صالح بن عبدالله السليمان: أمّ في جحيم القذافي 13/5/2012 18:05 صالح بن عبدالله السليمان: أمّ في جحيم القذافي
صالح بن عبدالله السليمان بحث

لا نحتاج أن نعمل الخيال عندما نكتب عن ليبيا، ففيها ما يفوق الخيال... ليبيا التي اختفت عن المشهد العالمي طوال 42 سنة، لا أقصد ليبيا الجغرافيا، ولكن اقصد الشعب الليبي البطل، الذي اختفى إلا من ومضات هنا وهناك، ولكن الذي كان يظهر وبقوة هو المقبور معمر، يظهر بشطحاته الغربية، وبمغامراته المتهورة، وبملابسه وبأقواله، كان العالم يعرف القذافي ولكنه نسي ليبيا.

وبعد الثورة، هب المارد الليبي يقول أنا هنا، ولكن قليلا.. قليلا بدأنا نرى الجراح العميقة التي أُثخن بها هذا المارد، جراح كنا لا نرى مثلها إلا في دولة الاغتصاب في فلسطين،  ولكن حتى و بمقارنة سريعة نرى فيها أن نظام القذافي أسوأ  من دويلة الاغتصاب.

تعرضت الكثير من الأسر لعقاب جماعي، لا لسبب إلا لكون احد أفرادها يصلى الفجر حاضرا، أو احد أبنائها قال كلمة، بل وفي كثير من الأحيان لا يعلمون لماذا يتعرضون للسجن أو للعقاب.

وحتى لا اتهم بالمبالغة، دعوني اذكر لكم قصة أمّ ليبية، أمّ يعرفها الكثير من الليبيين، ولكن للأسف لم نتعرف عليها في  المستوى العربي و الدولي، وهذه مسئولية الإعلام العربي والليبي على وجه الخصوص.

أسمها  الحاجة حمّاله بلقاسم الشيخي، من مواليد 1918، من أجدابيا التي صمدت أمام القذافي، سيدة عربية، هادئة، محبة للخير، كريمة اليد، تزوجت ورزقها الله بالأبناء، شقيت وتعبت حتى بلغ أبنائها أشدهم، تعلموا في وقت كان التعليم فيه ترفا، ولكنها عرفت انه ضرورة، علّمت أبنائها الخوف من الله، فأصبح احدهم أمام للمسجد المجاور لمنزلها في أجدابيا، ويعطي فيه دروسا، والباقي سنأتي على ذكرهم ولكنهم لا يقلون عن الابن سالم، ولكن هل تسكت يد الظلم عن عائلة سعيدة وأبنائها متعلمون يصلون الفجر حاضرا؟

لا، لم تسكت، قبض نظام القذافي على أبنها سالم في عام 1989، وسجن بدون أي تهمة!!!، بل وتمت مصادرة كل ما كان في منزله، كان أعوان الطاغية كالتتار  سرقوا المال والذهب ولم يتركوا في المنزل شيئا ثمينا إلا وضعوا يدهم عليه لكي يزيدوا من معاناة من يكرهون، وهكذا تمت سرقته وسجنه بدون أي مخالفة، لا تعلم لماذا سجن ابنها، ترى نظرات حفيدها الوليد ذو الشهرين تحاول ان ترى فيه ملامح ابنها ، ابنها سالم ولا تملك إلا الدمعة، ولا تملك إلا الدعاء والصبر... سنتان لا تعرف عن ابنها إلا انه مسجون، يا له من ظلم، ولله درها من أمّ.

وكم كانت فرحة لها كالمطر ينزل على الأرض العطشى، عندما سمح لها بزيارته، ولمدة 15 دقيقة كل ثلاث أشهركما يفعلون مع كل السجناء، تحاول أن تجمع الدينار على الدينار، تقتصد فيما يمكن اقتصاده، وحتى في بعض ما لا يمكن اقتصاده لكي تجهز نفسها لرحلة المعاناة، رحلة الشوق إلى فلذة كبدها، مرة كل ثلاث أشهر، تضطر للسفر ألف كيلومتر من أجدابيا إلى بوسليم  والمبيت في العراء أمام السجن  حتى يأذن لها حراس السجن برؤيته، وليتها كانت زيارة، بل لقاء عابر لا يزيد عن خمسة عشر دقيقة وتحت حراسة مشدده، تراه خمسة عشر دقيقة بعد رحلة ألف كيلو، تراه 15 عشر دقيقة كل ثلاث أشهر، خمسة عشر دقيقة بعد نوم في العراء، خمسة عشر دقيقة ترى فيها ابنها المحبوس دون تهمة ، تعطي ابنها ما استطاعت شرائه من لباس وطعام تمسح وجهه بيدها وتمسح رأسه، ثم تسحب خارجا، والويل لمن يرفض الخروج.

فإذا كان للصبر حدود فلا أظن لظلم نظام القذافي حدود أبدا.  فجعت الأم بابنها الثاني، كم كانت الفاجعة كبيرة عليها حينما جاءها الخبر المشئوم في يوم اسود من عام 1995، بأن ابنها الثاني، ابنها  المتعلم،  أبنها المتدين الذي أسلم علي يديه الكثير من زملاءه العاملين في شركة البترول، وحتى في كندا عندما ذهب إليها، ابنها المصلي الصائم، يزج به مع أخيه، فتصبح المصيبة مصائب، فابريك كان له من الأبناء خمسه، لم يكتفي النظام بسحنة بل طرد من عمله، وطردت أسرته من سكن شركة البترول التي كان يعمل بها في مصراته، وليت هذا فقط، بل قام من كان يسمى بالأمن الداخلي قام بسرقة منزله وماله وسيارته بل وحتى بعض مواد البناء التي أشتراها ابريك لكي يكمل بناء منزله في أجدابيا ليضع سقفا فوق رأس أبناءه الخمسة تمت سرقتها، سجن وسرقة وطرد من عمل وتشريد أبناء، شاركت هذه الأم ابنها فيها، شاركته في الألم، ولكنها انفردت بهموم ، كيف تجمع أحفادها، وكيف توفر لهم العيش الكريم، فكانت هي المحرك لأبنائها وأحفادها الآخرين، ورغم ضيق ذات اليد، ورغم الحصار ورغم الكثير إلا أنها حافظت على تماسك الأسرة، تعلل نفسها بالشعر الشعبي، تجمع فيه أبنائها وتجمع القلوب حولها وتبث معاناتها وترجو ربها.

وكان سجن ابنها الثاني قسوة ليس بعدها قسوة، فلم يسمح لها برؤيته نهائيا، زاد الحمل عليها ولكنها صامدة كالجبل، بعد كل زيارة لإبنها الذي يسمح لها بزيارته  في سجن الظلم والطغيان تعود تسلي نفسها بشعر  تتحدث به عن رحلة الشوق، ورحلة المعاناة. ووتذكر الأخر الذي لا تعرف عنه شيئا... قالت في أحداها: الحبس شين وشينين ناسه ** واالعمر هاسه متصباي في ركن ساسه.

- شين: سيئ،
- هاسه: تعب وشقاء،
- متصباي: منتصب وواقف،
- ساسه: أصل الجدار وأساسه

واستمرت معاناة الأم، مطلوب منها كل يوم أن  ترعى أسرة كبيرة، وأحفاد كثر، تجمعهم في حب، وتألف بين قلوبهم، وتحثهم على التعاون والوقف معا،  تحثهم على الأمل والعمل.

ولكن هل يقف الظلم عند هذا الحد؟؟؟

لا، فكما قلت لكم سابقا، ظلم نظام القذافي كان لا يقف عند حد، بل هو ظلم لا قرار له، لا نهاية له، تأنف منه حتى شياطين الجن والعياذ بالله. ففي عام 1996 أوقفت الزيارة عن السجناء، ومنعت حتى من لذة  رؤية أبنائها لمده 15 دقيقة كل ثلاث أشهر. وحرمت من هذه النسمات التي كانت تحضر لها وتجهز نفسها لها، تخرج من الزيارة القصيرة على أمل أن تراهم مرة أخرى بعد ثلاث أشهر طوال عجاف.

قد يظن البعض أن هذه هي حدود الظلم، ولكن رويدكم، فما زال في الظلم بقايا وليست بقية، سمح لها أن ترسل لأبنائها في سجن الظلم ما تستطيع من طعام ومن لباس، فكانت تقتصد، وتكّد بل وتضغط على أبنائها وأحفادها وهم في حاجة، وهم بالكاد يوفرون ما يستطيعون من حياة كريمة لهم ولأبنائهم ولأبناء أخوانهم  السجناء، تضغط وتجتهد كي توفر دنانير تشتري للسجناء  طعاما ولباسا ترسله،  ولكن الظالم عندما يشرب من ماء الخبال، يذهب عقله، فكان مدير السجن يجمع ما يرسله ذوو السجناء من طعام ولباس، وفتح به سوبرماركت... سوبرماركت من عرق وجهد ودمع هذه الأم وأمثالها. يا الله كم هي دناءة، وكم هي نذالة، والله لا أجد كلمة، فالكلمات صعبة في مثل هذا.

هل انتهى الظلم؟ لا تستعجلوا...

بدأ ذوو الشهداء يعطون الأمل أن بعض السجناء سيطلق سراحهم، وباتت الأم والأسرة في شوق وانتظار ان يصلهم خبر إطلاق سراح سالم،  وخصوصا  أنه كان سجين في ما كان يسمى قسم "ج" وهو للمساجين الذين ليس عليهم تهم، بل هو سجن نكاد نسميه احتياطي، ثم جاءت الطامة الكبرى في يوم 13 ابريل 2004 وصلتها شهادة وفاة أبنائها من مستشفى طرابلس، تقول أن الوفاة طبيعية، هنا انهارت الأم، انهارت وهي لا تصدق أن الآمل أن تكحل عينيها برؤية أبنائها، ولو لخمسة عشر دقيقة أخرى، خرت إلى الأرض، كالجبل يسقط، وغابت عن الوعي شهران، شهران كانت لا تعلم إلا أنها لن ترى سالم وأبريك مرة أخرى،

هل انتهى الظلم؟ لا لقد استعجلتم...

الظلم لا ينتهي إلا بانتهاء الظالم، عرفت الأم وعرف كل الليبيين  ما حدث في سجن بوسليم، عرفوا أنها مجزرة  تندى لها جبين البشرية، وعرفت الأم أن شهادة الوفاة التي استلمتها كاذبة، وان النظم كاذب، وعرفت أن أبنائها قتلوا وهم عزل، وهم مسجونون بأيدي قذرة في يوم سيبقى في التاريخ العالمي والتاريخ الليبي شاهدا على ظلم ليس له حدود، في يوم 29 – 6 – 1996 سجلت البشرية وقوع مجزرة بشعة ستحمل وزرها كل من أيد النظام المقبور وكل من دافع عنه وكل من وقف معه. وبدأت المطالبة بمعرفة حقيقة ما حدث، وكيف حدث. مطالبات تكررت داخل وخارج ليبيا. وفي كل مره يخرج مسئول ليقدم أحداث  غير ما يقدمها سابقيه من كذبة المسئولين، فلم يعرف أهالي الشهداء كيف قضوا،  حتى هذا النوع من الراحة، حرمت منه تلك الأم.

وقالت ألحاجه حمّالة  تلك الأبيات التي كانت تغلي في قلب أبناء أجدابيا ثم ليبيا كلها ثم في قلب كل حر سمعها، تقول فيها: أمغير أصبري ياعين لاتطريهم * أبريك وسالم لي لا أتجيبيهم... كانت وقود وعزاء لكل ذوي ضحايا مجزرة بو سليم. قصيدة طويلة منشورة

قد تقولون ان الظلم وقف عند هذا الحد ؟ حنانيكم، ما زال في الظلم بقية !! ظلم ابريك، وظلم سالم وظلمت أمهم وظلم أبنائهم، ولكن لماذا لا يمد الظلم يده إلى أخوتهم، وأبنائهم، لماذا لا يمتد الظلم إلى بقية الأسرة، وهكذا كان، منعوا من السفر ومنعوا من الترقيات، فالمسافر منهم يرد على الحدود، والموظف منهم ينقل وولا يرقى ، واستمرت معاناتهم طوال فترة النظام المقبور.

وفي يوم 17 رمضان عام 2009، انتقلت أمّ الشهداء حمّاله إلى جوار ربها وهي صائمة، بعمر يزيد عن الثمانين سنة، حاول أبنائها وأحفادها يسقوها ماء، فرفضت، كنت تقول، استحي أن أقابل الله مفطرة يوم من رمضان، أحب أن أقابل ربي صائمة. وكان لها ما أرادت... توفيت حمّالة أمّ الشهداء وهي صائمة... رحمها الله...

في المرة القادمة، سنلتقي مع شهداء آخرين وأبطال آخرين، ورثّت لهم  أمّ الشهداء حب الشهادة والثقة بالله، فلها أحفاد نالوا الشهادة، ولها أحفاد جرحى، وقد اخذوا بجزء من ثأرهم من النظام المقبور.

وعلى دروب الحرية الكرامة نلتقي

صالح بن عبدالله السليمان
http://salehalsulaiman.com

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
مواطن ليبي
الاخ الكريم الكاتب صالح السليمان جزاك الله الف خير على اهتماتك بالشأن الليبي, وهو شأن يهم كل المسلمين الشرفاء. اقول نعم اجرام القذافي, طاغية العصر, يفوق كل الخيال والتصور وللاسف…...
التكملة
Houda Ahmed
Thank you Dr. Saleh for bringing the story of this lady, tears came to my eyes every time I saw her on the TV people who helped gaddafi be what…...
التكملة
أ. شكرى عياد حليلة
هذا القليل من الكثير وما خفى كان اعظم ان الابتلاء هى من نعم الله على عبده لان من صابر وصبر فهم فى منزلة عالية فى جنات خلد مع الانبياء والمرسلين…...
التكملة
اسماعيل
1- امغير اصبري ياعين ولا تطريهم ابريك و سالم الي اتجازي بيهم
1- امغير اصبري ياعين ولا تطريهم ابريك و سالم الي اتجازي بيهم
2- لا تجبدي صورتم ولا تجبدي…...
التكملة
اسماعيل
عندما نعرض القليل من حجم مأساة ليبيا والليبيون والظلم الدي وقع عليهم والدي فاق حتي ظلم الاستعمار الايطالي حيث كان يسمي بالفاشي. هدآ الظلم وعلي يد مجرم سيكوباتي سادي، كان…...
التكملة