07/08/2009
 

 
سؤال المصالحة  والأمن الاجتماعي!! *
 
ابوالقاسم المشاي

أرشيف الكـاتـب


 
الإنصات / الشهادة/ الجزاء تشكّل عناصر لا يمكن فصل بعضها عن البعض الآخر، 
لإقامة مشروع المصالحة فكل عنصر يشكّل تصورياً جزءاً لنفس المركب..". جون بورنمان  
 

[][] 

 

في مقاربة سابقة حاولنا تحليل جزئية مفهوم اختراع الدولة الحديثة.. دولة العقول.. دولة الشفافية.. دولة العدالة والقانون.. دولة حقوق الانسان.. الدولة المدنية / هذه الصورة التي يفصح عنها مفهوم دولة (مجتمع المعرفة) / هي دولة السلم والامن الاجتماعي هي دولة التنمية والرفاه الاقتصادي هي دولة الحرية / هذه الصورة الطيفية التي تغذي مفهوم الدولة/ الوطن وتخلق منهما هوية/ ولا يتحقق ذلك بدون ام الحريات الانسانية / حرية القول والراي والتعبير/ كيف يكون الانسان دون هذه الحرية؟؟؟/ هذا الشكل يبحث فيما ذهبت اليه جلسة / مؤتمر الشعب العام 2008/ والقراءات التي تناولتها وبحثت في خفايا المعلن عنه والمسكوت من وراء القول او ما عاكس طموحات وانتظار الناس وما مدى استجابته للرأي العام المحلي والدولي / وهي شروط تمليها الظروف بقوتها وبتغير نمطها ومكوناتها والتحرر الذي وصلت اليه المعارف والافكار والاراء وتبادلها اللامحدود والذي تجاوز الرقابة وقيودها / فهل يعكس الواقع الداخلي وتغيراته على الخارج ام ان قوة الخارج وحدها القادرة على تفكيك مسار الواقع الذي صار متخلفا وفاسدا ويقف امامها عاجزا عن اتخاذ خطوات حاسمة وحادة (الصدمة) / وامكانية تمديد فترة المعالجة والاصلاح والتي توغلت في الفساد فصار محتما  ايقاف عجلتها.. وبالتالي فان الازمة التي تتصل بمفهوم الشرعية (القضائية/ التنفيذية) يطالها الضرر وتحتاج الى تقويم واصلاح وتعديل في ضوابطها وقوانينها واجهزتها القضائية والضبطية وما في حكمها من اجل سيادة الدولة والقانون وحفظ النظام / ومن هنا فان معايير حقوق الانسان في ظل هذه الصورة مهددة وتدعو الى تفعيل حماية الحقوق والامن وحفظ الاستقرار.. جميعها تشكّل ركيزة المصالحة والاصلاح والتغيير او اعادة اختراع الدولة وهي ضرورات مرحلة حضارية بمعارفها وذكائها وصناعاتها الابداعية وثقافاتها ودياناتها ومختلف مظاهر التواجد الحضاري المادي والمعرفي عبر وسائل الاتصالات ووسائطها الناقلة للاراء والمعارف والصور والعادات والثقافات بتعددها وتنوعها الفوق مكاني (وبلا حدود) والفيروسات والتهريب والجريمة عبر الشبكات... هذا يعكس ما نكتبه عن واقعنا الذي لا نقراءه إلا بلغة الشتيمة المجانية والاتهامات الجاهزة والاسفافات التي صارت مهنة وعمل ارتزاقي تتم صيانته وحمايته وتسخّر له الامكانيات وتغدق من اجله الغنائم بكل اوجهها / أليست هذه صورتنا المقرؤة على صفحات الشبكة ومواقع الانترنت / أليست الأخبار والتقارير وما تنشره جديرة بالانتباه وبحزم للحوار والمناقشة والمراجعة الجادة ومهما كان حجم ونوع الخسائر المادية وبحدود الفساد الحالي / دونما قراءة لأزمة ما بعد- الفساد/ وهي مرحلة تفوق الوصول إليها: جهود حفظ السلم الاجتماعي وامكانية التنبؤ بمساحاتها". هذا ما كان عليه (مؤتمر الشعب العام) من وضعية  أدت إلى إيقاف عمل اللجان الشعبية (الحكومة / الوزارات) / السلطة التنفيذية / وتحويلها إلى لجان تسيير أعمال و خدمات // وهذا التعطيل ستكون تكاليفه باهضة تنمويا واقتصاديا ويضيف أعباء جديدة على الميزانية العامة / لان الفساد ضرب الدوائر الإدارية الدنيا جداً/ توغل في مختلف مؤسسات الدولة وأجهزتها / الرشوة والتسول والشحاذة صارت أمراض اجتماعية../ انحدار ثقافي وقيمي/ انعدام في أساليب الحياة الأولية (الحمامات العمومية/ النقل العمومي/..) تخلف في بنى ومناهج التعليم وفي نظم التعلم  وقيم التربية.. أمراض بيولوجية وحسب الإشارة التي قدمتها منظمة الصحة العالمية، بأن ليبيا ستواجه مشاكل صحية ووبائية..؛ إذا لم تعالج نظامها الصحي والايكولوجي/... دعونا نواجه المقارنة بين أنفسنا وواقعنا بين أحلامنا وبين طموحاتنا .. بين أبصارنا وما نحن نشاهده ونراه/ في حياتنا المعيشية أم في الصورة المرئية التي نقدمها عن أنفسنا في وسائلنا الإعلامية وماهية خطابنا ومشاركاتنا الآراء مع الآخرين وفي الحوارات التي نراها في بعض البرامج / ../ ستواجهون إعلام الذات الذي يصور تجربته الشخصية في إي مكان وأي وقت/ ومختلف التفاصيل المعيشية وبأنماطها (إعلام أي شئ!!!) / ستجدون أنفسكم أمام حقيقة لا يمكن الإفلات منها – الشهادة الديجيتالية/ الارشيف الرقمي!! -/ وبالتالي لا يمكن اختزال مرحلة تاريخية دون إعادة قراءتها انثربولوجيا / ولأنها شاخصة ومجسدة دائما للإدلاء بشهادتها.. بغض النظر عن الموضوع الذي نناقشه أو نتسأل حوله/ يجب إعادة بناء الثقة وبشروط جديدة لإنتاج الحقيقة وتحقيق المصالحة../ فتح الحوار والإنصات إلى قول الحقيقة.. الاعتراف.. الاعتذار.. الجزاء/التعويض ولا يمكن إلغاء أو تجاهل أحداها.. لأنها ستعلن عن ذاتها بالاعتراف بغيرها../ هذه تعيدنا إلى مرة الى خلق الثقة وتأسيس التضامن والنوايا الحسنة وهي استجابات فطرية للخطاب وتعبير عن الأفعال/ القبول والرفض/ وإذا قلنا أن الاعتراف بالاختلاف والحوار الفكري مازال يطاله التحريم والتجريم والتجويع والإقصاء.. أذن عن أي توجه يمكن إن يقارب بين الأطراف أو التيارات المتعارضة المعلنة أو المخفية والمتخفية بالموالاة أو الشبكات الاجتماعية والثقافية المختلفة...؟؟؟ 

[][] 

 

ونرجع مرة أخرى لنبحث في مفهوم المصالحه والتي تعني ببساطة بأنها نوع من التفاهم والتوافق للخروج من الأزمة العنف في الحاضر.. وبمعنى تعتمده جميع الثقافات الإنسانية ويعتمده عديد المفكرين/ وتحتاج إلى قبة أو رأس يضفي عليها الشرعية التنفيذية (المحاكم) ولديها شرعيتها الدينية التي تسعى إلى الخير والسلم الاجتماعي وتأمل دائما بإيجاد حلول يقبلها الناس ويتفاعل معها المحيط ويستجيب لها الواقع / الخسائر والإضرار الموثقة والمكتوبة تشكل دائما دالتها الماثلة في التاريخ/ ودائما تزداد في تركيع الإجابة وإخضاعها للشرط الزماني و برأي المفكر جون بورنمان"  يؤثر التاريخ الزمني، بدون شك، على فاعلية التقبل الشعبي للأحكام القانونية، دون أن يؤثر على طريقة التنبؤ الواضح بذلك. وتشكل الآثار القانونية إنجازا يتطلب صيرورة زمنية، إذ لا تنجز على الإطلاق وقت إصدار الحكم أو العقاب بشكل استعجالي ودفعة واحدة بحيث تكون صالحة لكل الأوقات."  

 

وكأن مشروع المصالحة والاعتراف وإعادة اختراع الدولة تراجع أو صار من غير الممكن الخوض والجدل والحوار حول معطياته وضرورته للحاضر ويساهم الجميع في رسم ملامحه المستقبلية/ ولو نظرنا إلى الآثار الاجتماعية والنتائج السياسية ومدى قدرة الدولة بوضعها الحالي على التقدم وتحقيق خطوة للامام ولو كانت صغيرة ولكنها في ضوء حكومة الطواريء أو في أجندة حكومة تسيير الأعمال التي أعلن قرارها / بمؤتمر الشعب العام 2008/ وهي من موقعها تعكس أهدافها عبر توزيعها على لجان عامة سوف تحدد مصير الدولة وهذا المصير المتلبس بالغموض سوف يعمل بذاته على تقويض ما تبقى من مؤسسات قائمة تشكل عصب المجتمع/ ويمكن القول أن الشلل والعجز سوف يرافق مسيرة حكومة تسيير الأعمال وهي الحكومة المدانة بالفساد وأثبتت فشلها في جميع قطاعاتها ومؤسساتها حسب تقرير الرقابة والمتابعة الصادر في فبراير 2007 / أيضا لم يعرض المؤتمر أي اقتراحات حول إشكالية المسئولية الفردية والجماعية وتقويم الأضرار والمحاسبة التي أنتجتها المؤسسات وعبر المسئولين الحكوميين او بالاذعان او بغيره من وسائل انتاج الفساد والتي أحدثت قطيعة بين المواطن والوطن/ وأنتجت أزمة ثقة داخل المجتمع بمختلف أوجه حياته/ تساهم في زيادة حدة التناقضات التي نعيشها اليوم.

[][]

 

فهل سيكون كشف الحقائق والاعتراف وتحديد المسؤوليات كفيل بتحقيق المصالحة وإعادة الثقة للدولة ونظام عملها..؟؟/ إذن ما هي الضرورات الطارئة التي يجب القبول بها والبحث عنها كقضايا إنسانية جوهرية لا يمكن الإفلات منها أو تجاهلها ومهما كان الغطاء أو المبرر.. إذ أن الزمن لا يضمد كل الخسائر وكل الجراح وخاصة التي تتصل بانتهاكات حقيقية خلّفت أضرار لا يمحوها الزمن/ كما إن تأمين الحياة والأرواح يشكل عصب وركيزة أي دولة وأي نظام/ والخروج عن ذلك يعنى استمرار العنف  وظهوره بإشكال مختلفة.. ليعاد دائما إخصاب ذكرى الخسارة أو الضرر ويعبر عن ذلك كيير كارد 1974:" أن الناجين يعانون من اليأس والألم والكآبة ومن حزن يصعب التعبير عنه. ولا ينتج اليأس في عدم القدرة على الحياة،  ولكن في حالة الغم التي تتولد من عدم القدرة على الموت، مما يحافظ على الألم الدفين، ويجعل الألم يرافق الحياة. ويكون سببا في تفسير لمادا ينحو المرء في اتجاه اليأس، ليكون الجواب أن المرء لا يستطيع أن يهلك ذاته أو يتخلص منها بل ولا يستطيع أن يصبح لا شئ."

 

وبالتالي فأن مواجهة الحياة من وعلى حافة الموت أو تحت جدران الظلم بالضرورة ينتج وضعا انتقاميا ويصبح الثأر وتوليد العنف نموذجا مفتوحا على كثير من المجتمعات التي نرى أزماتها.. ويصبح من غير الممكن تحقيق تقدم في مجال الأمن الوطني والدفاع وحفظ السلام والتسامح والتنمية في غياب المشاركة والفاعلية المجتمعية/ ..وغيرها من القضايا والاختناقات التي نتجها التغيرات والتحولات.. وسيكون من المفيد ظهور أشكال مؤسساتية تعيد النظر في مجمل الأطروحات والمشاريع التي تحاول ان تبحث في قضايا إعادة الثقة والمصالحة والاستقرار وهذه اشتراطات النهوض باتجاه المستقبل والمشاركة في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية وتحقيق شكل ونظام العدالة../ التي صارت مهددة داخل النص/ الميثاق.. العهد.. التشريع.. القانون../ الذي يشكل رباطا وعقدا اجتماعيا.. اذن من سيحدد آلية عمل مؤسسات الحوار والمصالحة.. من سيقوم بأعمال التنمية الشاملة إذا كانت الحكومة خارج الثقة ومدانة بالمطلق ولكنها تموضعت في مواقعها../ ومناقشتها والحوار بحرية الراي والاختلاف تعنى الاتهام بالتآمر أو بتقويض الدولة..!!

[][]

 

تتطلب المصالحة والإنصاف وتحقيق العدالة إلى إرادة حقيقية للفعل على ان تأتي بصدق النوايا ونابعة من الذات والقيم الإنسانية../ وبالصياغة التي تجعل من المصالحة مشروع اتفاق جماعي وطني مصيري وحتمي ومجمل القول ماذهب اليه خطاب العقيد معمر القذافي 2مارس2008: "أن ليبيا من الآن فصاعداً أصبحت من دون حكومة، "أيضا"   الليبيين عبّروا منذ سنوات عن عدم رضاهم عن إدارة هذه الوزارات لعدم قدرتها على تلبية مطالبهم». كما أنها «تحوّلت إلى إخطبوط تفشى فيه الفساد والرشوة والوساطة».. 

 

وإذا كانت المحاسبة والمسألة والاعتذار والجزاء والتعويض والإنصاف وترسيخ الحقوق وحمايتها  وإعلان الحريات وتتويجها.. جميعها تشكل روح وجوهر المصالحة/ اساسها الحوار الحر وقول الحقيقة..وما يعوق المقدرة على قول الحق والخروج من احتمالات العنف يرتبط جذريا بالوعي والإدراك وفهم طبيعة الخسارة والقدرة على تحقيق العدالة وفرضها بالقوة ذاتها التي لا تملكها الدولة أو الحكومة  المدانة أمام شعبها!! // وما يمكن إن تقدمه الحكومة الحالية ليس فقط .. توزيع الثروة واجتثاث الفساد والمحاسبة المعلنة والاعتراف بالخسائر والأضرار ومدى انتهاك الحقوق وإرجاعها لأصحابها ولكن يجب إن يتزاوج معها وتغذيها مرجعية تشريعية ومؤسسات ضابطة ورادعة وصارمة وقادرة على خلق مناخ ثقة وتواصل بين الفرد والمؤسسة../ كما إن الشفافية والمحاسبة والتقويم يجب إن تكون جادة وموثوق في نزاهتها  وكما يذهب جون بورنمان " الإنصات / الشهادة/ الجزاء تشكّل عناصر لا يمكن فصل بعضها عن البعض الآخر، لإقامة مشروع المصالحة/ فكل عنصر يشكّل / تصورياً جزءاً لنفس المركب..".   

 

ابوالقاسم المشاي

طرابلس/ ليبيا مارس 2008

 
mashaii@hotmail.info
http://twitter.com/mashaii 
 
* اعادة نشر
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق