مقالات

محمد بن زكري

قد تكون المرأة أشد ذكورية!

أرشيف الكاتب
2016/11/06 على الساعة 11:48

حكومة وول ستريت في نيويورك، هي من تدير أميركا، وهي من تمسك بزمام الأمور في نظام العولمة، وتقود حركة الليبرالية الجديدة عبر العالم. وفي مكاتبها يتم رسم ستراتيجيات النظام الراسمالي العالمي، ومنها يجري الإشراف على تنفيذ تلك السراتيجيات، عبر منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وإنّ مصالح الشركات الأميركية الاحتكارية الكبرى، هي التي تقرر - انعكاسا لعلاقات القوى الراسمالية الأميركية داخليا وخارجيا - من يدخل البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة. فالرئيس الأميركي سواء أتى من الحزب الديمقراطي أم من الحزب الجمهوري، ليس غير ممثل لحكومة وول ستريت، وحارس لنظام العولمة الراسمالية والليبرالية الجديدة.

وفي انتخابات الرئاسة الأميركية - لانتخاب الرئيس رقم 45 - ليس مِن فارق جوهري بين هيلاري كلنتون ودونالد ترامب، من حيث الالتزام بالتعبير عن مصالح الشركات والاستثمارات الأميركية الكبرى، والإيفاء بشرط الانحياز لمصالح  الطبقة الراسمالية العليا من أصحاب راس المال الصناعي والتجاري وأصحاب راس المال المالي، رغم هامش الحركة المتاح للرئيس في إعمال رؤيته وأفكاره الخاصة، بشأن معالجة بعض قضايا السياسات الداخلية والخارجية، لكن بما لا يمكن أن يتناقض - في النتيجة - مع مرتكزات الهيمنة الراسمالية الأميركية على العالم اقتصاديا وعسكريا. (فالترسانات العسكرية للدول الكبرى عموما، هي الضامن الأكبر لمصالحها الستراتيجية. وفي المقدمة منها المصالح التجارية، أي مصالح شركاتها الكبرى العابرة للقوميات). ولقد رأينا كيف أن المنافس الديمقراطي لهيلاري كلنتون، في السباق الى البيت الابيض، السيد بيرني ساندرز - ذي التوجه شبه الاشتراكي - قد أضطر فجأة لـ (الاقتناع) في المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي (25-27 /7/2016)، بأن "هيلاري كلنتون يجب أن تصبح الرئيسة المقبلة للولايات المتحدة"، لتفوز بذلك هيلاري بتزكية الحزب الديمقراطي،  في السباق مع ترامب إلى البيت الأبيض، رغم ما قوبل به انسحاب ساندرز من غضب واحتجاجات داعمي حملته الانتخابية - بمئات الألوف وفي كل الولايات - من الأميركيين، وخاصة بين الفئات الشبابية، إناثا وذكورا.

ومع أنه ليس من فارق يُذكر بين مرشحيْ الحزبين الديمقراطي والجمهوري، للرئاسة الأميركية، فإن تعاطي العالم مع أميركا، قد يكون أفضل، لو أن ترامب هو الفائز بالرئاسة الأميركية، ذلك أن  الرجل واضح مع الآخرين، وصادق مع نفسه، وجريء في طرح أفكاره (الصادمة) المعبرة بشفافية عن طبيعة الليبرالية الجديدة، في نسختها الأميركية المتوحشة والأبعد ما تكون عن أية نزعة إنسانية (فلا رومانسية مع الليبرالية الجديدة).

وإن أرجح الاحتمالات - بتقديري - أنّ حال العالم مع هيلاري كلنتون، سيكون أسوأ مما كان عليه مع باراك أوباما، فكما أثبت أول رئيس أميركي أسود، أنه أشد بياضا من البيض الأنجلوساكون، الذين يسميهم الأميركيون (الحُجّاج)، وهم الغزاة الإنجليز (البروتستانت) الأوائل، الذين قادوا حملات الإبادة الجماعية والتطهير العِرقي و الثقافي، ضد السكان الأصليين من الشعوب التي أطلقوا عليها اسم الهنود الحمر (أو مصطلح الكنعانيين الجدد)، فإن هيلاري كلنتون باعتبارها أول امرأة ترأس الولايات المتحدة، ستثبت (كأنثى) أنها أشد ذكورية من كل رؤساء أميركا الذكور، ولن تتردد طويلا في اتخاذ قرارات الحرب المحدودة والتدخل العسكري المباشر لحل النزاعات. ولعله لم يعد مجهولا أنها كانت قد وقفت بقوة وراء التدخل العسكري الأميركي في ليبيا سنة 2011، عندما كانت وزيرة للخارجية، وأن السفير الأميركي في ليبيا (جي كريستوفر ستيفنز)، كان ينسق عمليات إرسال السلاح والعتاد الحربي من بنغازي إلى تركيا و منها إلى سوريا، لدعم الحرب على الدولة السورية، على عهد هيلاري كلنتون وبعلمها وتحت إشرافها ومسؤوليتها كوزيرة للخارجية الأميركية.

فأن تأتي امرأة إلى رئاسة الولايات المتحدة، لا يغير من الطبيعة الاستحواذية الاحتكارية للراسمالية الأميركية ولا من عنجهيتها وعدوانيتها شيئا. ولن تتحول أميركا في عهد أول رئيسة أميركية، إلى دولة للعدالة الاجتماعية وديمقراطية توزيع الثروة القومية (نسبة الفقراء في أميركا حوالي 30 % أي حوالي ثلث عدد السكان، ونسبة الجامعيين لا تتجاوز 28 %)، ومن غير الوارد أن تضمن للمواطن الأميركي حق مجانية التعليم و الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي. ولن تتحول أميركا في عهد أول امرأة رئيسة، من امبراطورية للشر إلى واحة للسلام في العالم، بل العكس تماما هو ما سيحدث، خلافا لكل القراءات المفخخة والتوقعات الطوباوية.

وبإطلالة عامة - وبرؤية غير محايدة - على بانوراما واقع التحولات الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية، والممارسات  السياسية، التي تتفاعل - راسماليا - على الساحة العالمية، غداة انهيار منظومة الدول الاشتراكية، بما في ذلك ما نلمسه في تذبذب مؤشر مقبولية اليسار واليمين الليبرالي في المجتمعات الأوربية، فإن  ما نراه بوضوح تام، هو أن النساء اللواتي يصلن إلى مواقع السلطة العليا واتخاذ القرار في الدول الصناعية - الراسمالية - المتقدمة، لا يمثلن تطلعات وآمال الطبقات الوسطى والمفقرة والشرائح الاجتماعية الأقل حظا من الثروة والرفاه، ولا تشكل حقوق المرأة - كإنسان مقهور - لديهن أية أولوية تُذكر، بل يمثلن مصالح الطبقة العليا من أصحاب رؤوس الأموال، والشركات الكبرى العابرة للقوميات. ويفكرن بعقلية ذكورية بحتة، تطابقا مع أيديولوجيا الليبرالية الجديدة وثقافتها الاستحواذية التسلطية البطريركية.

وبصرف النظر عما لا يعنينا كثيرا، من أن تصل امرأة أو لا تصل إلى رئاسة الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الراسمالية الكبرى، إلا بمقدار ما يخدم مصالح شعوبنا المُخلَّفة والمُفقَرة والمُجوّعة والمقموعة، فإن الحاجة تبدو ملحة إلى  مراجعة شاملة ومعمقة - بمنظور وطني تقدمي - في العلاقة مع الغرب الراسمالي، والحاجة تبدو أكثر إلحاحا إلى إعادة النظر في أطروحات وأدبيات الفكر الاشتراكي، انطلاقا من قراءة نقدية للواقع (بكل معطياته) في دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وارتباطه اقتصاديا وسياسيا - ارتباط تبعية - بمراكز النظام الراسمالي المعولم، وذلك لنجد طريقنا الخاصة للتقدم وتخطيط النمو، اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا.. وفي مجالات الحياة كافة. وتلك هي مهمة الطلائع التقدمية الواعية من الرجال والنساء في بلادنا على حد سواء.

محمد بن زكري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
محمد بن زكري | 09/11/2016 على الساعة 11:40
و تظل أميركا هي أميركا
هيلاري كلنتون ، تمثل (القيم الأميركية) خير تمثيل ، فهي كانت قبل فبراير 2011 تستقبل أولاد معمر القذافي (المعتصم و سيف) بصفتها الرسمية ، و تلتقط معهم الصور التذكارية في مقر وزارة الخارجية الأميركية ، باعتبارهم (العائلة المالكة الليبية) . لكن بالمقابل ، كانت هي من حرض باراك أوباما ، على التدخل العسكري لإزاحة معمر القذافي ، و دك البنية التحتية الليبية (العسكرية و المدنية) بصواريخ كروز . و لو فازت تلك (الأفعى) برئاسة الولايات المتحدة ، ما كانت لتتوانى عن محاولة استكمال مشروع (الشرخ الأوسخ) الكبير ، للاستعمار الجديد . و مع أن الأمر لن يختلف كثيرا مع ترامب ، فالرئيس الأميركي ليس - كما الرؤساء العرب - مطلق الصلاحيات في إدارة شؤون الدولة و اتخاذ القرارات السياسية ذات البعد الستراتيجي ؛ فمن المتوقع أن تكون إدارة ترامب أكثر براغماتية في التعاطي مع (مشاكل) منطقتنا ، لكن لا اطمئنان لابتسامة الديناصور اللاحم ، فأميركا تظل هي أميركا : امبراطورية الشر المطلق . يقول نعوم تشومسكي: " الفرق الوحيد بين الديمقراطيين و الجمهوريين ، هو أن الحزب الديمقراطي يقبل الشاذين جنسيا ، أما الحزب الجمهوري فلا يقبلهم " .
وليد | 07/11/2016 على الساعة 11:19
امريكا
أخي الكاتب كفيت ووفيت كانك تقراء في أفكاري أنا يعجبني في ترام انه واضح و مباشر و صريح علي عكس المنافقه راس الافعي كلينتون مع اعترافي انه في كلا الحالتين لن تكون هناك فائده ترجا في قضيه ليبيا .
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع