مقالات

عبير الورد

ومازال...

أرشيف الكاتب
2016/11/05 على الساعة 11:17

 

رسائل عبير الورد (الرسالة الثالثة عشر)
ومازال...

حاضر أنت فوق مشانق الذاكرة، تملك القدرة على جعل مقصلة التمني تبدو كأنها منصة فسيحة للعتاب، مازالت الأزمنة تحتمل المزيد من احتمالات حضورك، فيغرق صدرها بضجيجٍ يصدح بأسفار البوح نحو عالم سامٍ، خالٍ من الغبار، يتموسق كسيمفونيات تؤرخ لتراتيل ليبية ذبذباتها حنين...

من ذريعة النظر في عينيك استطعتُ حمل الإلهام على البوح لقلبي قصائد ألهمتني اقتراف الشعر، كنتُ أتعثر في غيابك كالعمياء، أرنو لجدارك لأستند عليه بحجة أن الحياة تمضي أيضا بمن هجرونا، كان الأمل، وحفيف اسمك، وهدير صوتك، وفوضى حضورك، وقهوة شفتيك، وأشياء أخرى تمثل فصولاً لربيع يجتاح عمري، يرفعني فوق أعالي شجرة سرو عتيدة، أو صنوبرة مُضمخة برائحة الحنين، أو صفصافة تقاتل ذكورية العالم بالأمومة…

مازلتُ أحبك، أيُّها الوطن، لا أحد يستطيع أن يسلب هذا الحب مني، إنه الرباط الروحي المقدس بيني وبينك، ومثلي الملايين قد شدوا وثاقهم لك، دون أن ينتظروا العبور من أحد…

مازلتُ تلك المراهقة التي ترسلها والدتها لبيت الجيران لتحمل طبق الكسكسي يوم الجمعة لجارتنا الوحيدة التي لم ينقطع يقينها بالله، وبالدم الليبي، مازلتُ تلك الفتاة التي يروق لها أن تتسكع في أروقة بنغازي، لتقرأ ملامح البيوت الصامتة، وتتلقى رسائل الحنين من أعلى باحات المدى، من المآذن، وواجهات المحال، تترجم آمالها ورجاء العناوين في العودة للحياة، مازلت أُطل برأسي من وراء باب بيتنا ـ لأصيح بمحمد الصغير، كي يحضر لي الخبز، وبعض الخضار، مازال هنالك وطن يجمعنا، ومازالت ليبيا تمضي بهؤلاء البسطاء، أتراك هنا بالقرب؟ أريد أن تتسلق معي كتف نجمة، ونلتقط صورة من فضاء العالم، لهذه المدن المغمورة في قاع الحنين…

انظر هنالك، مازال الخبثاء يتعثرون، ومازالوا يسقطون، ومازالوا يفقدون القدرة على التواصل مع ذواتهم، مازالوا لا يجيدون ترتيب جملة مفيدة تجعل  قلوبهم مُخلصة ومُحبة لليبيا، نحن هنا نصنع البياض، ونبعث ضوء الشمس على الطريقة الليبية، نهاتف صديقاً غائبا عنا، أو نرسل معايدة، أو ندعو جاراً لفنجان قهوة، أو نقيم حفلاً بسيطا بمناسبة نجاح طفل، أو نكتب منشوراً فيه مزحة ليبية وآخر دموعنا أن نشتكي الله من هذا الطابور الطويل الذي يعجُّ بأسماء المخادعين، فنرسمهم بفرشاة كما رسمها حسن دهيميش، نعريهم من أقنعتهم الكاذبة، نوثق بالمقابل صوراً تعشق الوطن، ومقالاً ينادي للإنسان، نسقي شجرة سرو، أو نحيد الفأس عن صفصافة تمدُّ عنقها للسماء...

مازالت تربة الوطن تستوعب الياسمين، والجدران الصامتة تستوعب خربشات أقلام التلوين، وأبواب السؤال تحتمل إلحاح الطارقين من أجل سلامة الوطن، مازالت القلوب تخفق بنبضات ليبيا، وتطرق الرأس مفكرة بطريق يحملنا نحو مواكب النور، لا تترك كفي من يدك، فأنا حالمة كبيرة، وأمارس لصوصية الحلم  بدرجة باذخة، أسرق من كنف السماء نجمة، أغمرها في قاع سبخة بنغازية، وأخرجها مغتسلة بماء هذه الأرض، ثم أعلقها على صدر الليل، لأراها تشع من النور، وتكتب فوقها سيمياء السماء أسماء المدن التي تعجُّ بأسئلة الحنين، وتتساءل عن مواعيد ابتساماتها، وعراجين معبأة بحكايا التوق، والشوق...

لا تترك كفي لأنني سأمضي بك، وإن تعثرتُ بالمسير، لكني لا أتخلى عن واو وحيك، وطاء طربك، ونون نسيمك، عليك أن تُنصت لهذه الأصوات الشريفة، وتشاهد الأكف الطاهرة، التي لم تتلطخ بدمك، عليك أن ترى هذه الأرواح الإنسانة التي ترسل الحب، في دعوات السلام، ومصالحات الوطن، لا تحزن إذا فشلت مرة في جمع الوطن، عليك أن تؤمن ما دمنا نؤمن بالله، أن ليبيا من نسل لا ينقطع، ومن حسِّ لا يموت، ومن دقيق معجون بخبز المحبة، ومن حنِّاء محنِّة، ومن نطفة لا تموت، عليك أن تؤمن أن الخير الذي يمتلئ بك، مازال يعيش فيك، ومازال يمكنه أن يفعل الكثير، ويرمم المزيد من الجدران المُتصدعة، ويعالج الشقوق التي اُبتلى بها الوطن، ويمكنه أن يزرع زهرة، أو يرسل لعزة أصيص زهور، أو نبته ظل جميلة، خاصة تلك التي يليق بها أن تُسمى بأسماء الملكات… هل تذكرني حين أضحك وأنا أكتب… وأمنح نباتات ظلي أسماء الملكات...

مازال الوطن في القلب يرسم ليبيا كاسم ضارب في جذر الوجود… لا يموت ولن… ولن...

عبير الورد
ذات ومازال
4/11/2016

- النص على سمراااء
- وعلى موقع متخصص لكتابات عبير الورد والسرد، سمراااء

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
محب الجمال | 07/11/2016 على الساعة 15:39
...وفؤادهن من الصبابة الدامي
استوبلتُ جمال. قصيدتك الرائعة، و اجتويتها رغما عني ، ذلك لما عليها من طلاوة !؟ وان كانت الاخيلة قلقة فما استفزني صوت حمام بل هديل حمام !؟ وإن نصبت له مشانق للذاكرة فمازال للبوح فسحة للعتاب...ولازال !
محمد | 07/11/2016 على الساعة 00:42
رائعة
مازال الشرفاء يعيشون بيننا يرفضون ان تتسول ليبيا حريتها من العالم ....ليبيا ستصنع قدرها بنفسها ولن تحتاج إليهم ابدا
م.ب | 05/11/2016 على الساعة 18:23
ولايزال وطني حاضراً فوق هامة المجد !!!
بعد طول غياب "حاضر أنت فوق مشانق الذاكرة، تملك القدرة على جعل مقصلة التمني تبدو كأنها منصة فسيحة للعتاب،" يبدو ان الشاعر ابن بيئته فمعايشة واقع حال الحرب الأهلية بآلامها وأحزانها انعكست علي شاعرتنا في اختيارها لدقيق كلمات عباراتها( وهل تلام ؟! ) ولتستخدم مفردات الموت ولتفوح رائحة العدم وتتخذ منه سلماً لترتقي قمة معاناة الكلمات في انعكاس مرايا المعاني التي تتبدي بوضوح لا تخطؤه عين !!!؟ ربما اقترح وان جاز لي ذلك ( وهنا أعوّل علي حلمها القيسي وكرمها الحاتمي! )فاقول "حاضر انت في انفاس الذاكرة ، تملك القدرة علي جعل نبضات التمني تبدو كأنها منصة فسيحة لشرايين العتاب" قد يبدو هذا جليا من باب التناص وان لم يسلم ايضاً بميزان اعين التلاص !؟ ، لذلك استدرك مرسلاً لعبير الورد احلي الكلمات بقات زهور تنشر الحب في ربوع ليبيا لتحيلها الي جنان فيحاء ذات عبق لا يضاهي لتحيا بالامل قلوبٌ حزينة وتشفي به أجفانٌ سخينة ، وينعش أكباداً حري قد طال بها الشوق والتوق لرؤيا ليبيا جميلة مزدهرة وضّاءة في اعين ابنائها؛كلهم جميعاً ، و شكراً لشاعرتنا الرائعة !.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع