مقالات

شكري السنكي

النخبة.. ماضياً وحاضراً... كشف الحقائق ووضع النقاط على الحروف

أرشيف الكاتب
2016/06/24 على الساعة 04:27

الِلّيبيّون رجال صناديد مغاوير بواسل كرام، جاهدوا فِي الله حق جهاده، وطردوا قوَّات المستعمر الغاشمة وأقاموا دولة عصرية متطورة آمنة كانت مضرب الأمثال.. وهم أصحاب تاريخ فخم عظيم زاخر بجلائل الأعمال، فياض بالعِبر الخالدة. 

حكم ليبَيا بعْد استقلالها المجيد، مَلِك صَالح ليس ككل الملوك.. سياسي حكيم، وَمِن سلالة شريفة، وذو نظرة ثاقبة.. ومتسامح يخاف الله ويتقيه بالسّرِ والعلنِ. وقد تسلم المَلِك إدْريْس السّنوُسي ـ طيب الله ثراه ـ البلاد بلا أموال، والأمية ضاربة الأطناب، والأمراض منتشرة فِي كلِّ مكان، وتكاد تكون بلا بنيّة تحتيّة، بالإضافةِ إِلى أنها قليلة السكّان ومترامية الأطراف، وكانت مصنفة عالمياً ثاني أفقر دولة فِي العالم، حيث كانت إندونيسيا تأتي فِي المرتبة الأولى فِي العام 1952م.  

أكرمنا الله سبحانه وتعالى بمَلِك صالح ووطنيّ غيور، ولكن ابتلينا بنخبة مندفعة ومجحفة، وولاؤها كان لما وراء الحدود!. أبخس أفراد تلك النخبة المَلِك حقَّه وتنكروا لفضله، ضاربين بعرض الحائط الإنجازات الّتي تحققت فِي المجالات كافة، منساقين وراء شعارات خادعة ومظاهر كاذبة، مصدعين رؤوس النّاس بشعارات القوميّة والوحدة العربيّة وتحرير فلسطين، محرِّضين الشّعب على الثورةِ لأنهم يعتبرون الملكيّة نظاماً رجعياَ متخلفاً والجمهوريّات العربيّة الدّكتاتوريّة أنظمة تقدّميّة تحرريّة، وتحقق أهداف الأمّة فِي الوحدة والحريّة والاشتراكيّة!!؟؟. علَّموا النَّاس بأن الملكيّة أسوأ أنظمة الحكم، وأشاعوا بينهم أن نظام الإدْريْس يقوم على رباعيّة: التخلف والتبعيّة والوساطة والمحسوبيّة!!.

كانت ليبَيا فِي عهد الإدْريْس مساندة أساسيّة لحركة تحرير الجزائر، وداعمة للحق الفلسطيني ومساندة  للفلسطينيين، ولكن الإذاعات التحرّيضيّة الدّعائيّة والنخبة المنساقة وراءها غضت الطرف عَن ذلك وسلكت طريق نشر الأكاذيب وبث الأقاويل والادعاءات الباطلة. وفِي عهد الإدْريْس نجحت الخطط الخمسيّة للتنميّة، وازدهرت البلاد، وتحسنت أحوال المواطن المعيشيّة لدرجة اقترابها مِن المستوى المعيشي فِي الدول المتقدمة الغنيّة. أقرت الإحصاءات والتقارير الدّوليّة وَفِي مقدمتها تقرير البنك الدّوليّ بواشنطن دي سي، الصّادر عَن جامعة جون هبكنس (Johns Hopkins University) أن دخل الفرد فِي ليبَيا كان لا يتجاوز ثلاثين دولاراً فِي العَام، وأنه بعْد ظهور النفط وتصديره بسنوات قليلة اقترب معدّله من معدّلِ دخل الفرد فِي الدول المتقدمة الغنيّة، بدرجة جعلت معدّل دخل الفرد فِي ليبَيا يتأخر عَن معدّلِ دخل الفرد فِي الدول الغنيّة سنتين فقط. فقد سخَّر المَلِك إدْريْس السّنوُسي أكثر مِن 70% مِن عائدات البترول لأغراض التنميّة. أُنشأ مجلس الإعمار ووضعت خطة خمسيّة للتنميّة (1963م – 1969م) وفق رؤيّة ليبيّة مبنيّة على الدّراسة والبحث العلمي، وبتعاون وتنسيق مع البنك الدّوليّ. أقرت المُنظمات الدّوليّة بأنّ الخطة الخمسيّة التي نُفِذت فِي ليبَيا تُعد أفضل خطة خمسيّة نُفِذت فِي دول العالم الثالث. وقد تمكنت حكومات العهد الملكي المتعاقبة مِن تحقيق نجاحات باهرة فِي مجال التعليم، لدرجة أن الكثير مِن المهتمين بالشأن الِلّيبيّ اعتبروها المعركة الأنجح. واستطاعت أن تجعل مِن ليبَيا نموذجاً يحتذى به فِي التخطيط والعمران والبنيّة التحتيّة، وتجعل مِن عاصمتها طرابلس أجمل مدينة على حوض البحر المتوسط، حيث سميت فِي منتصف الستينات بـ(عروس البحر الأبيض المتوسط).

ذلك العهد الّذِي اعتبرته النخبة رجعياً ومتخلفاً، كان قد سبق بسياساته وخطواته العمليّة العديد مِن البلدان، حيث صدر فِي 27 أبريل / نيسان 1963م قانون دستوري منح المرأة حقوق المُشاركة فِي جوانب الحيَاة كافة، وعلى رأسها حقها فِي المشاركة السّياسيّة. وهي خطّوة حدثت فِي ليبَيا لأوَّل مرّة فِي تاريخها، ونقلة نوعيّة فِي مجتمع بدوي تقليدي لا يرى للمرأة دوراً غير دورها دّاخل البيت، وخطّوة مُتقدمة سبقت بها ليبَيا معظم البلدان العربيّة والإسْلاميّة. بل هي خطّوة ما زالت تُعد متقدمة إِلى وقتنا الحاضر على بعض بلدان عالمنا العربي والإسْلامي، وقد اتخذها المَلِك إدْريْس ـ رحمه الله ـ منذ أكثر مِن خمسين عاماً. 

وَفِي زمن كبت الحريّات المزعوم كانت ليبَيا بلد القانون ودولة المؤسسات، وكان دستورها يُعد مِن أرقى الدساتير فِي العالم آنذاك، وقد وصفه أحد أعمدة القانون فِي العالم العربيّ، الدّكتور محمود عزمي، بأنّه: «.. فوق المستوى السّياسي لأيَّ قطر عربيّ».

وَفِي ذلك العهد حكمت المحكمة الاتحاديّة العليا لصالح المواطن السّيِّد علي محَمّد الدّيب (رئيس المجلس التشريعي بولايّة طرابلس) ضدَّ الأمر الصّادر عَن المَلِك إدْريْس. نظرت المحكمة العليا فِي الدعوى المقدَّمة إليها، وأصدرت بتاريخ يوم الإثنين الموافق 5 أبريل / نيسان 1954م قرارها المؤيد لموقف السّيِّد علي الديب، وحكمها القاضي ببطلان الأمر الملكي القاضي بحل المجلس التشريعي للولايّة. وما يُضاف أيْضاً، أن المَلِك إدْريْس ـ رحمه الله ـ لم يتجاوز الدستور طيلة سنوات حكمه المباركة، ولم يعطله يوماً واحداً، كذلك لم يعلن الأحكام العرفية مطلقاً حتّى حينما مرَّت البلاد ببعض الاضطرابات والأزمات والظروف السّياسيّة الصعبة.

وفِي زمن قمع الحريّات المزعوم، كانت الصحافة حرَّة، والتسامح أبرز سمات المملكة الِلّيبيّة، وكانت الصّراعات السّياسيّة محصورة فِي دوائر القنوات الشّرعيّة المتاحة، والمتمثلة وقتئذ فِي (برلمان الأمّة والصحافة). وقد كان جيران ليبَيا يغبطونها على نعمة الأمن والاستقرار والعيش الكريم، فِي وقت كان نموذج الزعيم الفرد والتجارب الاشتراكيّة تعصف بحيَاة وخبز أولئك الجيران. وكانت سجون العالم العربي تعج بأصحاب الرَّأي والمُعارضين سياسات حكامهم، وكانت ليبَيا آنذاك تعيش حيَاة آمنة مسالمة، حيث غاب التنكيل والتعذيب والاعتقال خارج القانون.. كمَا كانت حالات الإعدام داخل السجون والمعسكرات، وصور الاغتيالات السّياسيّة فِي الشوارع والأماكن العامّة أمراً مألوفاً فِي بعض البلدان العربيّة، بينما لم تحدث فِي ليبَيا حالة إعدام واحدة بسبب خلاف فِي الرَّأي أو الموقف، وحالة الإعدام الوحيدة الّتي جرى تنفيذها على امتداد سنوات حكم المَلِك إدْريْس بسبب جريمة سياسيّة، هي إعدام: (الشّريف محيي الدّين السّنوُسي) ابن عم المَلِك وابن أخ الملكة فاطمة الشفاء، وذلك بعدما ثبتت إدانته أمام محكمة الجنايات فِي جريمة اغتيال السيّد إبراهيم الشّلحي ناظر الخاصّة الملكيّة، ونُفذ الحكم فِي يوم 6 فبراير/ شبّاط 1956م.  

وهذا لا يعني أن النظام الملكي فِي ليبَيا كان خالياً مِن العيوب أو لم تحدث فيه أيَّ أخطاء أو تجاوزات طيلة سنواته السبعة عشرة، ولكن التجاوزات كانت لا تذكر والعيوب كانت بسيطة والأخطاء كان بالإمكان إصلاحها ومعالجتها، والأهم أن المحاسبة والرقابة الإداريّة كانت متوافرة، والصحافة كانت حرَّة ومؤثرة فِي الوقت نفسه، والقضاء كان مستقلاً وعادلاً ولا أحد يشكك فِي نزاهته، والبرلمان كان محترماً ويملك صلاحيّات كاملة. وفوق كلِّ هذا، وقبل كلِّ شيء، حُقُوق المُواطِن الِلّيبيّ فِي سنوات حُكم المَلِك إدْريْس كانت مُصانَة، وحُريته مُحترمة، وخيرات بِلادِه سُخِرت بِالكامِل لِخِدمته ورفاهِيتِه.

تلك النخبة أو الصوت الأعلى منها، كانت متمادية في أنانيتها، وقاصرة فِي نظرتها، وغارقة فِي صراعاتها، وكان ولاؤها لما وراء الحدود، وهي الّتي زوّرت الحقائق ونشرت الأكاذيب وأجّجت الشارع، فانساق النَّاس وراءها فَرِحِينَ بالقادمين الجدد، ومهللين لمتآمرين وصلوا إِلى سدة الحكم بانقلاب عسكري مشبوه.

وصوت النخبة العالي اليوم يمارس الدور نفسه تقريباً، فهذه النخبة تثير المشاكل وتزيد مِن حدة الصّراع وتأججه، وتقف حجر عثرة أمام تحقيق الوفاق الوطنيّ وإنهاء الفرقة والاقتتال، وتتحرَّك بتمويل خارجي متجهة بنظرها إِلى مواقع السّلطة وخزائن المال.  

ولأن حال النخبة مرتبط بحالنا أو حالنا مرتبط بها، لهذا نرجوها بل ندعوها للتعقل وترجيح مصلحة البلاد وتهدئة الأوضاع وتقريب وجهات النظر، فإذا صلح حال النخبة استقام حالنا وانتقلنا إِلى الوفاق الّذِي سيجلب لنا الأمن والاستقرار والطمأنينة.

نؤكّد مجدَّداً على دعوتنا للنخبة لمراجعة مواقفها والتفكير فِي إيجاد مخرج مِن الأزمة ثمّ إنجاز مشروع وطنيّ  نحن فِي أَمَسِّ الحاجَةِ  إليه، فبلادنا تعاني مِن وجود حلم الوفاق والإصلاح والتغيير، فِي حين يغيب الاشخاص الّذِين يملكون القدرة على تحقيق ذلك !.  

ولا شكّ أن الجزء الأكبر مِن مشكلتنا يتلخص فِي نخبة تتمحور حول ذاتها أو مرتبطة بدوائر خارِجِيّة أو غارقة فِي صراعاتها، أو لا تملك رؤيّة وغير قادرة على تقديم الحلول... فالنخبة الّتي أغرقتنا بالأمس يسعى امتدادها لإغراقنا اليوم!. ولذا ندعوها للتعقل، والتوقف الفوري عَن تأجيج الصّراعات وزعزعة الاستقرار.

لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع