عرفته صخرى الوجه صلب الجبين، لم يعرف وجهه يوما حمرة الخجل،
ولا برقع الحياء، لا يتوقى شيئا، ولا يبالى ما يقول. إن كان لكل الناس وجه
و لون ولسان، فلهذا المخلوق أوجه وألوان وألسنة. تجده صديقك وعدوك حسب
الظروف الخارجية، لا حسب ما يصدر منك، وهو مادحك وذامك حسبما يدور فى
المجلس، لا حسب رأيه، تجده عابس لك يوما، وباسما لك يوما وحسب ما يقدر هو
أنه فى مصلحته، لا حسبما تستحق أنت منه، له حاسه زائدة عن حواس الناس الخمس
هى سر من اسرار نجاحه المزعوم، ولهذه الحاسه خصائص فهو يدرك بها أى شخص
صاحب منصبا رئاسيا ليحول نفسه وفق صاحب المنصب والجاه، ويتجهم لأعدائه، ويقترب من أحبابه، ويشم بها مواطن المال فى كل الاحوال، ويرى بها من يجلب
له النفع، ويؤقلم وفق ذلك نفسه، فيتشكل بأشكال فى منتهى الظرف والطلاوة،
فإذا عدوه اللدود بالأمس صديقه الحميم اليوم. ويعرف بها فى مهارة عجيبة
موضع الضعف من كل إنسان يهمه أمره..! فإن كان يعبد النساء حدثه أعذب الحديث
فى النساء والجمال وحسن الشكل، وبدع المحاسن، وجمال الملامح، وأخذ
يستعرض له نساء البلد، وأية حوراء العنين، كحلاء الجفون، ساجية الطرف،
فاترة اللحظ، وأية أسيلة الخد ممشوقة القد، وأية بيضاء اللون، شقراء
الشعر، زرقاء العين، وأية سوداء العين، سمراء اللون، سوداء الشعر، وأية ممتلئة البدن، ضخمة الخلق، شبعى الوشاح، وأية دقيقة الشبح، نحيلة
الظل، مرهفة الجسم، وتفنن فى ذلك ما شاء أن يتفنن حتى يملك عقله، ويستعبد هذا العقل، فإذا هو يصبيح طوع بنانه ومستودع أسراره.
وآه... وإن كان سكيرا حدثه الحديث الممتع فى الشرب والشراب، والكؤوس والأكواب، وآداب النديم، وروى له أحسن الشعر فى الخمر، وحثه عما يمزج وما
لا يمزج، وخير الخمور ومواردها وتواريخها، ثم تراه يتعرف على ما يستحسنه
صاحبه، فأفرط فى مدحه وأدعى الاعجاب به، وأنه لا يفضل عليه غيره، وأن
ذوقه من ذوقه وشرابه من شرابه ومزاجه من مزاجه، وأسكره من حديثه كما
أسكره من كأسه، فإذا هما صديقان وثقت بينهما الكأس والطاس.
وآه... لو كان شرها فى المال حدثه عن الضياع ومحاسن الأراضى وكيفية
استغلالها، والعمارات وجباياتها، وأخذ يوزازن بين أنواع العقار وكم فى
المائة يمكن أن تغل من الايراد، وأعانه فى مشكلاته، وبذل له كل أنواع
معونته، فوجد فيه صديقه النافع وخليله المواتى. هذا وقد تهديه حاسته أن
يعمد إلى عدد من الرؤوس الكبار ذو النفوذ فينصب لهم حبالته، ويوقعهم فى
شبكته، بما يبذر من حب ذى أشكال وألوان، فإذا تم له ذلك خضع الصغار من
تلقاء أنفسهم وطوع إرادتهم، وضرب لهم مثلا بقضاء حاجات لبعضهم ما كانت
لتقضى من غيره، فيصبح مقصد الجميع، ومحيط آمالهم وموضع الرجاء منهم،
يعملون كلهم فى خدمته على أن ينالوا شيئا من جاهه، فإذا هو أصبح سيد على
الصغار والكبار، وإذا هو يصبح عظيم حيث كان، يقابل بالاجلال والإعظام،
ويتملق من أتباعه وإخوانه، ويحسب له حساب فى دائرته وأوسع من دائرته
بكثير.
وبجانب هذه الحقائق القليلة قدر كبير من التهويل، تراه يزعم أنه فى كل ليلة
جليس الكبراء، كم يتغزلون فيه ويطلبون القرب منه، وهو يتأبى عليهم ويبتعد عنهم، فهو لو شاء لكانت إشارة منه ترفع من شاء إلى أعلى عليين، ويخفض من شاء إلى أسفل سافلين، الوزارة فى يده، وأن الوزير لا يتخلى عنه
لحظه، حتى تراه يتضايق من شدة إعتماد الوزير عليه فى كل شئ. هو يستغل هذا
كله فى قضاء مصالحه، فطلباته ناجزة نافذة، والمستحيل لغيره جائز له، والاموال تكال له كيلا، والهدايا تنهال عليه إنهيالا، ومع ذلك لا يشبع،
فكلما نال مطلبا تفتحت له مطالب، فهو فى طلب دائم، ومن بيدهم الأمور فى
إجابة دائمة.
ومن المستغرب له أن الناس يكرهونه من أعماق نفوسهم، ويمقتونه من صميم
قلوبهم، ويرون فيه السخافة مركزة، فإن لقوه فترحيب وتهليل، وإعظام وملق، يتسابقون فى بسط السنتهم فه بالسوء غائبا، ويطنبون فى مدحه حاضرا،
فهو معذور إذ يشعر أن الناس مجمعون على حبه. فهو فى هذا ينتفع بإعظامهم وإجلالهم، ولا يضره كرههم الذى لا يعدو قلوبهم، فكرههم لأنفسهم، وإعظامهم
له، وماذا يضره كره محتقن وخير منه حب مصطنع؟ وماذا أيضا يضيره سب صادق
فى إسرار، وخير منه مدح كاذب فى إعلان..!!
فهل ترى أن هذا الانسان بمقاييس النجاج ناجحا؟ فإن كان النجاح بقضاء المصالح
والأغراض والحصول على المال فحسب، لكان السارق الذى يجيد السرقة ويفلت من
العقوبة ناجحا، وكان من يتاجر بشرفه وعرضه ناجحا، فهذا الانسان من هذا
النوع الخاص، فإن قسته بمقياس أخلاقى لم تجده شيئا، إن قسته بمقياس الفضيلة
الباتة الحاسمة لم تجده فاضلا، وإن قسته بمقياس السعادة لم تجدة سعيدا،
إنه يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام، فإن كان الحمار أو الخنزير سعيدا فهذا
سعيد، وأين منه لذة ذى الضمير الحى؟ ينعم بموافق الشرف والنبل، ويلذهما
لذة لا يعدلها ما ذكرنا من مال وجاه؟ فالرجل الفاضل تراه سعيدا فى آلامه،
لأنها آلام لذيذة خصبة، تجدها كالنار تنضح النفس ولا تحرقها، أما لذة هذا
الانسان ذى النوع الخاص قسم فى دسم، ونار تحرق ولا تنضج، وبعد قليل من
حياته يفقد حتى لذة المال والجاه، وتصبح لذتهما كلذة من يتناول الحلوى
صباح مساء تتهوع نفسه وتنقبض شهيته، فإن اللذة الباقية الدائمه هى لذة
الروح لا الجسد، ومن العجيب فى أمر الروح أن لذتها لذة صافية, ألمها ألم
مشوب بلذة. ثم لذة هذا الانسان إن صح ان نسميه انسان، لذه مشروطة بشروط،
من بينها انه يعتقد أن لذته مرتبطة ببقاء صاحبة فى الوزارة، وحميمه فى منصبه، وحتى نجاح هذا الشخص فى أمة عنوان فشلها وسوء تقديرها، وضعف الرأى العام
فيها، فهو مثل سيئ يشجع البذور السيئة على النماء والبذور الصالحة على
الخفاء.
يارب
إذا أعطيتنى مالا لا تأخذ سعادتى
وإذا أعطيتنى قـوة لا تأخذ عقلى
وإذا أعطيتنى نجاحا لا تأخذ تواضعى
وإذا أعطيتنى تواضعا لا تأخذ إعتزازى بكرامتى
مع تحيات/
على جمال الدين ناصف
بورسعيد -
مصر
alynaeef@yahoo.com
alynassef@hotmail.com
alynassef2000@gmail.com
|