مقالات

شكري السنكي

رحل صاحب الابتسامة... وبقي صدى ذكراه

أرشيف الكاتب
2016/11/04 على الساعة 09:39

رحل عَن دنيانا الفانيّة يوم الجمعة الموافق 28 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2016م المحامي رشيد يُوسف بوليفـة.. وبوفاتـه فقدت بّنْغازي قلباً سكنت بداخله وابناً باراً مِن أبنائها الأنقياء.. وفقـدت ليبَيا رجلاً مِن رجالاتها المخلصيـن الشرفاء، وقلباً يغمره الحبّ ويسكنه الوفاء، ومواطناً اعتز بليبيته وتاريخ بلاده، وقد لعبت عائلته دوراً مشهوداً فِي تاريخ وطنه، حيث وقفت فِي وجه المستعمر الإيطالي ودفعت ثمن موقفها الوطنيّ غالياً، ثمّ ساهمت بفاعلية فِي بناء دولة ليبَيا الحديثة الّتي أعلن عَن استقلالها المَلِك إدْريْس السّنوُسي – طيب الله ثراه – فِي الرَّابع والعشرين مِن ديسمبر/ كانون الأوَّل 1951م.

رَشِيد يُوِسّف بولِيفـة فِـي ذِمَّةِ اللهِ

فَرِح رشيد بثورة السّابع عشر مِن فبراير الّتي أطاحت بنظام معمّر القذّافي وحرّرت البلاد مِن براثن الاستبداد، وشارك فِي الثورة، وكان مِن أوائل المتواجدين فِي ساحة محكمة شمال بّنْغازي الّتي شهدت أول اعتصام للثورة يطالب برحيل معمّر القذافي عَن السّلطة، وكان حاضراً حينما رُفِع علم الاستقلال لأوَّل مرَّة فِي ساحة المحكمة، وذلك يوم الجمعة 18 فبراير/ شباط 2011م، على تمام الساعة السّادسة وعشر دقائق مساءً، وقد سُميّت الساحـة فيما بعْـد بـ(ساحة التَّحريـر). جمع التبرعات، وَشد أزر المقاوم فِي الجبهة، ودافع عَن الحُقُوق، وتابع الأخبار.. نعـم كان كل ذلك، وقلمه كان حاضراً فِي الصحـافة، فعبر عَن آرائه وأفكاره ومواقفه السّياسيّة فِي مقالات نشرها فِي صحيفة (الكلمة) الّتي ترأس إدارة تحريرها القدير محَمّد المزوغي، والّتي كانت منبـراً حرَّاً وصحفيّة حقيقية سعت لنشر الوعي ونشر الحقائق للمواطن الِلّيبيّ. تلك الصحيفة التي انطلقت مِن بّنْغازي بعْد ثورة فبراير، وتربص الظلاميون والسبتمبريون بها، فأرسلوا عدة رسائل تهديد لرئيس تحريرها، ثم خطفوا ابنـه (رضوان محَمّد المزوغي) ظهر يوم الأحـد الموافق 5 يناير/ كانون الثّاني 2014م، فأقفلت (الكلمة)، وأصبـح صاحبها مُطارداً مِن أطراف تسعى على ألا تحقق ثورة فبـراير أهدافها.

توقفت (الكلمة) عَن الصدور، ولكن صوتها سيظل باقياً وسيصدح مجدَّداً حينما يجـد لنفسه الطريق.. ونأى رشيد بنفسه عَن الصّراعات، وكان مِن النخب المرجوة المدخرة لإنقاذ الوطن ورفعته، وقد اتخذ لنفسه ركناً بعيداً يعمل فِي صمت ويتهيأ الوقت المناسب، حينما ارتفع صوت الجهل والعنف وفُتح المجال أمام زارعي الفرقة والخلاف بين أبناء الوطـن، ليرعبوا النَّاس ويرجفوا بينهم، ولكن المرض أقعده ثمّ خطفه الموت، وليبَيا الّتي أسقطت الدّكتاتور وانتعشت سنة بعده، تمر بأسوأ وأصعب مراحل تاريخها، حيث تمزقها الانقسامات والصّراعات، ويتمدد الإرهاب فيها، ويطغى الفساد، وتتفشى الجريمة فِي أرجائها.

كان رشيد محامياً بارعاً مخلصاً لرسالته، وقد تميز بالمعرفة والتواضع وحسن الخلق.. وكان مثالاً وقدوة يحتذى بها، وسيظل نوراً يشع في سماء المحاماة.. وشعاعاً يضيء الطريق أمام جميع العاملين مِن أجل خلاص الوطن ورفعته وتقدمه، بصدقه ووفائه وأمانته ونزاهته واحترامه لنفسه وللآخرين.

رحــل رشيـد وكانت تلك الابتسامة المشرقة المعبرة تعلو محياه.. وكان الأمل يملأ قلبه بأن الأزمـة الِلّيبيّة على وشك الانتهاء، وأن الِلّيبيّين سيعيشون قريباً حياة جديدة آمِنَةً مُطمَئِنَّةً ومُشرقة يملأها التفاؤل، ويكون الإنجاز والرفاهية هما العنوان الرئيسي لها... رحلت يا خالي وفراقـك جـد صعــب، وفقد الأحبة ليل حالك سواده، ولكن الموت حق وهُو الحقيقة الرَّاسخة. ورغم أن الحروف تعجز عَن وصف الفراق كعجزها عَن وصف الحبّ، إلاّ أنها هي سبيلنا الوحيد للتعبير عَن أحزاننا وآمالنا.. عَن الأمس واليوم والغــد. بالحروف، نحاول التعبير عَن ألم فقدانك، وبها نسجل جزءاً مِن تاريخك المشرف.

مِيْلاد رشيد بوليفة وَنشأته ومواقفه

ولد رشيد يُوسف بوليفـة فِي مدينة بّنْغـازي فِي الأوَّل مِن يناير/ كانون الثّاني 1950م، والدته هي المرحومة صـالحـة منصُور البيجّو، ووالده هُو السّيِّد يُوسف بوليفـة (1901م - 1966م) أحـد كبّار موظفي الدولة وقتما تأسست الدولة الِلّيبيّة، فشغل وظائف ومناصب مختلفة فِي الدولة الناشئة، مِن بينها عضو المجلس البلدي لبلدية بّنْغازي وقتما كان السّيِّد يوسُف خليفة لنقي (1883م - 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 1958م) عميداً لبلدية بّنْغازي. أصدر السّيِّد إدْريْس السّنوُسي فِي 16 فبراير/ شبّاط 1950م بصفته أمير برقة مرسوماً أميرياً يقضي بتعيين ثمانيّة عشر شخصاً فِي عضويّة مجلس بلديّة بّنْغازي بناءً على طلب عميد البلدية وموافقة وزير الدّاخليّة، وكان السّيِّد يُوسف بُوليفَة واحداً مِن بين أسماء أعضاء المجلس البلدي. وعمل السّيِّد يُوسف بوليفـة أيْضاً فِي مؤسسة الكهرباء، وقد تمّ انتدابه للعمل بمدينة درنة، والّتي استقر بها حتَّى وفاته المنيّة إثر حادث مروري مروع أثناء عودته مِن مدينة بّنْغـازي إِلى مدينة درنة فِي صيـف 1966م. وجده هُو السّيِّد حسَن مُصْطفى بُوليفَة (1887م - 1931م) الشخصيّة الوطنيّة المعروفة، والّذِي كان مِن كبار أعْيَان مدِينَة بّنْغازي وأكثر تجارها شهرةً وصيتاً، لدرجة أن أهل بّنْغازي لقبوه بـ(الديتا) كناية عَن غناه، والديتا كلمة ليبيّة تَعَنَّي صاحب الثروة أو الغني أيَّ كثير المال. وقد وقف السّيِّد حسَـن بوليفـة فِي وجه الاستعمار الإيطالي وساند حـركة الجهاد بالمال والعتاد اللازمين، فحكمت عليه محاكم المستعمر فِي أوائل العام 1914م بالسجن والنفي إِلى إيطاليا، وذلك بعدما اعتقلته سلطات الاحتلال فِي العام 1912م فِي منطقة الرجمة. قضى فِي معتقل فافنيانا (Favignana)  ثماني سنوات هُو وبعض مِن رفاقه، بينما أُفرج عَن مجموعة أخرى منهم فِي العام 1917م، وقد أُفرج عنـه فِي العام 1922م عقب صدور عفو عامّ عَن المعتقلين، فعاد إِلى أرض الوطن واستمر فِي دوره المناهض لحكم الاحتلال إِلى أن وافته المنية فِي العام 1931م ودُفن بمدينة بّنْغازي.

درس رشيد بوليفـة فِي مدارس بّنْغازي ودرنـة وترعرع فِي ربوع المدينتين، وتحصـل على شهادة الثانويّة العامّة مِن مدرسة (إبراهيم الأسطى عُمر) بمدينة درنة، ونال شهادة الليسانس فِـي الحُقُوق مِن كليـــة الحُقُـوق بجامعة بّنْغازي العام الدراسي 1973/ 1974م.

وقف رشيـد بوليفـة إِلى جانـب شقيقتـه فأعانها على صعوبات الحيَاة، وَفِي تربية أبنائها الأطفال، بعْـد سجن زوجها فِي قضيّة سياسيّة، حيث حاول صهره محَمّد علي الضراط المقدّم بالقوَّات المُسلّحة، ومجموعة مِن ضبّاط الشرطة والجيش وبعض السياسيين والوطنيين الإطاحـة مبكراً بانقلاب الأوَّل مِن سبتمبر الّذِي تزعمه معمّر القذّافي بعْد استيلائه هُو ومجموعة مِن صغار الضبّاط على السّلطة فِي الأوَّل مِن سبتمبر/ أيّلـول 1969م. اكتشف انقلابيو سبتمبر المحاولـة فِي السّابع والعشرين من مايو/ آيّار 1970م، والّتي كان على رأس قيادتها العقيد أحمَد الزبير السّنوُسي وآخرون مِن بينهم: غيث عبدالمجيد سيف النّصر المحافظ والسفير السّابق، عُمر إبراهيم الشّلحي المُستشار السّابق للمَلِك إدْريْس، علي ميلاد القهواجي الرَّائد بالقوَّات المسلّحة، السّاعدي سيف النَّصر النقيب بالقوَّات المسلّحة. أصدرت المحكمة العسكريّة الخاصّة فِي العام 1970م أحكاماً غيابيّة بحقّ المتَّهمين الّذِين كانوا خارج البلاد، وأحكاماً بحقّ المتَّهمين المقبوض عليهم، والّتي تراوحت بين الإعدام والمؤبد والسجن لعشر وخمس سنوات، وأحكاماً بالبراءة على مجموعة أخرى مِن المتّهمين. وقد حكمت المحكمة المُشار إليها على المقدّم محَمّد علي الضراط، بالسجن المؤبَّد، فِي القضيّة الّتي عُرفت باسم (محاولة الأبيار). ويُذكـر أن المقدّم محَمّد علي ظلّ فِي السجن مِن العام 1970م إِلى العام 1988م، حيث تمّ إطلاق سراحه فِي مارس/ آذار 1988م خلال الفترة الّتي عُرِفَتْ بــ(أصْبَحَ الصُّبْح).

كان رشيـد بوليفـة يزور صهره فِي سجنـه بطرابلـس شهرياً –ولعدة سنوات– حينما سمحت سلطات سبتمبر الغاشمة بزيارة المساجين السياسيين، وقبل أن تمنع عنهم الزيارة فِي سنوات لاحقة. وقد كانت زيارة المساجين السياسيين وقتئذ تعرّض صاحبها للتصنيف ووضع العراقيل أمامه، ورُبّما إِلى أبعـد مِن ذلك بمجرَّد تسلم الجهات الأمنيّة أيَّ تقرير ضدَّه.

انخرط فِي سلك المحاماة منذ تخرجـه فِي العام 1974م، وفتح مكتباً خاصّاً –وفِي سنوات لاحقة– شراكة مع رفيقيه وزميليه فِي المهنة، الأستاذين الفاضلين عبدالرَّحمن بوختالة وسَعْد الأشهب. وعمل كمحـامٍ بإدارة قضايا الدولة فِي الفترة الواقعـة مَا بين العام 1975م إِلى 1978م، ثمّ مستشاراً قانونياً لدى بعض الشركــات الوطنـيّـة والأجنبيّة مِن العام 1978م إِلى 1997م. وكان محـامياً أمـام المحكمـة العليـا وجميع المحاكم الِلّيبيّة مِن العام 1991م حتَّى تاريخ وفاتـه فِي شهر أكتوبر/ تشرين الأوَّل مِن العام 2016م.

وبعد انطلاق ثورة 17 فبراير، تفاعل مع الثورة ودعمها بكلِّ مَا أستأمنه الله عنده، وكان مِن رواد (ميدان التّحرير) بساحة محكمة شمال بّنْغازي الّتي احتضت الثورة ودعمتها، وشهدت أوَّل اعتصام للثورة يطالب برحيل معمّر القذافي ونظامه الدكتاتوري. وتقدم لانتخابات المؤتمر الوطنيّ العامّ، السّلطة المخولة بالشأن التشريعي (البرلمان)، والّتي جرت فِي 7 يوليـو/ تموز 2012م وكانت الانتخابات الأولى بعْد ثورة السّابع عشر مِن فبراير، ويُذكر أن ليبَيا شهدت آخر انتخابات برلمانيّة فِي أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1964م وقد توقفت الانتخابات والحيَاة النيابيّة فِي ليبَيا منذ انقلاب مجموعة مِن الضباط بقيادة الملازم معمّر القذّافي على المَلِك إدْريْس السّنوُسي فِي سبتمبر/ أيّلول 1969م. كان رشيد بوليفة مرشحاً عَن بّنْغازي ورقمه الانتخابي (30)، ولكن الحظ لم يحالفه فِي الانتخابات.

وَفِي سياق متصل، كتب رشيد بوليفة مجموعة مِن المقالات فِي الصحافة الِلّيبيّة ونشرها فِي صحيفة: (الكلمـة) الّتي تأسست بعْد الثورة، واستمرت فِي صدورها حتَّى تاريخ اختطاف ابن رئيس تحريرها فِي مطلـع العام 2014م. وَفِي نهايّة العام 2014م، خُطف شقيقـه المُهندس حسَن بُوليفَة الخبير النفطي وعضو مجلس إدارة (شركة الخليج العربي للنفط)، بعدما كان عائداً مِن عمله، وباتجاه منطقة الهواري أقصى جنوب مدينة بّنْغازي، وذلك يوم 7 ديسمبر/ كانون الأوَّل 2014م. وشقيقه الّذِي ما زال مصيره مجهولاً حتَّى الآن، كان مِن كبّار الدّاعمين للثورة والمساندين لها، وقد ترأس لجنة الطوارئ والأزمة بشركة الخليج مِن 20 فبراير/ شباط إِلى 15 مايو/ أيّار 2011م، والّتي قامت بفصل شركة الخليج العاملة فِي مجال البحث والتنقيب عَن النفط الخام والغاز الطبيعي وإنتاجه وتكريره، ومقرها مدينة بّنْغازي، عَن المُؤسسة الوطنيّة للنفط فِي طرابلس لأجل منع النفط عَن مركبات وآليات نظام القذّافي الّتي كانت تقصف فِي الثوار، وقد اتخذ المُهندس حسَن بُوليفَة -وبصفته رئيساً- القرار بمفرده وتحمل المسئوليّة وحده، بعدما تردد الأعضاء فِي اتخاذ القرار وتحمل المسؤوليّة.

رحل رشيد قبل أن يطمئن على مصير شقيقه المخطوف والمغيَّب قسرياً، وقد كان قلقاً ومنزعجاً ومهموماً منذ اختطافه يوم 7 ديسمبر/ كانون الأوَّل 2014م، وأكثر مَا كان يؤلمه عجزه وعجز النشطاء الحقوقيين عَن الكشف عَن مصيره ومصير عصام عبْدالقادر الغرياني الّذِي تمّ اختطافه عقب اقتحام مجموعة مِن الملثمين منزلـه فِي مدينة بّنْغازي يوم 25 يونيه/ حزيران 2014م وأطلقوا وابلاً مِن الرصاص على زوجته سلوى سَعْد بوقعيقيص، حتَّى أردوها قتيلة.. ومصير علي خليفة البركاوي الّذِي تمّ اختطافه يوم ٢٣ ديسمبر/ كانون الأوَّل ٢٠١٤م حينما كان يجمع حاجيات بيته فِي حي الليثى استعداداً للنزوح فِي وطنه ومدينته بّنْغازي.

رحل رشيد وكان يتمنى منا جميعاً ألا ننسى أخوتنا ورفاقنا المخطوفين والمغيبيـن، وألا نتوقف عَـن المطالبـة بعـودتهم وتحـريـرهـم... رحــل رشيــد وما زال مصيــر حسـن وعصــام وعلــي مجهولاً، ولم يناقش البرلمان يوماً قضيتهم وقضايا المختطفين أمثالهم، ويطالب بالإفراج الفوريّ عَن كافةِ المخطوفين، ولم يصدر أيَّ بيان بشأن المذكورين أو يسعى لإطلاق سراحهم أو كشف الغموض عَن مصيرهم!!.

الخَاتِمَة

أصيب رشيد بوليفـة فِي صيـف 2016م فجأة بتدهور حالته الصحيّة واصفر وجهه، وبدأ يشعر بالإرهاق الشديد والتعب الجسدي دون معرفة السبب، فنقله ابنـه يُوسف مِن ليبَيا إِلى تونس فأخبره الدّكاترة هُناك بإصابته بمرض السرطان، فوقع الخبر على ابنه وزوجته كالصاعقة بسبب المرض الّذي تعرض له كبير عائلـتهم فجأة دون سابق إنذار. أصر رشيد على مغادرة تونس فوراً، واستئناف علاجـه فِي المملكة الأردنيّة الهاشميّة أو إسطنبول العاصمة التركيّة، وتمَّ لـه ذلك حيث بدأت رحلة علاجـه فِي أحـد المستشفيات والمراكز الطبيّة المتخصصة فِي علاج السّرطان بإسطنبول. لم يمهله المرض طويلاً، ولم تستمر حياتـه بعْد اكتشاف المرض أكثر مِن ثلاثة أشهر، حيث فارقت روحه الحياه صباح يوم الجمعة الموافق 28 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2016م. وصل جثمانه الطاهر إِلى مطار الأبرق مساء يوم الأحد الموافق 30 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2016م قادماً مِن إسطنبول، ونُقل على الفور إِلى مدينة بّنْغازي مسقط رأسه. وشيَّع جثمانه فِي الليلة نفسها جمع غفير مِن النَّاس يتقدمهم شقيقاه مُصْطفى وحسين، وابناه يوسف وأحمَـد، ودُفن فِي مقبرة بنينا أو (بنينة) شرقي مدينة بّنْغازي، وأُقِيَمّت ليالي العزاء فِي بيت المرحوم بمنطقة الهواري أقصى جنوب مدينة بّنْغازي، وَفِي مدينة طرابلس، وبقاعة (2) فِي المجمع الإسْلامي ومسجد الحامديّة الشاذليّة فِي المهندسين- بجوار سور نادي الزمالك فِي القاهرة، وقـد توافد النَّاس على بيت المرحوم بالهواري وهم مصدومون وقلوبهم يملؤها الألم والأسى لفقدانهم رشيد والكثير مِن الأوفياء الشرفاء أمثاله فِي الآونـة الأخيرة، وفِي هذا الوقت بالذّات الّذِي يمر فيـه الوطن بأشد الأوقات وأخطر المراحل، وتتعرض فيـه بّنْغازي لقتال متواصل دون أيَّ مؤشر على قرب حل الأزمة ووقف نزيف الدماء، وقصف عنيف وعشوائي، وفِي كلِّ مكان.. بّنْغازي الّتي يُعبث بنسيجها الاجتماعي ويُطارد أهلها بالموت والتهجير والإعاقة، والمدينة تتعرض لكافة أشكال الدمار والعبث والتخريب. خيّم الحزن على وجوه أقرباء رشيد بوليفة وأصدقائه وجميع المعزين، وامتلأت عيونهم بالدّموع وقلوبهم بالحسرة والألم.. آملين الفرج القريب والنَّصر لليبَيا وشعبها الّذِي عانى أكثر من غيره، ودفع ثمن لم يدفعه شعب آخر فِي المنطقة.

أخِيْراً، رحمك الله يا خالـي رشيــد يا صاحب الابتسامة والأخلاق والعفويّة، وهنيئاً لك على هذا الكم الهائل مِن محبة النَّاس.. رحمــك الله رحمــة واسعة وجعل الجنة داراً ومستقراً لك.. وحفظ الله ليبَيا وفرَّج كربها، فقد طال عذابها وطالت أحزانها وآن لها أن تستريح مِن عناء مشوار طويل.

شُكْري السنكي

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع