مقالات

عطية صالح الأوجلي

"بحر الخشخاش"... رواية هندية عن الشقاء والأمل

أرشيف الكاتب
2016/11/09 على الساعة 10:18

 

إعداد: عطية صالح الأوجلي

(1)

سقط فك إمبراطور الصين من الدهشة وهو يستمع إلى مترجمه ينقل إليه طلبات مندوب ملك بريطانيا جورج الثالث والتي تتعلق بحاجة الصين إلى فتح أسواقها أمام المنتجات البريطانية. "قل له.. أخبره" أجاب الإمبراطور الغاضب بلهجة حاول تغليفها بقدر من الدبلوماسية "إن إمبراطورية الصين السماوية لديها ما تحتاجه من السلع.. وليست في حاجة لاستيراد سلع أخرى من البرابرة‏". كان ذاك الرد القاطع هو المبرر الذي اتخذته بريطانيا فيما بعد حجة لها لشن واحدة من أبشع الحروب وأقذرها على إمبراطورية الصين  والتي عرفت بحرب الأفيون.

كان التجار البريطانيون يشترون من الصين كميات ضخمة من الحرير والشاي والخزف ويدفعون ثمنا له كميات هائلة من الفضة مما جعل الميزان التجاري يميل وبشدة لصالح الصين. طالب التجار الحكومة البريطانية أن تتدخل لتفتح إمامهم أسواق الصين المغلقة. فبعث ملك بريطانيا مندوبه الذي جوبه بالرفض  فكانت حرب الأفيون التي بدأت بإرغام المزارعين البسطاء بالهند على زراعة نبات الخشخاش ثم نقل المحصول إلى مصانع بالهند أقيمت لتحويل الخشخاش إلى أفيون ومن ثم تهريبه إلى الصين.

(2)

"إذا كانت مشيئة الرب أن يكون الأفيون وسيلة لفتح الصين لتعاليم المسيح فليكن الأمر كذلك". أحد شخوص الرواية

رواية الكاتب الهندي الشهير اميتاب غوش الملحمية، "بحر الخشخاش"، اتخذت من تجارة الأفيون هذه مسرحا لتسرد حكاياتها المتداخلة من على خشبته ولترسم لنا صورا محزنة عن الدمار والخراب الإنساني الذي سببته هذه التجارة المقيتة ولتحدثنا عن توق الإنسان للحرية وبحثه عن الأمل بطرقِ جريئة ومدهشة، فهي تروي لنا قصة الزراعة الإلزامية التي فرضتها بريطانيا على الهند ليقوم المزارعون مجبرين بزراعة  نبات خشخاش الأفيون ثم صناعته وتهريبه إلى الصين التي كانت آنذاك تتمتع باكتفاء ذاتيا يجعلها في منأى من الاستيراد.  كل ذلك يتم عبر ملحمة هائلة من الآلام والدماء لخدمة هدف وحيد  "ميزان المدفوعات البريطاني". تحدثنا عن حرمان المزارعين من زراعة أية محاصيل أخرى وعن تحولهم هم وملاك الأراضي إلى مدينين لقراصنة شركة الهند الشرقية.

بمهارة  يُجمّعُ غوش شخصيات هامشية عدة لتبحر على متن السفينة "ايبيس"، وهي سفينة كانت تنقل العبيد سابقا تم تحويرها لتنقل الشحنات الجديدة من الأفيون والبشر. غوش مواطن كلكتا الذي يَتكلّمُ خمس لغاتِ والذي يتدفق حبّه للهند من خلال كتاباته وأحاديثه قدم لنا رواية وقصة مفجعة لسفينة لم نرها في الأدب منذ أن تسلق "إسماعيل" حبال السفينة "بيكود" في رواية هيرمان ملفيل الشهيرة موبي ديك.

أول شخصيات الرواية، "ديتي"، أم صغيرة تعيش على ضفاف نهر الجانج نحو 50 ميلا إلى الشرق من بينارس. تزرع الخشخاش مضطرة من اجل البقاء. (يبدو أن تدمير الاقتصاد الريفي لم يشغل بال البريطانيين)، و بالرغم من أنها لا تتعاطاه، فأنه إي الأفيون قد تسلل إلى عمق حياتها الأسرية. فالمخدرات تخدر الحس الأخلاقي، ليس فقط لأولئك الذين يتعاطوها وإنما أيضا لمن يشاركون ولو كرها في إنتاجها. عملية الإدمان هذه تكاد تكون فلسفية - هناك لحظة تأتي في حياة المدمن يكون تعاطي الأفيون عنده هو الوسيلة الوحيدة لتناسي الضرر الذي أحدثه التعاطي في حياته.

بالقرب من مصنع الأفيون ينتشر الإدمان حتى بين القرود التي تشرب من مياه الصرف الصحي. في داخل المصنع، يغمر الرجال أنفسهم داخل الصهاريج المعدة لمعالجة النبات حيث يبدون "كمجموعة من الجذوع الداكنة اللون بلا أرجل تدور وتدور داخل الصهريج كمثل مجموعة أسيرة من الشياطين". يصف لنا الكاتب الحياة داخل مصنع الشر ببراعة حدت بمحرر الصفحة الثقافية بالجارديان إلى القول بأن هذه الرواية "ذات نبرات تولوستوية مزجت بعواطف ديكنزية".

هناك ايضا "زكريا" العبد المُعتق الذي يخبئ وبشراسة أسرار ميلاده  و"بابو نوب قاسم" بيروقراطي شركة الهند الشرقية المهووس بالخرافات و"سيرانج علي" الزعيم الماكر، و"نيل" الحاكم البنغالي المثقف الحالم الذي قادته سذاجته وقلة حنكته  إلى الإفلاس والعار والإقصاء بينما سارع البريطانيون الذين كانوا يتهافتون على موائده إلى التسابق على حيازة أرضه. هكذا يتوالى رسم الشخصيات ومزج أقدارها ببراعة لنطاردها عبر صفحات الكتاب ونعيش بلهفة معها صراع الطوائف ومعاناة المنبوذين وجدل الحكام والمحكومين، نبل العواطف وبؤس الجشع. يعيدنا الكاتب بمهارة إلى الهند عام 1830 ليمزج عبق الروائح وغموض الطقوس وثراء الثقافة الهندية لنعايش معاناة شخوصه مع تاريخ ليس من صنعهم.  تاريخ لم  يعجزوا فقط عن تغييره وإنما أيضا على فهمه...!! يتبقى القول أن هذه الرواية هي جزء أول من ثلاثية ملحمية سيتطلع القارئ بشغف للعيش مع تفاصيلها.

(3)

فيما يلي ترجمة لصفحة من الرواية:

كان يمكن لذاك اليوم أن يمر كغيره من الأيام لولا أن "ديتي" ترأت لها فيه تلك السفينة ذات الشراع المرتفع على طرف المحيط. أدركت على الفور أن هذه إشارة من القدر. فلم يسبق لها أن رأت سفينة بمثل هذا الحجم حتى في أحلامها. وكيف يمكن لها وهي تعيش في شمال "بيهار" على بعد نحو أربعمائة ميل من الساحل؟ كانت قريتها تقبع بعيدا في الدواخل كعالم سفلي، تقبع في هوّةَ الظلامِ حيث اختفي نهر الغانغا المقدّس في الكالا- باني 'الماء الأسود'.

كان ذلك في نِهايِةِ الشتاء، في نفس العام الذي تأخرت شجيرات الخشخاش بغرابة في تكوين بتلاتها : ميلِ بعد ميلِ، مِنْ بنارس فصاعدا، بَدا نهر الغانغا يَتدفّقَ بين توأم من الأنهار الجليدية. بينما اكتست ضفتيه بطبقات مِنْ الزهور البيضاء. كما لو أنّ ثلوج الهملايا  انحدرت على السهولِ لتنتِظر وصولِ هولي وتدفق الألوان الربيعية الزاهية.

عاشت "ديتي" في قرية على أطرافِ بلدةِ "غازيبور"، حوالي خمسون ميلَ شرق بينارس. مثل كُلّ جيرانها، كانت ديتي منزعجة  لتأخّرِ محصولِ خشخاشِها: ذلك اليومِ، أفاقت مبكراً وقامت بأداء حركاتِ روتينِها اليوميِ، ثم غسلت ملابس زوجها "هوكام سينج" جيدا، أعدت وجبة طعامه ليَتناولها في منتصفِ النهار. بعد أن  لفّتْ وحزمت وجبة طعامه، تَوقّفتْ للقيَاْم بزيارة سريعة إلى معبدها الصغير: لاحقاً، بعد أن استحمت وارتدت ثيابها، قامت بتقديم الزهور والنذور ثم قبل أن تغادر بيتها شبكت يديها في ركوع قصير.

أعلن صرير العجلة العربة التي يجرها الثور عن اقتراب موعد ذهاب "هوكام سينج" إلى المصنعِ حيث يعَملَ، في غازيبور، على بعد ثلاثة أميالٍ. بالرغم من أن المكان لَيسَ بعيداً، فالمسافة كَانتْ أعظم من أن يقطعها مشيا على الأقدام، فقد كَانَ يعاني من جرح قديم بساقه منذ أن كان جنديا في الفوج البريطاني. لم يكن العجز حادا ليتطلب استعمال العكاز. على أية حال،  كَانَ قادراً على شَقّ طريقه إلى العربةِ دون مساعدةِ. تتلوه ديتي بخطوة واحدة، تحْملُ غذائَه ومائَه. وكالعادة، تسلمه الرزمةَ المَلْفُوفةَ في قماشَ بَعْدَ أَنْ يصعد العربة.

كَانَ سائق عربةِ الثورَ، كالوا، رجلا عملاقا، لَكنَّه لم يتحرك لمساعدة الراكب بل كان حريصا على إخفاء وجهه عن المشهد. فهو من طائفة المنبوذين بينما كان سينج من طائفة "راجبوت" الأعلى مقاما، كان السائق لا يريد أن يجلب سوء الحظ للراكب بأن يريه وجهه.  الآن، بعد أن صعد العربة جلس الجندي الهندي السابق في الخلف يحتضن حزمته ويحرص على أن لا يمس حاجيات السائق . وهكذا انطلقت العربة التي يجرها الثور في مشهد غريب قد يتبادل الرجلان فيه بعض الكلمات ولكنهما حريصان كل الحرص على ألا تلتقي عيناهما أو يتبادلا النظرات.

المؤلف:

اميتاب غوش هو أشهر روائي هندي يكتب باللغة الانجليزية، ولد بكلكتا عام 1956. نال شهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد في مجال "الانثروبولوجيا الاجتماعية"، هذه بعض من أعماله:

- دائرة المنطق (1986).
- خطوط الظل (1988).
- كروموزوم كلكتا (1996).
- القصر الزجاجي (2000).
- رقص في كمبوديا (2001).
- المد الجائع (2005).
- ظروف قاهرة (2006).
- بحر الخشخاش (2008).

Sea of Poppies, Amitav Ghosh, John Murray - 2008

 


الحواشي  والمصادر:

* الخشخاش هو مصدر الأفيون وهو نبات حولي يبلغ ارتفاعه من 2 إلى 4 أقدام ينتج أزهار ذات أربع بتلات قد تكون بيضاء أو قرمزية أو حمراء أو بنفسجية أو أرجوانية ولكن اللون الأكثر شيوعاً هو اللون.

- Guardian.co.uk, Sunday June 8
- The independent, Friday, 16 May 2008

كلمات مفاتيح : عطية الأوجلي، روايات،
م.ب | 10/11/2016 على الساعة 23:33
كلكتا عاصمة بانغلاديش المنسية ؟! ورواية " بحر الخشخاش "
يبدو ان مؤلف رواية بحر الخشخاش ، مسقط رأسه كلكتا التي معظم سكانها من المسلمين ،غير ان الهند احتفظت بها من ضمن أراضيها ومايزال سكان بنغلادش يعتبرونها جزءً من أراضيهم وأنها عاصمتهم بدل دكا ، لقد أخبرت بهذه الحقيقة من بعض الأصدقاء في تشيتاقونق المدينة الثانية بعد العاصمة دكا ، شعب بانغلادش شعب فقير جدا وذو كثافة عالية جدا في بقعة ارض صغيرة اغلبه من المسلمين وأحواله السياسية غير مستقرة ، وقد ذكر لي عن المذبحة الرهيبة التي قام بها الجيش ضد الأحزاب الاسلامية راح ضحيتها آلاف مؤلفة من المسلمين في ليلة واحدة ،والعجيب ان الفنادق كلها تحت إدارة العسكر فإذا حجزت في اي فندق تشعر انك داخل ثكنة عسكرية والابواب حديدية كانك داخل سجن ،اري نفسي اكتب ذلك حتي أعطي صورة عما يحدث في تلك البقعة من العالم وقد كتبت بعض مذكراتي من هناك ربما انشرها يوما ما ، شكرا للاستاذ عطية الاوجلي
البهلول | 10/11/2016 على الساعة 15:37
الاستعمار ومبررات حرب الافيون (2)
كما كانت مبررات تنوير الافارقة المتوحشين لاستعمار القارة السمراء ومثل مبررات جورج دبليو بوش بتحرير الشعب العراقي ونقله الى رحاب الديمقراطية الامر الذي دمر العراق وادخله في اتون حرب طاحنة ونفس السيناريو مع ليبيا التى كان مبررات تحريرها من الدكتاتورية هو تدميرها وادخال شعبها في اتون حرب طاحنة انها مبررات الاستعمار كان الاجدر بالكاتب ان يروي لنا الرواية الماساوية التى نعيشها حاليا وهي مايقابل حرب الافيون حرب "الدواعش " وصناعة الارهاب .
البهلول | 10/11/2016 على الساعة 15:25
الاستعمار ومبررات حرب الافيون (1)
ان رواية "بحر الخشخاش "المرشحة لجائزة "بوكر " للرواية الناطقة باللغة الانجليزية للاديب الانجليزي من اصل هندي السيد (الدكور غوش) هي تعد الجزء الاول من ثلاثية تتابع رحلة سفينة ابيس تللك السفينة سيئة السمعة التى كان ينقل على ظهرها العبيد من القارة السمراء الى العالم الجديد في القرن التاسع عشر ثم حورت بعد ذلك لاستخدامها في نقل مادة الافيون المصنع من الخشخاش الرواية تفتح فضاء العالم الذي شارك أو أجبر على المشاركة في حرب الافيون وتقدم الشخصيات الرئيسية في العمل التي تتابع ملحمتها وتقدم صورة عن الامبراطورية الانجليزية وتجادل مصالح الدين والسياسة والمال والاستبداد وصراع القوى اكيد ان الفكرة الاساسية هي حرب الافيون التى ابتكرها العقلية الاستعمارية الانجليزية ضد الصين التى رفضت فتح ابواب اسواقها للمنتجات الانجليزية وعملت شركة العند الشرقية "الانجليزية )على نقل الافيون الى الصين كما اوكلت إليها مهمة اجبار المزارعين على زراعة نبات الخشخاش بدلا من زراعات احتياجاتهم من المنتجات الضرورية مثل الارز والقمح والشعير طبعا كل هذه وحجة الامبراطورية العجوز انها تريد تحرير التجارة وتحرير الشعب الصيني طبعا
Ghoma | 10/11/2016 على الساعة 00:55
Those Who Do Not Remember History Are Bound to Repeat Its Mistakes
While the writer's concern was focused on developing his plot and unfolding his characters' interactions and destiny. These characters like any group facing danger, platoons in war, their diverse origins and races didn't prevent them from becoming "ship brothers!" The question that still lingers behind the "poppy wars" how could a small island in north-west Europe dominate half of the known and even the unknown worlds? India with its 350 million couldn't defend itself from a company and its few guards, hired locally. China, the oldest empire, could not defend itself from being drugged and taken advantages of. Colonialism, with all its forms, wouldn't have succeeded the way it did if not for the collaboration of locals. The ignorance and poverty of the locals made them easy prey and even easier to use as guards against their own kin and Keith. Caste-ridden' fragmented, traditional, and backward are good recipe for being taken advantage of even in today's world. Thanks. Ghoma
زكري | 09/11/2016 على الساعة 17:27
بحر الخشخاش و حرب الأفيون
فضلا عن المهنية النقدية في تقديم الرواية - بلغة أدبية جميلة و منتقاة الكلمات - و التعريف بالكاتب الهندي أمِتاف غوش ؛ فإن المقالة قد أفلحت - بالنتيجة - في إلقاء الضوء على حرب الأفيون ، التي أزعم أن أغلب القراء - حتى المثقفون منهم - لا يعرفون عنها شيئا يُذكر ، سواء لجهة أحداثها الدامية ، أم لجهة دوافعها الاستعمارية / الاستغلالية و ارتكاباتها الطبقية العنصرية و اللاإنسانية . و لعل هذه الإضاءة تشكل دافعا ذاتيا لدى النابهين من المتلقين .. و الشباب على وجه الخصوص ، للاستزادة المعرفية ، و الرغبة بالاطلاع . شكرا للأستاذ عطية على اسهاماته الثقافية الهامة .
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع