجهاً مُمعناً في الانتقام والإذلال، تجاه الفئات المذكورة، إذ قرر معاقبة كل من عمل بالفترة من 1969، حتى سنة 2011، بالحرمان من حقوقه المدنية والسياسية مدة عشر سنوات كاملة، واعتبار كل من تقدم منهم، بطلب الحصول على عمل حكومي، أو الانخراط في جميعة أو نادٍ .... الخ، مرتِكباً لجناية عقوبتها السجن والغرامة، ورغم كل هذا، فإن القانون لم يراعِ الحقوق الدستورية الأساسية، للمتهمين بارتكاب جنايات في هذه الحالة، وأولها وجوب وجود محام للدفاع عنهم، مخالفاً بذلك المادة 399، من قانون الاجراءات الجنائية، التي تستوجب حضور محامٍ عن المتهم، وأنه في حال تغيب المحامي عن الجلسة، حُكم عليه بغرامة، مع عدم الإخلال بجواز محاكمته تأديبياً، لتقصيره في نصرة المتهم، حتى ذهب تيار بالفقة الجنائي، إلى اعتبار المحامي، جزءاً من تشكيل المحكمة، استنادا إلى أن محاكمة المتهم من غير حضوره، تُعد باطلة بطلاناً مطلقاً، وقد اعتبر القانون المهزلة، حضور محامٍ عن المتهم، هو من قبيل الجائز لا الواجب، بل وتصوروا جميعاً !!!!!!!!، لقد حظر القانون على المعنيين به، حق الطعن على الحكم الصادر ضدهم، بأي طريقة من طرق الطعن، العادية وغير العادية، مُخالفاً بصفاقة شديدة، نص المادة 345 إجراءات جنائية، التي تقرر الطعن على الأحكام الصادرة بالجنايات، بطريق النقض وإعادة النظر، في تجاهل سافر ومتحدٍ، لمختلف القواعد الدستورية، التي تُرسي مبدأ منح المتهم الفرصة كاملة، في نيل محاكمة عادلة، نزيهة، لا يتجبر فيها أي طرف عليه، ولا يتجبر هو على أي طرف.
ثانياً: خالف القانون بشكل فاضح، نص المادة 1، من قانون العقوبات، التي تقضي بأنه لا جريمة ولا عقوبة من غير نص، إذ أن القانون قد استحدث من عنده، جريمتين جديدتين شاذتين ودخيلتين، على قانون العقوبات الليبي، وسائر القوانين المكلمة له، وهما على التوالي: تجريم العمل ضمن حقبة نظام القذافي، حتى من غير الوظائف التي تتصل بمفاصل النظام، طوال الفترة الممتدة من سبتمبر 1969، حتى 2011، ضمن وظائف معينة، معظمها لم يكن من الوظائف، التي توصف بأنها أطالت بعمر النظام، ولا ساعدت في تغلغله بالحياة العامة، معتبراً هذا الفعل بذاته جريمة، وبأثر رجعي بالطبع، ثم تجريم قيام هؤلاء الأشخاص، بالتقدم للحصول على حق العمل لدى أية جهة تابعة للدولة، أو حتى الانخراط في نادٍ، معتبراً إياهم مرتكبين لجناية، وهو مسلك قانوني شاذ وفج، أفصح عن تغول صارخ، على مجموع التشريعات العقابية، المستقرة بليبيا منذ سنة 1952، كما خالف القانون المادة 17 فقرة 2، و18 فقرة 1، وجميع مواد الفصل الثالث من قانون العقوبات، وهي المتعلقة بتحديد أحكام العقوبات التبعية، موضوع الحظر المنصوص عليه، والتي لا تطبق إلا متى اصُطحبت بعقوبة أصلية في جريمة، متى ثبت ارتكابها بالفعل.
والملاحظ أن قانون العزل، قفز عالياً جداً، على أحكام المادة 34 فقرة 1 عقوبات، التي قررت حرمان المحكوم عليه بالسجن لثلاث سنوات، من حقوقه المدنية مدة العقوبة، ومدة أخرى بعدها لا تقل عن سنة ولا تجاوز خمس سنوات، يعني جاء قانون العقوبات، ليقرر أن أقصى مدة للحرمان من الحقوق المدنية، في الجرائم المحكوم فيها بالسجن ثلاث سنوات، هي ثماني سنوات، في حين قرر قانون العزل، فرضها لعشر سنوات، وهذا لعمري قمة التمادي في الهُزأ بقانون العقوبات.
ولتبسيط الأمر على القاريء، فإن حرمان شخص من حق الترشيح، والترشح، وصلاحية البقاء أو السعي للحصول على وظيفة عامة، وحرمانه من الحقوق السياسية .....الخ، هي عقوبة تبعية معروفة بالقانون الجنائي، وكل القوانين العقابية المقارنة، وسميت تبعية، لأنه لا يجوز ولا يُتصور أن يُحكم بها استقلالاً، بل لابد أن تأتي بالتبيعة لعقوبة أصلية، هي السجن، أو السجن المؤبد، أو الإعدام، غير أن تطبيقها على المتهم، يشترط بالضرورة ارتكابه لجريمة منصوص عليها بالقانون، ثم ثبوت تورطه فعلياً في ارتكابها، كما يجب أن ينطق بها قاض مؤهل، وفق محاكمة صحيحة، وهذا كله انتفى تماماً في قانون العزل، الذي يندى له جبين أي قانوني، فقد قرر بصلافة، توقيع عقوبة تبعية على فعل لا يعتبر جريمة بذاته، ولم يشكل جريمة وقت اقترافه، فمجرد شغل أحدهم لمنصب سفير، أو وزير، أو عضو بنقابة، أو مدير لشركة، أو عميد كلية، أو رئيس تحرير جريدة، أو مدير شركة عامة ...الخ ليس فعلاً مجرماً، ولا يقابله بكل التشريعات المكملة لقانون العقوبات، وصفٌ يجعله مجرّماً، ليجعل من مرتكبه ،عرضة لهذا التعدي المهين على حقوقه وكرامته، ولكل هذا الانحراف الجسيم بالدساتير.
ثالثاً: وقع قانون العزل في خرق جسيم، للمباديء القانونية المتفق عليها، بشأن شخصية العقوبة، بمعنى أن مرتكب الجريمة، هو وحده دون غيره، المعني بتطبيق العقوبة عليه، ولا يجوز ولا يجب بأي حال من الأحوال، أن تمتد العقوبة إلى غيره، من أفراد عائلته أو سواهم من المشمولين برعايته، وإلا كنا أمام معضلة حقيقة، تكشف عن تطاول المشرع على حقوق مواطنيه.
ونظرة سريعة على نص المادة الأولى، من قانون العزل، تكفي لإعطاء القاريء فكرة عما أريد قوله، فالقانون يمنع على المشمولين بمواده، صلاحية تولي أي وظيفة بالدولة، أو مؤسساتها أو إداراتها ....... الخ، لمدة عشر سنوات كاملة، وهذا يعني غلق الباب أمامهم، للحصول على عمل يترزقون منه من قِبل الدولة، وإقصاءهم بهذا الشكل، سيضع أمامهم مصاعب الحصول على مِهن ضمن القطاع الخاص، باعتباره الوحيد المتاح لهم الآن، وأين هو هذا القطاع الخاص بربكم، في ظل ظروف ليبيا الحالية، وحتى بضعة سنوات أخرى، أين هو هذا القطاع الذي يستطيع أن يستوعب مئات الآلوف، من بداية سبتمبر 1969، حتى 2011، بما يعني خطر تعريض أُسر الممنوعين من الحصول على فرصة عمل شريفة، إلى خطر الجوع والتشرد والضياع، والتردي في مسالك الجريمة، ووالله لقد عاد المشرع بقانون العزل هذا، لتبني نمط من المسؤولية الجماعية، تخلت عنه البشرية منذ قرون طويلة، في مراحل نموها وتطورها، وزحفها نحو التحضر والمدنية، لتُلقي بفئة من أبناء الشعب الليبي هكذا، في متاهات الضياع، واجترار الحنق والغضب.
رابعاً: لا شك عندي بأن قانون العزل، قد خالف المبادئ المتفق عليها، بين فقهاء القانون الجنائي، بشأن الحيدة والموضوعية، التي يجب أن يتحلى بها أي مشرّع محترم، عند سنّه لأي عقوبة جنائية، نظراً لخطورتها على حياة الناس، وحرياتهم الشخصية والمهنية والعائلية، وحتى على سائر المجتمع، إذ يجب أن تكون العقوبة، مما ينصلح به حال الجاني، ويقوّم بها سلوكه، ويُنسيْ المجني عليه تبعات آلام الفعل المرتكب بحقه، وهذا يتمثل في ضرورة أن يبتعد المشرع عن الانتقائية في اختيار المجرمين وجرائمهم، وهذا ما انتفى تماماً، من أحكام قانون العزل، إذ من الواضح جداً أن القانون المهزلة هذا، قد جاء انتقائياً تماماً، حين استبعد من أحكامه الفئات التي عملت مع القذافي وابنه سيف الاسلام، بعد الفترة التي شهدتها مرحلة الإصلاح المزعوم، من سنة 2000، حتى سنة 2011، وأقصد بهم بالطبع جماعات الإخوان المسلمين والسلفيين، الذين هرولوا من أوربا وأميركا زُرافاً ووِحدانا، للتطبيع مع القذافي من خلال ابنه سيف، ومشروع ليبيا الغد، والذين لم يفوزوا بالأغلبية في انتخابات المؤتمر الوطني الأخيرة، وهذا يأتي ضمن خطة، سبق لي تناولها في عدد من المقالات، تبناها منذ وقت مبكر جداً، المستشار عبد الجليل وآخرين بقطر وغيرها، لتسليم البلاد للإسلاميين، رغم أنف الليبيين وإرادتهم، ولو كان القانون عادلاً في ظلمه، لضم أيضا لتلك السنوات من 1969 حتى 2011، كل من طبّع مع النظام (ممثلاً في سيف الإسلام وأبيه) كالمشائخ ورجالات الدين، وتيارات الإخوان، وكاتبي المراجعات الفقيهة، ومن عمل على التسويق للنظام، والتزيين له في قلوب الليبيين، لكنها إرادة قطر كما أظن، وعبد الجليل الأهبل، الذي لم يتوقف مذ جاءتنا به 17 فبراير، للتمكين لتيارات سلفية متشددة، بالقول والفعل وإصدار القوانين.
ومما لا شك فيه عندي، أن الهدف من وراء إصدار هذا القانون، ليس هو الصالح العام، ولا حماية الثورة، بل هو تقريبٌ لأشخاص مخصوصين بالتحديد، وإبعادٌ لآخرين معينين بالذات، عن ساحة العمل السياسي بالبلاد، في المرحلة القادمة، وليس كما يُصور لنا، على أنه تحجيم خطر (موهوم ومصطنع) من بات يُسمى الآن بأزلام القذافي.
نتئاج إعمال القانون من الجانب الإنساني:
سيكون لتطبيق هذا القانون ولا شك، نتائج مجتمعية وإنسانية خطيرة، بليبيا على المستوى القريب جداً، ومن هذه النتائج الخطيرة، على المستويين المجتمعي والإنساني:
أولاً: قيام الدولة رسمياً، بوضع حراب، في طريق أي مشروع للمصالحة الوطنية، وإحلال الوئام الوطني بين أفراد المجتمع، وتعزيز فُرص التعدي على حقوق وحريات وكرامة، كل من ارتبط بوظيفة ما، مهما كانت تافهة، بالفترة الممتدة حتى سنة 2011، وبكل تأكيد، ستتصاعد وتيرة الاغتيالات، والخطف خارج إطار القانون، لأن هذا القانون، سيعبّد الطريق ببساطة، أمام تغول أشخاص وجهات أخرى، تملك القوة والسلاح، لتُقيم محاكماتها الخاصة، لكل من يندرج ضمن تلك الفئة، وسيوغر صدر المشتركين في 17 فبراير عليهم، ويخلق بينهم وبين أولئك الأشخاص، هوةً بحجم وطن، يدعي "الفبرايريون" أنهم الأحق به، وسيكون الأمن الأهلي في خطر دائم، وربما لا سمح الله، هيأ الطريق صوب حرب أهلية، يرد بها المُبعدون عن أنفسهم، شبح اتهامهم المخزي ذاك، ما يُدخل الطرفين في تبادل واسع للقتال.
ثانياً: بأحسن الفروض وأكثرها تفاؤلاً، سيكون السماح بتطبيق القانون، مدعاةً لإحلال ثقافة عنصرية، لا تنتمي للفكر الإنساني والقانوني والمجتمعي، الذي استقر بليبيا منذ عقود الاستقلال، من خلال خلق بيئة، تزدري المقصودين بالقانون، وتتعالى عليهم، وتمارس ضدهم الفصل عن وطنهم، وعن قيم الانتماء إليه، وقد يجعل من أولئك الأشخاص وأسرهم وذويهم، عرضةً للإحتقار الدائم، وللمعايرة، وللنبذ، ما يمهد الطريق لتشكل جنوح منهم بالمجتمع، بل قد يهدد ببروز مواقف اجتماعية، تمنع الارتباط بهم، أو التعامل المالي معهم، أو تشنع عليهم، وغيرها من المواقف التي تفرزها، ثقافة استعلائية تحتكر الوطنية لنفسها، وتنفيها عن الآخرين، لمحض صدور قانون كهذا، وما عليكم إلا أن تلقوا نظرةً، على مقالة الدكتور محمد مفتاح الكربال، لتتبع اللغة الإقصائية والعنصرية البغيضة، التي تفوح من بين سطور مقالته، فقد انقاد حضرته ومن دون أدنى احترام لحقوق الإنسان، ومباديء القانون التي فصّلتها للتو، ولا احترام للشهادة العلمية التي يحملها، للتلفظ بألفاظ جارى بها بعض السوقة، وانحدر بها وبنفسه، لموقف المتعالي والمزدري لأشخاص، بينه وبينهم أن يتثبت أنهم استغلوا وظائفهم للتربح والإضرار بالغير، وليس مجرد أنهم ادرجوا ضمن الفترة الزمنية المذكورة بالقانون، لينال منهم مردداً عبارات وقحة، تغلغلت لمعظم الكتابات الليبية مؤخراً، من مِثل يلعق حذاء سيده وما شابه.
أقول أن لغةً قميئةً كهذه، لابد أن تترعرع وتنمو، بل وتُستصحب بالمواقف العدائية ضد تلك الفئة، إن لم يُسحب القانون فوراً، وتتم العودة للمبدأ العام بالقانون ـ الذي تجاهله الدكتور كربال، وقفز عليه ـ من أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، بموجب تحقيق عادل ومحاكمة نزيهة، وليس مجرد الرمي بالاتهام لفئة دون فئة، ممن عملوا مع النظام، من 1969 حتى 2011، تحقيقاً لأغراض هي بعيدة كل البعد، عن الأهداف المعلنة والمزعومة لصدوره.
ثالثاً: يُخشى من أن الطرف الذي خُطِط من البداية، ليكون مستثنى من القانون، وهم فئة الإسلاميين بمختلف تياراتهم ومدارسهم، قد يستأثرون وحدهم دوناً عن بقية الأطياف، بالإمساك بالمشهد في ليبيا، دون السماح لغيرهم من التيارات التي تقاسمهم الوطن، لكن لا تقاسمهم المواقف والأساليب، من البروز ببرامجها ومشاريعها، ما يهدد بتقويض التعدد والاختلاف، بل سيكون لهم في تطبيق القانون الفائدة الأكبر دون غيرهم، وسيصير القانون بالنسبة لهم، صك على بياض، يتحركون به بقوة في الشارع الليبي، للإمساك بزمام الأمور والسلطات، والنفاذ إلى المؤسسات والإدارات.
خلاصة الأمر، إنني سأنحازل للقواعد الدستورية، لأنها مظلتي وضمانتي من أي تعسف، ولأنني مخلصة في ندائي بتحقيق دولة قانون بليبيا، الدولة التي تكفل بصرامة، خضوع الكل للأحكام التي تُقرها القوانين المحترمة، والتي لا تفترض في الناس أنهم مجرمون، وتعلنهم فئةً غير مرغوبٍ بها ببلدهم.
وأقترح بهذا الشأن، أن تُسن قواعد وقوانين أخرى، تسمح بحيدة وشفافية، بفحص ماضي المتقدمين لتولي وظائف سياسية وسيادية، كالوزارات، والسفارات، والأمن ....الخ، تسمح بفحص ماضيهم من الناحية المالية والجنائية فحصاً دقيقاً، سواء كان المتقدم للوظيفة بخلفية ليبرالية أو إسلامية، رجلاً أو امرأة، من أجل كفالة عدم تسلل أحد فاسدي سبتمبر 1969، أو فاسدي فبراير 2011، لشرايين الدولة.
أما قانون العزل السياسي، فإنه بكل وضوح، لشديد الوطأة على ضمير أي دارس أو مشتغل بالقانون، رجلاً كان أو امرأة، ما يُلقي على كاهل القانونيين الليبيين بالداخل، العمل فوراً على التصدي له بكل السبل التي يتيحها القانون، والسعى لتحمل مسؤولياتهم بهذا الخصوص، والتوعية ضد مخاطر الإنحراف بالدستور، التي بدأت تلوح مؤخراً في عدد من القوانين، وليس هذا أولها بكل تأكيد، وأتمنى عليهم أن يبادروا لاتخاذ موقف واضح منه، خيراً من أن يجدوا أنفسهم غداً، مصنفين تحت بند لا يرضى عنه الإسلاميون، وتُنتزع منهم وطنيتهم وكرامتهم، تحت مسميات عديدة، أخشى أن تكون جاهزة.
وفاء البوعيسي
wafaelbueise@hotmail.com
















هذا ماكنت اخشاه! كان الله في عون مرضانا
...
تتريث قبل ان تكتب وتراجع القوانين التي تعمل…...
...
...
يحرم من ممارسة العمل السياسي والإداري سواء بالحق في الترشح والترشيح في الانتخابات التي ستجري في البلاد بمختلف أنواعها وكذلك من تولي…...
بلاد الحرية والديمقراطية يجب ان تحذر من هذه الخطوات التي قد ترجع بها الى نقطة العبودية من جديد لا عزل سياسي الكفاءة وحب الوطن دائما هو…...
تحليل منطقى وعقلانى وقانونى لشخصية متوازنة عقليا ,حرصا منها على تطبيق القانون وحرص أكيد على مصلحة الوطن الغالى ...ولكن…...
" أما قانون العزل السياسي, فإنه بكل وضوح, لهو شديد الوطأة على ضمير أي دارس أو مشتغل بالقانون, رجلاً كان أو امرأة, ما يُلقي على كاهل القانونيين الليبيين…...