مقالات

جمال صالح الهنيد

مصابنا في ليبيا ومصابنا في رسول الله عليه الصلاة والسلام

أرشيف الكاتب
2016/06/24 على الساعة 02:24

حالنا في ليبيا لا يسر هذه الأيام، حال مؤلم موجع وأمر مهول مفزع؛ استحرّ القتل، واُنتهكت حرمات الأنفس والأعراض والبيوت والأموال، و نزحت العائلات من بيوتها وهجرت مدنها وتشردت في نواحي البلاد، وأصبحت كالأيتام على موائد اللئام، واشرأبت اعناق الفتن ونطق الرويبضة واختلط الحابل بالنابل، وتفطّرت القلوب حزناً على موتاها، وتصدّعت الأفئدة أسىً على فقداها، والتفتت الوجوه الحزينة يمنة ويسرة، تبحث عن سلوى لها في مصابها، وعزاءٍ لها في منابها… فخطر على بالي أن أهدي إلي أصحاب هذه القلوب هذه المقالة لارتباطها بحبيبنا المصطفى الذي هو عزاؤنا و سلوانا في مصائبنا وهو القائل: "من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها من أعظم المصائب".

لو اطلعنا على حياة رسول الله ومماته، (ساقتصر في الحديث هنا عن حياته حرصاً على عدم الإطالة)، لوجدناها خير عزاءٍ لنا في مصائبنا، وأفضل سلوى لنا في نكباتنا. وإذا رأينا حال أفضل خلق الله، وتفكرنا في حياته، وما ألمّ به من مصائب جمة، لهانت علينا مصائبنا كلها. كانت المحن تنزل إليه، والمصائب تتوالى عليه وهو ثابت كالجبل الأشم، راسخ كالطود الأصم.

بُعث نبينا إلي الخلق وحده، والكفر قد ملأ الأرض بأسرها، فحمل أعباء الدعوة وحيداً وهو صابر محتسب. يخرج في المواسم يسأل القبائل الايواء والنصرة، فيُرد مكسور الخاطر، لا مؤيد له ولا ناصر… فلم يتأفف ولم يسخط، بل كان صابراً محتسباً.
يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق، فيُقال عنه ساحر ومجنون وكذّاب أشر… وهو صابر ومحتسب. يذهب إلى الطائف يدعو أهلها إلى عبادة الله وحده، فيرسلون وراءه الصبيان يرجمونه بالحجارة، وبرغم هوانه على الناس، لم يكن مبالياً ولا معترضاً على قضاء الله، ولا متأففاً من حكمه تعالى… "إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي"… قالها وهو صابر محتسب.

يبتليه الله بالجوع حتى يشد الحجرين على بطنه، وخزائن الأرض بيد الكافرين الجاحدين… وهو صابر محتسب. يُشجّ وجهه الكريم، وتُكسر رباعيته، ويُقتل أصحابه، ويمثّل بجسد عمه وأسد دينه حمزة رضى الله عنه، فيجذع أنفه، وتشق بطنه، وتلاك كبده، ولا يجد لحمزة باكياً… وهو صابر محتسب. يُكرم الناس، فيُردّ له الإكرام بدس السم له… وهو صابر محتسب. يُقسِّم الغنائم، ويعطى عطاء من لا يخشى الفقر، فيُقال له: "ما عدلت"… وهو صابر محتسب. يعود من غزوة بدر فرحاً بانتصار المسلمين، فيأتيه الناعي قبل دخوله المدينة ينعيه أن ابنته رقية قد ماتت، وسوى التراب على قبرها… وهو صابر محتسب. وتظل ابنته زينب تعانى آلآم المرض بعد اجهاض حملها، ثم تلحق بأختها رقية عليهما السلام… وهو صابر محتسب.

ولم تكد نفسه الكريمة تهدأ من مصابها في زينب، حتى تُفجع من جديد في أم كلثوم، فينال الأسى من قلبه الشفيق الرؤوم ما ينال… وهو راض صابر محتسب. يرزقه الله بإبراهيم، فيفرح فرحاً شديداً يضئ النور في مهجته، و يفعم البهجة في فؤاده، وبعد عام وبضعة شهور يمرض إبراهيم ويشتد المرض به فيجود بنفسه وتُسلب روحه وهو بين ذراعي أبيه، فتذرف عينا الأب حزناً ويتفطر فؤاده أسىً ولا يقول إلاّ ما يرضي الله: "إنا لله وإنا إليه راجعون"… وبموت إبراهيم لم يبق له من ولده إلاّ فاطمة فيُخبر وهو على فراش الموت بموتها… وهو صابر محتسب. تحاك حادثة الأفك لزوجه الشريفة العفيفة، وتلاك الألسن الكذب عليها، وتنتشر الإشاعة في مجتمع يزن الشرف بميزان الحياة والموت... وهو صابر محتسب.

هذا هو نبينا الذي لم يقدر على صبره نبى قبله. هذا آدم عليه السلام، تُوهب له الجنة كلها سوى شجرة واحدة فيأكل منها، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول في مباح الدنيا: "مالي وللدنيا". وهذا نوح عليه السلام يصيح مما لاقى من كمد ووجْد: "ربي لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا"، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم اهد قومي فهم لا يعلمون". وهذا سليمان عليه السلام يقول: "هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي"، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول :"اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" صلى الله عليه وسلم. وهذا عيسى عليه السلام يقول لله: "إن صرفت الموت عن أحد فاصرفه عني"، ونبينا صلى الله عليه وسلم يخيّر بين البقاء والرحيل، فيختار الرفيق الأعلى.

لقد عرف نبينا صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ملكٌ حكيمٌ؛؟ملك يفعل في عبيده ما يشاء، وحكيم لا يفعل شيئاً عبثاً، فصار هواه لما يقضي الله، وذلك تمام المعرفة بالله وكمال الإيمان بالقدر؛ خيره وشرّه. فحري بنا أن نتأسى برسول الله عليه الصلاة والسلام في صبره على المصائب ونحتسب الأجر عند الله على ما يلم بنا من آلآم و أحزان.

* (جمعت المقال من كتابي: الرحيق المختوم للمباركفوري وصيد الخاطر لابن الجوزي).

لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع