مقالات

علي المقرحي

عرض لملف العدد التاسع من "عراجين" (3)

أرشيف الكاتب
2016/11/05 على الساعة 11:20

 

(تحديات بناء الدولة مابعد الدكتاتورية ومتطلبات نجاح عملية التحول الديموقراطي)

"الحالة الليبية"

د. مالك أبو شهيوة

يستهل الدكتور مالك أبو شهيوة دراسته بنفي غرابة تأخرنا في ليبيا عن بناء الدولة وتأسيس الديموقراطية، وذلك باعتبار ما ألحقه نظام القذافي من دمار شمل جميع نواحي الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية (القيم والمبادئ والتوجهات السياسية والتقاليد) إضافة إلى ما أعقب الثورة من صراع واحتراب بين القوى السياسية والإجتماعية، فالتاريخ يعلمنا أن بناء الدول والديموقراطية بعد الحروب الأهلية وبعد الثورات صعب، ولذا فإن طريق بناء الدولة في ليبيا سيكون شاقّاً ومعقداً، تقف فيه عديد التحديات، الداخلية والخارجية.

ليناقش بعد ذلك عملية بناء الدولة الليبية المأمولة، وسبل مواجهة التحديات، وشروط نجاح عملية التحول من الديكتاتورية وتعزيز الديموقراطية، حيث يرى أن النجاح في مواجهة هذه التحديات قبل تفاقمها يبعدنا عن (شبح الدولة الفاشلة)... ويقدم الدكتور أبوشهيوة رؤيته تحت جملة من العناوين المفصلة لنقاط موضوعه:

تحديات بناء الدولة

أولاً / عدم وجود نخبة سياسية تحمل رؤية لبناء دولة ما بعد الدكتاتورية

تحتاج تلك العملية إلى نخبة سياسية ذات رؤية واضحة تحدد المبادئ والقواعد العامة للنظام السياسي والعملية السياسية، والقيود على برنامج السياسات العامة، ولكن لم تستطع النخب السياسية في ليبيا الإتفاق على شكل نظام سياسي أو شكل دولة أو إرساء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، أو الإتفاق حول إعادة بناء جيش وطني وأجهزة أمنية وطنية، أو على إيجاد نظام إداري وبناء ديموقراطي يعمل على الحفاظ على القانون والنظام العام في المجتمع والعمل على تحقيق مخرجات الحكومة، أيضاً أخفقت النخبة السياسية على المستوى العملي في أن تجعل من (الهوية الليبية) الدينامية الفاعلة الرئيسية، مما أفضى إلى الإنكفاء إلى هويات وتكوينات ما قبل الدولة ودون المواطنة (الإنتماءات الدينية أو الثقافية أو الأيديولوجية أو القبلية أو الجهوية) فلم تستطع هذه النخبة توظيف وتطوير المشاعر الوطنية التي ظهرت في الفترة الأولى للثورة، إلى هوية جامعة مانعة.

تأسيس الهوية الوطنية الليبية:

وهو (وفق العديد من علماء السياسة) الخطوة الأولى لتأسيس وبناء الدولة، ولا يعني الإجماع الكامل، بل يعني ببساطة أن تبدأ الأغلبية الإشتراك في هوية واحدة.

لم تنجح النخب في تحقيق أي بونامج يلبي متطلبات المواطنين، بل تدهورت الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والأمنية، فيما تواصل الميليشيات والجماعات المسلحة ممارسة طغيانها في تحدٍ للسلطات الإنتقالية العاجزة، وقد تعرضت المؤسسات التنفيذية والتشريعية والخدمية للإقتحام والنهب والإقفال، وتعرض المسئولون فيها للضرب والإهانة والإبتزاز والإذلال، وذلك لا يساهم في بناء الدولة بل ينفيها، فوق ذلك لم تتوخّ قيادات المرحلة الإنتقالية الشفافية الكافية، فلا تتوافر للمواطن المعلومات الكافية بكيفية إدارة المؤسسات، إضافة إلى تداخل الصلاحيات والقصور في تحديد المسئوليات، ورغم الأموال التي تقدر بعشرات المليارات التي صرفت خلال السنوات الخمس الماضية، فشلت النخب والمؤسسات السياسية وقياداتها في وضع سياسات قادرة على تلبية مطالب المواطنين، أو تفعيل الإقتصاد الوطني، أو مواجهة المركزية المقيتة، ومواجهة وإيقاف انتشار وتمرد الميليشيات، مما جعل المواطنين لا يثقون في النخبة والمؤسسات السياسية، ولفقدان الثقة هذا (مثلما يؤكد علماء السياسة) تأثيرات خطيرة على شرعية واستمرار النخبة والدولة وبناء الديموقراطية، ومن الواضح أنه لا يمكن لأي مجتمع تعزيز الديموقراطية مالم يكن متمتعاً بشكل من أشكال الشرعية سواء كانت في شكل قبول سلبي أو إيجابي.

ثانياً / تحدي تجسير الفجوة بين مطالب المواطنين وما يحصلون عليه

ويتعلق الأمر هنا بالمواطن وإدراكه للموقف الإجتماعي الذي يدفعه إلى الإحباط والتمرد، ويعلمنا التاريخ أن الشعوب عامة قد تقبل مستويات عليا من الإضطهاد والظلم والبؤس متوقعة أن ذلك قدر لها، ولكن عندما يتوقع المواطنون حياة أفضل ثم يُحبط توقعهم فمن المحتمل أن يطوروا مشاعر عدوانية، لذا فإن أي تغيير في المجتمع يزيد توقعات الناس بحياة أفضل بدون توفير الآليات والوسائل التي تستجيب لتلك التوقعات، يمكن أن يتسبب في عدم الإستقرار السياسي.

مع سقوط القذافي تصاعد سقف توقعات الناس، وتخلّقت لديهم آمال واسعة في تحقيق المطالب الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، وتصوروا إمكانية تحقيق ذلك ذلك بسرعة باعتبار سقوط وانتهاء النظام الذي تسبب في حرمانهم مما يريدون، كما ساهمت بعض النخب السياسية بعد الثورة في رفع سقف توقعات المواطنين، دون الإنتباه إلى أن عدم تلبية تلك التوقعات في الوقت المناسب يقود إلى إحباط أغلبية المواطنين، مما يرتب مواقف ذات تأثير سلبي في عملية بناء الدولة، فالقرارات التي صدرت عن المؤتمر الوطني العام ومن قبله المجلس الانتقالي، بالمنح والتعويضات المالية لفئات وقوى اجتماعية مختلفة، فوق أنها كانت استنزافاً لثروة البلد، واستمرار ذلك في ظل تهديد سلاح الميليشيات والجماعات المسلحة، شجع تلك الميليشيات على اتباع اسلوب التهديد والإبتزاز والسطو لخدمة مصالحها الخاصة الفئوية والجهوية والقبلية، تجاه الدولة والمواطنين العزل على السواء، وهو ما دعا إلى الإحتجاجات في الشوارع والميادين وفي مواقع الانتاج كحقول النفط ومحطات تكريره والمطارات، وهو ما أدى ويؤدي إلى تعطيل العمل وتخفيض الإنتاج.

وعندما نضع في الاعتبار حاجة السلطةالسياسية إلى حيز زمني للتعامل مع توقعات المواطنين، وذلك لقلة الخبرة، أو فقدان الرؤية السياسية، أو بسبب ثقل تركة النظام الديكتاتوري، فأنماط الفكر الناتجة عن عقود التسييس والتعبئة الفكرية المناوئة لبناء الدولة وللديموقراطية لايمكن الإطاحة بها في وقت قصير، وبالتالي يصبح الوقت هو العامل الحاكم بسبب تعقيدات المرحلة الإنتقالية.

فالذي حدث في ليبيا هو ثورة سياسية إلى حد الآن، وليست إجتماعية ولا ثقافية بعد، فقد تغيرت السلطة الحاكمة فقط، وبذا فبالرغم من أهمية الموارد فإن أهم أسس وعناصر عملية التحول هي النخبة السياسية القادرة على مخاطبة المواطنين وكسب ثقتهم، لضمان الحد الأدنى من الإستقرار السياسي.

ثالثاً / تحدي هيمنة الدولة على وسائل القوة والعنف والإكراه، وبناء الجيش

يُعٓرّف عديد المفكرين الدولة بأنها (الجماعة الإنسانية التي تملك حق استخدام القوة في إقليم محدد، وأن العلاقة بين الدولة والعنف أساسية وجوهرية) فالدولة هي الآلية االأساسية التي من خلالها يُنٓظّمُ ويُيدارُ ويُرـسّخُ الحفاظ على استخدام العنف، وأمن المواطن لا يتعزز إلا عندما تكون الدولة وحدها المسيطر على وسائل القوة والمخولة بتوظيفها في تطبيق إلتزاماتها باحترام حقوق المواطنين، وعندما تكون وسائل العنف تحت سيطرة جماعات أخرى، فإن النتائج لا تأتي لمصلحة أمن الوطن والمواطن، فالسيطرةعلى السائل الشرعية للعنف هي جوهر تحديد (مفهوم الدولة) وللسيطرة على العنف العديد من النتائج:

1- ترسيخ الهيمنة على وسائل الدمار واستخدام القوة.

2- ترسيخ شرعية خضوع وسائل العنف لصناع القرار، وشرعية استخدام القوة وفقاً لقواعد ومبادئ محددة ضد الذين يتحدون شرعية الدولة، التي يرتب فشلها في إحكام سيطرتها على وسائل العنف إنعكاسات خطيرة على الدولة والمجتمع، خاصة في المرحلة الإنتقالية.

3- وقدظهر عدم سيطرة الدولة على وسائل العنف واستخدامه بوضوح منذ البدايات الأولى للثورة بداية من اغتيال اللواء عبدالفتاح يونس وحتى السبت الأسود الذي سقط فيه عدد من الضحايا الأبرياء مع مابين الحدثين من اغتيال السفير الأمريكي واغتيال العديد من الضباط والمثقفين والحقوقيين والنشطاء المدنيين، ومن تفجيرات وخطف وسجون سرية خارج شرعية الدولة، إضافة إلى تحول كثير من أعضاء الميليشيات المسلحة إلى عصابات تمارس السطو والنهب والابتزاز وفرض الإتاوات على المواطنين في معظم أجزاء ليبيا.

4- إلى ذلك غدت ليبيا سوقاً لبيع وتهريب السلاح إلى البلدان المجاورة، مما دعا المسئولين في تلك الدول وكذلك المنظمات الدولية إلى التعبير عن تخوفهم من تحولها إلى مركز لتصدير السلاح والعصابات.

ويتفق عديد من المحللين السياسيين وممارسي العمل السياسي والكثير من ضباط الجيش على أن تردي الحالة الأمنية هذا ناتج عن عدة عوامل:

أولاً - إنتشار السلاح بعد سقوط القذافي، وقيام ميليشيات مسلحة ولجان أمنية متنوعة ومتعددة لقيت مباركة وتشجيعاً من المجلس الوطني الإنتقالي وبعده من المؤتمر الوطني والحكومات في تلك المرحلة إضافة إلى الميليشيات التي تشكلت بعد تحرير طرابلس، والتي لم يكن لها دور في الثورة.

ثانياً - قيام بعض الأطراف الخارجية (عربية وغير عربية) بدعم بعض الميليشيات ودها بالمال والسلاح أثناء الثورة وبعدها.

ثالثاً - ضعف وهشاشة السلطة وعدم قدرتها على إعادة بناء الجيش والأمن الوطني، والسيطرة على الجماعات المسلحة التي لا تحكمها مبادئ ولا قواعد ولا قانون ولا إلتزام، وليست خاضعة لإرادة السلطة الشرعية المنتخبة من الشعب، فهذه الجماعات هي التي تمتلك السلطة الفعلية في ليبيا، بما تمتلكه من ترسانات الأسلحة الخفيفة والثقيلة.

ولم تستطع السلطة السياسية الحد من سلطات ونفوذ هذه الجماعات، وأخفقت في استثمار الفرص التي أتيحت لها في مناسبات عديدة لتحقيق ذلك الهدف، حيث كان يمكن لهذه النخب أن تستثمر تلك الفرص بجدية وشجاعة وبسرعة، وأن تسعى إلى بناء جبهة من القوى المجتمعية صاحبة المصلحة في بناء ليبيا، لمعاضدة هذا البناء وتأييده، ضد هؤلاء الذين يعيقون بناء الدولة وبناء جيش وطني يأخذ في اعتباره العلوم العسكرية الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة، وخصوصية ليبيا وأراضيها وجغرافيتها الواسعة، ومدعماً بعقيدة عسكرية جديدة أساسها حماية الدولة المدنية الديموقراطية، والحفاظ على أرض الوطن الموحد، وأن الولاء للوطن وحده.

ويورد الدكتور أبوشهيوة عن الدكتور يوسف الصواني بضع نقاط تحدد معوقات تعترض بناء الجيش الليبي. 

1- امتناع العديد من العسكريين والضباط الذين لم يعارضوا ثورة فبراير، عن الإلتحاق بالجيش.
2- رفض الكثير من الميليشيات التخلي عن السلاح بذريعة حماية الثورة والحفاظ عليها.
3- معارضة بعض القوى السياسية بناء الجيش وسعيها إلى تشكيل منظمة موازية تضم الميليشيات المسلحة التابعة لها.
4- عدم وجود رؤية متكاملة لبناء الجيش تتفق عليها النخب السياسية.
5- فشل خطط دمج الميليشيات المسلحة في الجيش.

لقد أصبح بناء الجيش قضية للمزايدة بين القوى السياسية المختلفة والنخبة السياسية في مقابل تزايد الميليشيات ذات الأهداف السياسية والأيديولوجية والجهوية، ويسقط العديد من المدن الليبية تحت سيطرة التنظيمات والجماعات الإرهابية. فيما تعارض بعض القوى السياسية إعادة بناء الجيش والأمن الوطني، بالرغم من أن أغلبية المواطنين يعتبرون بناء وتفعيل الجيش.

وقد تأكد من دراسات الحالات المشابهة للحالة الليبية، سهولة سحب السلاح من الميليشيات، فيما لو توفرت إرادة ونية، في فترة محدودة قد لا تزيد عن ستة أشهر، وفي هذا السياق يقترح الدكتور أبوشهيوة:

1- إعادة بناء الجيش الوطني الليبي على أسس المهنية والحِرفية، وبعقيدة عسكرية تكرس الولاء للوطن
2- إعادة بناء قوى الأمن (الشرطة) وفق عقيدة (حماية المواطن وتطبيق القانون)
3- استدعاء وفرز الضباط والجنود الذين انضموا للثورة
4- إصدار قانون يهدف إلى:

ا/ يمنع قيام أي جماعات مسلحة أو امتلاك السلاح خارج إطار الشرعية
 ب/ يحرم حمل السلاح واستخدامه ضد المنشآت العامة أو الخاصة أو ضد المواطنين
 ج/ يُلزم جميع المواطنين والأفراد والجماعات المختلفة تسليم ما بحوزتهم من أسلحة وآليات عسكرية في مدة محدودة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من صدور القانون.

رابعاً / تحدي الدولة الرٓيعية والمجتمع الرٓيعي

تؤكد الدراسات المتخصصة أن أكثر الدول الريعية إعاقة للديموقراطية، هي التي تعتمد على مادة خام واحدة، وأكثرها إعاقة تلك المعتمدة على استخراج النفط، إذ تعيق هذه تطور مجتمع مدني، أي مجتمع  يعيد انتاج ذاته من الأفراد الأحرار القادرين على التعاقد خارج إطار الدولة، وفي علاقة استقلال نسبي معها، يمولها بالضرائب، كما لا يمكن أن يُنتج اقتصاد مقسم بين اقتصاد الريع والقبيلة والريف مجتمعاً مدنياً، بمعنى مجتمع يُنتج اقتصاد الدولة ويدخل معها في علاقة جدلية، مجتمعاً تعاقدياً قوياًمؤلفاً من أفراد في مقابل دولة قوية. وقد شخص الدارسون خصوصيات الدولة الريعية وحددوا علاقتها بالديكتاتورية في:

1- تفرض الدولة الريعية ضرائب مخفضة، في مقابل إنفاق مرتفع، وذلك لرشوة المواطنين والحد من مطالبتهم بالمشاركة السياسية، 2- تعمل على تأسيس أجهزة أمنية مهمتها حماية النظام السياسي، 3- لا تسمح للمواطنين بالتحول إلى قطاعات إقتصادية تمكن من إيجاد قوى إجتماعية مرتبطة بتلك القطاعات غير التقليدية.

وتعتبر ليبيا أبلغ تجسيد للدولة الريعية، إذ يعتمد اقتصادها على النفط، الذي مكن ما يدره من دخل عالٍ النظام الديكتاتوري من الإستمرار لأربعة عقود، جعل المجتمع خلالها يعيش على ما تقدمه إليه الدولة، وقد واصلت النخبة السياسية بعد الثورة اتباع هذا انهج من خلال إدماج الآلاف في الملاك الوظيفي، وتحويل العديدين إلى متلقي هبات ورشوة من الدولة نظير سكوتهم وعدم مطالبتهم بتحولات جذرية في علاقة المواطن بالسلطة، إلى ذلك تتسم الدولة الريعية في ليبيا بجملة من الخصوصيات التي تشكل خطورة، ليس فقط على الأمن الوطني، بل وعلى مستقبل ليبيا بالكامل ودورها الإقليمي والعالمي، أهمها: تكريس (النظام الأبوي)، تضخم الملاك الوظيفي للدولة بما فيه القطاع الإقتصادي، ضعف وهشاشة الطبقة الوسطى، غياب المجتمع المدني، ضعف القطاع الخاص أحد العناصر الأساسية للتنمية، نهاية بتأسيس العقلية والثقافة الريعية التي ترى أن العائد لايعدو أن يكون رزقاً أو هبة أو غنيمة، وليس جزأاً من نظام إنتاجي وما يرتبط به، ويصب ذلك كله في قناة تهديد جهود بناء الدولة وإعادة الإعمار، وتلك تحديات لابد لتتجاوزها ليبيا من العمل للتحول إلى الإقتصاد المتنوع، والنشاطات الإقتصادية مستديمة النمو.

خامساً / تحدي تفعيل المصالحة الوطنية والعدالة الإنتقالية:

المصالحة الوطنية والعدالة الإنتقالية من أهم الآليات لحل الإشكاليات التي تواجه بناء الدولة، وتجاوز حالات الصراع السياسي والإجتماعي المعرقلة لذلك البناء، ولعل نموذج جنوب أفريقيا يقدم عبرة في هذا الشأن، كما أن المصالحة الوطنية خطوة أساسية لبناء وتعزيز الديموقراطية، وبالنظر إلى ممارسات نظام القذافي أثناء الثورة وما حصل في المرحلة الإنتقالية ومانتج عن ذلك من تمزقات في النسيج الإجتماعي ومن تعميق لهوة الكراهية والحقد وعدم التسامح بين العديد من الأفراد والفئات والمناطق والمدن والقبائل، فالمصالحة الوطنية هي الخطوة الأولى للتحول من الدكتاتورية إلى الدولة المدنية الديموقراطية التي تحكمها الموٓاطـنة ويحترم فيها المواطنُ المواطنٓ الآخر بغض النظر عن الإختلافات الإجتماعية أو الإقتصادية أو الثقافية أو الدينية، ويمكن لغياب المصالحة الوطنية أن يكون معوقاً للتحول نو بناء الدولة المرتقبة، وسبباً في حرب أهلية بين الليبيين، وذريعة للتدخل الخارجي.

ولتكتمل المصالحة الوطنية لا بد من العدالة الإنتقالية التي كان من معرقلاتها صدور (قانون العزل السياسي) الذي طال طائفة واسعة من المناصب السياسية والإدارية، وحدد أنواع الإرتباط بالنظام السابق والسلوك بوصف ذلك أساساً لإستبعاد الأفراد من الحياة العامة لمدة عشر سنوات، إن ذلك القانون بالشكل الذي أُقر به وفي سياق العملية الإنتقالية وظل تركة المؤسسات الضعيفة، فإن تنفيذه يزيد من ضُعف تلك المؤسسات.

ينبغي إذن الإسراع في قضية المصالحة الوطنية والعدالة الإنتقالية في هذه الأوقات العصيبة من تاريخ ليبيا، لتفويت الفرصة على من لهم مصلحة في إجهاض الثورة وإعاقة التحول من الدكتاتورية والخروج من تداعيات ما بعد الثورة، وفتح أبواب المشاركة لجميع الليبيين، فليبيا للجميع وتُبْنٓى بالجميع، هذا يستدعي حواراً وطنياً، فلا يمكن لليبيين تحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الإنتقالية وتجنيب ليبيا السقوط في أتون الحرب الأهلية إلّا من خلال حوار مجتمعي.

سادساً / تحدي الثقافة السياسية التقليدية، والخطاب الديني المؤدلج

من البديهي أن البلدان التي تسود فيها الثقافة السياسية (قيم الشعوب والمواقف والمعتقدات) المؤيدة للديموقراطية، يكون تحقق الديموقراطية فيها أقوى احتمالاً، وهناك من يرى العلاقة بين الثقافة والديموقراطية جوهرية، وقد حدد عالم الإجتماع المعروف (الدكتور مصطفى التير) عدداً من الخصوصيات التي ترتبط بمنظومة القيم والمبادئ في المجتمع الليبي، وأهمها:

1- الثقافة البدوية: أو سيطرة ثقافة البداوة على المجتمع، حتى في المدن، حيث الإنتماء القبلي يعلو على ما عداه من الإنتماءات.
2- الشخصنة: بمعنى انعدام الموضوعية، والتحيز للقيم الشخصية والمزاج الفردي.
3- هيمنة خطاب اللون الواحد: بمعنى خطاب لا يحتوي قيم الديموقراطية واحترام الرأي الآخر، وقبول المختلف والإعتراف بتعدد الآراء والأهواء والإتجاهات، وأن للفرد رأيا خاصاً بغض النظر عن السن أو المكانة، خطاب يؤكد على وحدة الصف، ووحدة الأيديولوجيا، والإنصياع للحاكم بصرف النظر عن مشروعه وكفاءة إدارته للشأن العام.
4- أفكار الكهف: والإصرار على المحافظة على أنماط من التفكير أو السلوك، وفي ذلك تكريس لتقليد السلف، وحض على الخضوع والطاعة للسلطة بدون تفكير.
5- الإستهلال: وهو الوصول إلى مختلف الأهداف إبتداءاً من النجاح في الدراسة، إلى الحصول على عمل أو دخل مرتفع، إلى تحقيق أحلام على مستويات مختلفة بدون عمل وجهد، مما أورث عدم احترام العمل والجهد والكفاءة.

إن سيادة هذه الثقافة تكرس وتعمق سلبية المواطن، فثقافة الخضوع والطاعة وعدم المبادرة، والشعور بالدونية، وعدم الإحساس بالمقدرة على المشاركة والتأثير، الثقافة التي ترفع من مكانة الحاكم الذي لا يخطئ، ولا تقبل الآخر المختلف، ولا التسامح مع الآخرين، والتي تكرس الإنتماءات الضيقة القبلية أو الجهوية أو الأيديولوجية، ولا تكرس الإنتماء إلى الهوية الوطنية الجامعة المانعة، تخلق قيماً لن تكون معوقاً في تعزيز الديموقراطية، بل ستكون بداية معوقاً لبناء الدولة، فعندما يتقدم الولاء للقبيلة أو للحزب أو للمدينة على الكفاء، لا يُتوقع أن تُبنى الدولة على أسس حديثة.

الخطاب الديني بعد الثورة والحاجة إلى خطاب جديد:

إن دخول جماعات إسلاموية بمذاهب وأفكار لم تكن معروفة لدى الشعب الليبي (المعروف بإتباعه للمذهب المالكي المتميز بالسماحة والإعتدال، إضافة إلى الأباضية، مما أتاح انسجاماً قل نظيره في العالم الإسلامي) دخول تلك الجماعات أربك المشهد الليبي  وعمق الإنقسام والتشرذم بين أبناء الوطن الواحد، وكان له انعكاسات خطيرة بفتحه الباب أمام توظيف الإسلام لحشد وتعبئة الأنصار لمواجهة الخصوم من ذوي التوجهات المغايرة، بل لقد امتنعت القوى الإسلاموية عن اتخاذ مواقف واضحة ضد العديد من الممارسات مثل الخطف والقتل والإرهاب الذي قامت به بعض الجماعات الإسلاموية في بعض المدن الليبية مثل بنغازي ودرنة، وأدانتها منظمات المجتمع المدني ومعظم القوى الوطنية، إن استغلال الإسلام وتوظيفه لتحقيق المصالح الضيقة، ولتمكين جماعات أو شخصيات معينة من السلطة دون الآخرين وبغض النظر عن مصالح الوطن، أمر لا يساهم في بناء الوحدة الوطنية والهوية الوطنية، ولا يؤسس لبناء الدولة أو تعزيز الديموقراطية، كما أن ما تقوم به بعض تلك الجماعات والقوى الإسلاموية الآن، من فرض رؤاها الخاصة للإسلام، يمكن أن يقود إلى دكتاتورية (ثيوقراطية) أسوأ مما حصل في عديد التجارب في التاريخ الإنساني.

إن ليبيا الآن في حاجة إلى خطاب ديني جديد يركز على سماحة الإسلام وعدالته  وعلى الديموقراطية الممثلة في (الشورى) وعلى أن الإنتماء الوطني لا يتعارض مع الإسلام بل يقويه، خطاب يوحد ولا يفرق.

سابعاً / تحدي تأثيرات التدخل الخارجي

ساهم التدخل الخارجي في إسقاط القذافي، لكنه ليس هو الذي صنع الثورة، التي كانت عملية تراكمية توفرت شروطها قبل التدخل الأجنبي، وقد انسحبت القوات الأجنبية بعد تأكد نجاح الثورة بسقوط القذافي، وتركت الليبيين بعد أن تم تهديم كل مظاهر الدولة، خاصة الجيش  والشرطة، لقد استخدمت القوى الكبرى والدول الصغرى وحتى الدول القزمية القرار 1973 للتدخل في الشأن الليبي وتحقيق النفوذ، وامتنعت الأمم المتحدة والقوى الدولية بجهود إيجابية للمساعدة في إعادة بناء الدولة، وخاصة بناء الجيش الوطني وحل الميلشيات وجمع السلاح، بل عملت بعض تلك الدول على تمكين بعض القوى من السلطة على حساب قوى أخرى، وباختصار لا أحد ينكر ما قامت به الأمم المتحدة والتدخل الدولي والإقليمي في اسقاط القذافي ونظامه، لكن لاينبغي نسيان ماترتب عن ذلك من فوضى نعيشها الآن، ولا يجب أن نفصل ما يجري في العالم من إعادة ترتيب لمواقع النفوذ والمصالح، وخاصة في الوطن العربي، وبذا فعلى الليبيين عدم انتظار هذه الدول لتساعدهم في بناء دولتهم إلا في إطار ذلك، فمسئولية بناء الدولة الليبية رهن بالليبيين وحدهم، ولذا يجب تجاوز الخلافات والصراعات السياسية والأيديولوجية والجهوية، والعمل على الوصول إلى توافق يجمع بينهم.

سبل مواجهة تحديات بناء الدولة:

لمواجهة التحديات المشار إليها، ومنع انهيار عملية التحول، وإبعاد شبح الدولة الفاشلة الذي يحيط بنا ويتهددنا، سبل عديدة أهمها:

1/ وحدة الهدف: يجب أن نعرف بداية أن عناصر الثورة المضادة يعملون لإعاقة المرحلة الإنتقالية وبناء الدولة الجديدة، ومن هنا فعلينا وعلى السلطة السياسية الإنتقالية الإسراع في إنجاز استحقاقات هذه المرحلة، التي تتطلب تعبئة كل الجهود وتوحيد صفوف القوى صاحبة المصلحة في بناء الدولة الوطنية الديموقراطية.

2/ المصالحة الوطنية والعدالة الإنتقالية: الإسراع في قضية المصالخة الوطنية والعدالة الإنتقالية في هذه الظروف العصيبة لتفويت الفرصة على من لهم مصلحة في إجهاض الثورة وإعاقة عملية التحول من الدكتاتورية، والخروج من تداعيات مابعد الثورة.

3/ تعزيز الثقة وتجسير الهوة بين السلطة السياسية والمواطن: لا بد لإنجاح عملية التحول من الدكتاتورية من توافر الثقة وتجسير الفجوة بين السلطة السياسية والمواطن، والوفاء بالوعود في المدى القصير.

4/ الإستمرار في الحوار الوطني: بين كل القوى والكيانات السياسية والإجتماعية المختلفة، فالحوار هو الوسيلة الناجعة لإنجاز عملية التحول، إذ تتعلم هذه القوى التكيف مع مطالب الآخرين وتجنب القطيعة التي تؤدي إلى جمود عملية التحول.

5/ هيمنة الدولة على وسائل القوة والعنف واستخدامها: لأنها المؤسسة المخولة بامتلاك السلاح واستخدامه، فإن الدولة بهيمنتها على السلاح تعزز أمن الوطن والمواطن، أما حين تهيمن أطراف غير الدولة على السلاح، فتجئ النتائج في غير صالح الوطن والمواطن.

6/ بناء جيش وطني: يأخذ في اعتباره العلوم العسكرية الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة، وخصوصية الدولة الليبية وأراضيها وجغرافيتها الواسعة، ويؤسس على عقيدة جديدة أساسها حماية الوطن والمواطن والحفاظ على الوحدة الوطنية، وأن الولاء للوطن وحده، وكذلك بناء مؤسسة الأمن الوطني (الشرطة وفروعها وأجهزتها) لتوفير الأمن والإستقرار.

7/ وجود نخبة سياسية ومجتمع مدني: على أن تكون هذه النخبة قادرة على مخاطبة المواطنين وكسب ثقتهم، وذلك لضمان الإستقرار السياسي، وقادرة على إدارة الأزمات واعية بمشاكلها مدركة لتعقدها ومستوعبة للتحولات العالمية وما يرتبط بها من مصالح مختلفة، فالنخبة عامل جوهري في نجاح عملية التحول إلى ما بعد الدكتاتورية، خاصة في وجود مجتمع مدني قوي يوازن سلطة الدولة ويكون حصناً ضد عودة الدكتاتورية.

شروط نجاح عملية التحول وتعزيز اليموقراطية:

يطرح علماء السياسة منظومة شروط يسمونها (شروط البقاء الديموقراطي) استخلصوها من دراسات مفصلة وعميقة للديموقراطية، معززة بالتجارب الإنسانية على مدى قرنين من الزمن، وتلك الشروط هي:

1- النخبة السياسية المستنيرة والمجتمع المدني القوي.

2- الشرعية: والتي يمكن فهمها بصورة أفضل بالنظر إليها من واقع دلالاتها الجغرافية والدستورية واللسياسية:

ا/ الشرعية الجغرافية: وتعني أن الذين ضمن نطاق الدولة يقبلون حدودها الإقليمية، أو لا يعارضونها إلا عبر الوسائل الدستورية.

ب/ الشرعية الدستورية: وتعني القبول العام للدستور، أي البنية الرسمية للقواعد التي تحدد تنظيم وتوزيع السياسة والتنافس عليها، ويمثل تأسيس القواعد الدستورية أحد أصعب جوانب عملية التأسيس للديموقراطية.

ج/ الشرعية السياسية: وتشير إلى المدى الذي يعتبر المواطنون (وأكثر واقعية الأحزاب السياسية أو المؤسسات الأخرى مثل المؤسسة العسكرية) أن النظام الحاكم له الحق إجرائياً في تولي وممارسة السلطة.

3- الإتفاق العام والتوافق حول قواعد العملية السياسية: لضمان بقاء واستمرار الديموقراطية يتعين أن يكون هناك اتفاق عام على قواعد العملية السياسية، والتزام بالجانب الإجرائي في الديموقراطية وخاصة القبول بنتائج الإنتخابات.

4- القيود على محتوى السياسات العامة الجديدة: يعتمد ترسيخ وتعزيز الديموقراطية على ممارسة الأطراف الفائزة الإعتدال ومراعاة بعض القيود عند وضع السياسات العامة المختلفة.

5- الفقر كمعوق للتحول الديموقراطي: من أهم الأسباب التي تجعل الفقر المدقع عاملاً معرقلاً للترسيخ الديموقراطية، فالصراع على الموارد النادرة والإمتيازات الضخمة التي قد تضمنها السيطرة الكاملة على الدولة في البلدان الفقيرة، يجعل الديموقراطية غير محتملة، حيث أن القابضين على السلطة يترددون في الدخول في تسويات ولا يرغبون في التخلي على السلطة، وبالتالي قد يقومون بتعليق العمليات والمؤسسات الديموقراطية الوليدة لضمان بقاءهم، أكثر من ذلك فإن الفقر يكون مصحوباً عادة بمستويات عالية من الأمية، ومنخفضة من التعليم الرسمي وتخلف وسائل الإتصال.

6- تجاوز الإنقسامات الثقافية والدينية كمعوقات للديموقراطية: من المعروف أن الإختلافات الثقافية والدينية (خاصة إذا تداخلت مع عدم المساواة الإقتصادية بين الجماعات) تجعل من الصعب الشروع في عملية التحول الديموقراطي وترسيخ الديموقراطية، وليس من المستحيل التغلب على هذه الإختلافات من خلال تصميم الترتيبات الدستورية بدقة وحرص، والتوصل إلى مواثيق واتفاقات بين النخب السياسية حتى يمكن الحفاظ على استمرارية النظام الديموقراطي وربط مختلف الجماعات بالبنى المؤسسية للديموقراطية، أما في حال عدم توفر ذلك فيصعب الحفاظ على الديموقراطية وترسيخها.

علي المقرحي

* راجع الحلقات بـ (ارشيف الكاتب)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع