مقالات

د. ناصر الجهاني

حكومة الوفاق الليبي والاعتراف الدولي

أرشيف الكاتب
2016/06/23 على الساعة 13:51

لقد أثارت من جهة الزيارات التي قام بها سفراء  ووزراء خارجية لعدد من الدول الأوربية للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق برئاسة السيد فائز السراج غضب الكثير من الليبيين من بينهما أعضاء من مجلس النواب المعارضين لذلك المجلس الرئاسي. من جهة أخرى، اشتدت وتيرة ذلك الغضب عندما قام وزراء من حكومة الوفاق الوطني بزيارات رسمية لعدة دول وتم استقبالهم  بالفعل من قبل حكومات تلك الدول  بالاضافة الى دعوة بعضهم لحضور مؤتمرات دولية واقليمية وخير مثال على ذلك دعوة وزير الداخلية بحكومة الوفاق الدكتور العارف الخوجة لإجتماع وزراء داخلية الدول المغاربية الذي تم عقده في تونس وكذلك تمثيل الدكتور محمد سيالة وزير الخارجية بحكومة الوفاق لليبيا في اجتماع وزراء الخارجية العرب. تلك الاعتراضات قد ُبنيت على اساس ان تلك الزيارات والدعوات تمثل نوع من الاعتراف الدولي لذلك المجلس وحكومته في حين ان الأخيرة  تعتبرغير شرعية كونها لم تنل بعد ثقة مجلس النواب. هذا الغضب يذّكرنا ايضا بالغضب الذي أبداه النظام السابق عقب الاعترافات التي نالها المجلس الوطني الأنتقالي ومجلسه التنفيذي الذي اتى للسلطة عن طريق الثورة الشعبية وليس بشكل دستوري او وفق التدوال السلمي للسلطة.   
في الحقيقة، ان بحث هذه المسألة يجب ان يبدأ من خلال سؤال مهم وهو ما إذا كان الاعتراف الدولي بحكومة في دولة ما يتطلب ان تأتي تلك الحكومة للسلطة وفق الإطار الدستوري المرسوم في تلك الدولة ام أن الاعتراف هو مسألة سياسية بالدرجة الاولى تخضع لاعتبارات معينة ومن ثم فان الإطار الدستوري في اي دولة يعتبر غير ذات اهمية.
لا خلاف في أن الحكومة التي تتولى السلطة عبر عملية دستورية سليمة هي مؤهلة لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات بموجب قواعد القانون الدولي. فمسألة الاعتراف لمثل هذه الحكومة من قبل الدول الاخرى لن يثير اي اشكالية. على العكس من ذلك، الشكوك قد تُثار في حالة الحكومات التي تأتي الى السلطة بغير طريق دستوري مثل الثورات والانقلابات او التدوال السلمي الناقص للسلطة مثل حكومة الوفاق في ليبيا. في هذه الحالة  ومن خلال المنهج الاستقرائي لممارسات الدول، يتبين لنا ان هناك بعض المعايير إذا توافر إحداها فانه يمكن لهذه الحكومات غير الدستورية ان تنال الاعتراف من قبل الدول الاخرى.
المعيار الاول وهو ما إذا كانت الحكومة غير الدستورية لديها تحكم او سيطرة فعلية (effective control) على مواطنيها او اقليم الدولة. على سبيل المثال، قام الرئيس الباكستاني برويز مشرف (Pervez Musharraf) الاطاحة بالرئيس المنتخب نواز شريف (Nawaz Sharif)  في عام 1999 عن طريق انقلاب عسكري. على الرغم من ان العديد من الدول قد شجبت واستنكرت هذا الانقلاب الذي قوض قاعدة الديمقراطية في البلاد إلا ان التحكم الفعال والسيطرة من قبل حكومة الرئيس  مشرف على اقليم الدولة وشعبها دفع الكثير من الدول الاعتراف بتلك الحكومة غير الدستورية عن طريق الدخول معها في علاقات دبلوماسية. مع ذلك، أن الاعتبارات السياسية والمصالح قد تجعل من هذا المعيار عرضة للازدواجية في التطبيق. الدليل على ذلك أن الجماعة الدولية من خلال مجلس الامن الدولي ومنظمة الدول الامريكية قد فرضت عقوبات اقتصادية وكذلك تدابير قمعية  على حكومة رئيس دولة هايتي جونتا (Junta) التي اطاحت بالرئيس المنتخب اريستيدي (Aristide)، انتهت بإسقاط حكومة الرئيس جونتا غير الدستورية عن طريق التدخل العسكري.  على الرغم من التحكم والسيطرة الفعلية التي مارستها حكومة جونتا على اقليم الدولة الا ان الجماعة الدولية لم تعترف بتلك الجكومة وقد عملت على إخراجها وإعادة حكومة اريستيدي الى السلطة. المعيار الثاني للاعتراف الدولي والاكثر جدلا هو معيار الديمقراطية واحترام حقوق الانسان. أن التعهد بإحترام قاعدة القانون والديمقراطية والمواثيق الدولية لحقوق الانسان من قبل جكومات تولت السلطة بطريق غير دستوري كان سببا في حصول تلك الحكومات على الاعتراف الدولي خاصة اذا كانت الدولة خاضعة لنظام دكتاتوري. في حقيقة الامر، هذا المعيار يبدو في ظاهره معيار مثالي لكن في باطنه تكمن الاعتبارات والمصالح السياسية والتي تجعل منه أداة من ادوات اسقاط انظمة وتأسيس انظمة أخرى.  أن تعهد المجلس الوطنى الانتقالي في ليبيا عام 2011 (الذي اتى للسلطة بطريق غير دستوري) بتأسيس دولة القانون والديمقراطية واحترام حقوق الانسان قد دفع الكثير من الدول الاعتراف به واعتباره الممثل الشرعي للشعب الليبي لاسيما في ظل دكتاتورية واستبدادية نظام معمر القذاقي. وبشيء من الموضوعية، أن انتهاكات حقوق الانسان التي ارتكبها النظام السابق لمعمر القذافي تقوم حكومات عديدة بارتكاب ابشع منها مثل ما يحدث من حكومات ايران والصين وكوريا الشمالية ولا يجب ان ننسى ايضا الانتهاكات الجسيمة الحالية  لحقوق الانسان في ليبيا من قتل وتعذيب وإخفاء قسري تقوم به مليشيات مسلحة لا شرعيه لها. على الرغم من ذلك الانتهاكات إلا اننا لم نسمع بأي اصوات دولية تنادي بضرورة استبدال تلك الحكومات بحكومات اخرى تحترم حقوق الانسان. اخيراً، أن الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني في ليبيا من قبل الجماعة الدولية هو بمثابة تكريس معيار جديد للاعتراف  والذي يوحي ظاهره أن وجود حالة من الانقسام والتشظي والانفلات الامني داخل الدولة الليبية قد دفع الدول الاخرى الى الاعتراف بتلك الحكومة – دون إنتظار لنيل الثقة من مجلس النواب - التي اخذت عهد على نفسها بإنهاء تلك الحالة من الانقسام.
كل ما اريد قوله، أن على أعضاء مجلس النواب المعارضين للاعترافات التي تحصل عليها المجلس الرئاسي وحكومته المفوضة ان يدركوا أن نيل الثقة تحت قبة البرلمان والمسار الدستوري بصفة عامة هو غير ذات اهمية في إطار مسألة الاعتراف الدولي. هذا المفهوم الاخير يخضع لمعايير مؤسسة على الممارسات الدولية والتي هي في حقيقة الأمر مغلفة بمعايير الديمقراطية واحترام الالتزمات الدولية وحقوق الانسان ولكن في جوفها الكثير من الاعتبارات السياسية والنوايا غير المعروفة.
دكتور ناصر الجهاني
باحث في القانون الدولي والدستوري
 

لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع