مقالات

آدم عوض محمد تربح

برامج نزع السلاح وتسريح وإعادة ادماج المقاتلين السابقين، في دول ما بعد النزاعات المسلحة

أرشيف الكاتب
2016/06/23 على الساعة 13:46

في تقديري الشخصي، ربما كان أحد اكبر الأخطاء التي وقعت فيها السلطات المتعاقبة في ليبيا بعد ثورة السابع عشر من فبراير 2011، هو دفع منح ورواتب للمقاتلين المسلحين "الثوار" فاقت في قيمتها ما يتقاضاه رجال الشرطة والجنود النظاميين للدولة، ومن دون حتى خطة مقابلة تهدف الى جمع أسلحتهم وتسريحهم وإعادة دمجهم في مجتمعاتهم ومحيطهم.
يذكر أن نظام القذافي وأجهزته الامنية احتكرت امتلاك وحيازة السلاح طوال السنوات ال 42 لحكمة، وبالتالي فالشعب الليبي يفتقر لثقافة اقتناء السلاح في المقام الاول. ناهيك عن أن انتشار السلاح يعتبر من اكبر الأزمات والتحديات التي تواجه الحكومات والدول في مجتمعات وبلدان ما بعد النزاعات المسلحة والثورات بشكل عام. وغني عن البيان كذلك أن انتشار السلاح في ليبيا تحديدا يلعب بالإضافة الى تفشي ظاهرة المجموعات المسلحة دوراً من شأنه تقويض استقرارها وربما تهديد حتى وجودها نفسه. كما أنه ينذر باستعار حرب أهلية شاملة، وإحالة ليبيا - لا سمح الله - الى دولة فاشلة. فمن المعروف أنه يمكن للمحاربين والمقاتلين السابقين أن يصبحوا مصدراً رئيسيا لزعزعة الاستقرار في دول ما بعد الحروب، كما يمكن أن يزيدوا من خطر استئناف الاعمال العدائية في أي وقت ومن دون سابق انذار.
ولفهم اسباب ذلك ومحاولة الوقوف على دوافعه يمكننا طرح التساؤل: لماذا يجد المقاتلون السابقون صعوبة في اعادة الاندماج في الحياة المدنية؟
وهنا يمكننا القول بأن هناك اسباب عديدة محتملة لاستياء وإحباط المقاتلين السابقين. يأتي في مقدمتها السبب الاقتصادي، إذ يواجه المقاتلون السابقون صعوبات ناجمة عن فقدان النشاطات المدرة للدخل بعد حل المجموعات المسلحة. كذلك يجعل الافتقار الى التعليم والخبرة والمؤهلات للوظائف المدنية، المقاتلين السابقين يواجهون مشاكل كبيرة في العثور على عمل بديل. لاسيما منهم الذين انضموا أو أجبروا على الانضمام إلى القوة المسلحة في سن مبكرة، وبالتالي فمن غير المحتمل أن يكونوا قد تلقوا أي نوع من التعليم والتدريب والخبرات عدا تلك المتعلقة بالمهارات العسكرية. كما قد يرجع الاستياء والإحباط الى أسباب عديدة أخرى، مثل الرغبة في تحقيق العدالة والحصول على التعويض. فقد يعتقد المقاتلون السابقون بضرورة الاعتراف بمساهماتهم في حروب أو ثورات معينة بشكل رسمي، كما قد يروا ضرورة حصولهم على مكافآت مالية بشأنها.
ومن هنا فإن اطلاق عمليات وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة ادماج المقاتلين المسلحين سواء من القوات المسلحة الحكومية او المجموعات والقوات المسلحة غير الحكومية يمكن أن يساعد في ايجاد جو من الثقة والأمن الضروريين لبدء انشطة العودة للحياة الطبيعية، والتي عادةً ما تتم الموافقة على تنفيذها بين الاطراف المتصارعة خلال فترات وقف اطلاق النار، أو في نهاية العمليات المسلحة أو خلال عملية سلام شاملة. الأمر الذي يوفر إطار عمل سياسي وعملي وملزم قانوناً. غير أنه وفي العديد من حالات ما بعد الصراع، لم تكن الاطراف المتنازعة التي اتفقت على وقف اطلاق النار أو وقعت اتفاقية سلام تثق ببعضها وليس لديها القدرة على تصميم أو تخطيط او تطبيق برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الادماج. الامر الذي يستوجب، عادةً، الطلب من طرف ثالث كمنظمة الأمم المتحدة توفير المساعدة في تخطيط وتطبيق مثل هذه البرامج.
وتكاد تشارك جهات فاعلة خارجية، بدور داعم أو قيادي، في كل برنامج نزع سلاح وتسريح وإعادة ادماج، والسؤال الذي يفرض نفسه هاهنا: هل تدخل طرف وسيط ثالث مفيد أم لا؟
وفي هذا المنحى، يوجد جدل كبير حول تأثير تدخل طرف ثالث في حالات ما بعد الحروب. فبينما يرى البعض أن تدخل طرف ثالث ُيعد عاملاً حاسماً في نجاح الالتزامات وجعلها ذات مصداقية، يتعامل البعض الآخر مع تدخل طرف ثالث بحيطة وحذر. ويدفع انصار التوجه الاول بأن وجود طرف ثالث قوي يمكن أن يساعد الأطراف المتنازعة في رصد ومراقبة الامتثال، وحتى انفاذه في بعض الحالات. وهنا تجدر الاشارة الى أهمية الملكية الوطنية لبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الادماج، ذلك أن الشعور بالملكية في مثل هذه العمليات يمكن أن يمنع المقاتلين السابقين من التحول الى مخربين لعملية السلام. وفي حين أن الملكية الوطنية أمر مرغوب فيه، إلا أنه لا ينبغي الدفع بها وتعزيزها إلا إذا كانت القدرات الوطنية قوية بما فيه الكفاية. ذلك أن تأخير تنفيذ مثل هذه البرامج وسوء ادارتها قد يؤدي إلى الإحباط الشديد ويعرض التزام الاطراف المشاركة فيها للخطر.
نقطة اخرى جوهرية ومحل جدل ونقاش وتنقسم حولها الاراء، هي مسألة ما إذا كان يجب انتهاء الصراع فعليا قبل اطلاق برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الادماج، أم إذا كان في الامكان اطلاق البرنامج والصراع المسلح لا يزال دائراً! ففي حين يرى البعض أن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الادماج يمكن أن تبدأ  قبل أن تضع الحرب اوزارها. ويضرب هؤلاء مثلا ببرنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الادماج في الكونغو برازافيل في عام 2005، الذي بدأ بينما كانت الحرب لا تزال مستعرة، وساعد على بناء الثقة في عملية السلام. ُيصّر البعض الآخر على اعتبار السلام شرطاً مسبقاً لا غنى عنه لنجاحها. ويشير هؤلاء الى فشل البرامج التي اطلقت خلال الحرب في أنغولا وسيراليون. غير أنه يوجد شبه اتفاق عام على أن اطلاق برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الادماج بعد توقف القتال يزيد من فرص نجاحها، وذلك على اعتبار أن هذه البرامج هي اكثر ملائمة لتكون اداة لتحقيق وتثبيت السلام، عنها كوسيلة لإنهاء الحرب.
وقد ظهرت البرامج الدولية الرسمية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الادماج في أواخر الثمانينيات 1980 وأوائل التسعينيات 1990، واتسع نطاقها وحجمها تماشيا مع المشاركة المتزايدة للمجتمع الدولي في عمليات بناء السلام. حيث أجرى فريق مراقبي الأمم المتحدة في أمريكا الوسطى في عام 1989، برنامج نزع سلاح وتسريح طوعي في نيكاراغوا. كما تم في نفس العام تسريح 30,000 مقاتل من قوات جنوب افريقيا، وفي ناميبيا تم تسريح 13,000 مقاتل من جيش التحرير الشعبى لناميبيا. وتبعت كمبوديا هذه الجهود في عام 1992 من خلال تطبيقها برنامجاً للتسريح ُعرف باسم (السلطة الانتقالية للأمم المتحدة في كمبوديا).
وعادة ما تكون عملية نزع السلاح الخطوة الأولى وتتألف من تجميع المقاتلين، وجمع وتوثيق الأسلحة، والتسجيل والتحقق من المقاتلين منزوعي السلاح من أجل تقييم أهليتهم للحصول على مزيد من المساعدات والفوائد. وفي كثير من الاحيان، يتم حرق الأسلحة التي تم جمعها بشكل علني في خطوة رمزية كشهادة على انتهاء الحرب وتدمير أدواتها القاتلة. وبشكل عام، قليلة هي برامج نزع السلاح ذات الطابع القسري السافر، والتي تعمل تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. فمعظمها يعتمد على توافق الآراء أو الإقناع. ففي عدد من بعثات الأمم المتحدة تم اقناع المقاتلين بنزع السلاح من خلال مقايضة الاسلحة بالسلع، مثال ذلك كان برامج (الأسلحة مقابل النقد) الذي استخدم في السلفادور وهايتي وليبيريا وموزامبيق ونيكاراغوا والصومال. إلا أن مقايضة الاسلحة بالنقد اثار مخاوفً ولاقى انتقاداً كبيراً، وذلك لاحتمال استخدام النقد للحصول على المزيد من الأسلحة الحديثة. وقد تم أخذ هذه المخاوف بعين الاعتبار بشكل جزئي في برامج لاحقة تم فيها مقايضة الاسلحة بسندات قبض (كمبيالات).
وتبدأ عملية التسريح عادةً بافتتاح مراكز استقبال في معسكرات أو مواقع تسريح أو مخيمات، ُيجمع فيها المقاتلين. ويتم فيها فصل المقاتلين عن قادتهم، ونقلهم في نهاية المطاف إلى بلداتهم أو مساكنهم الجديدة. وفي بعض الأحيان، يعفى بعض المقاتلين من هذا الاجراء ويتم ادماجهم في القوات المسلحة النظامية من أجل الحفاظ على هياكل عسكرية فاعلة. فعلى سبيل المثال، تم في ساحل العاج دمج ما يقارب من نصف ال 10,000 مقاتل المستهدفين بالتسريح في الجيش، بينما خضع البقية للتسريح.
ويمكن الجزم بأن المرحلة الأكثر تعقيدا تبدأ عندما يصل المقاتلون السابقون الى بيوتهم ويتعين عليهم التأقلم مع الحياة المدنية. ففي الوقت الذي يتم فيه استقبال بعض المقاتلين باحترام وكأبطال، يتم النظر للبعض الآخر بريبة ورفض من قبل مجتمعاتهم. ويتمثل الهدف الرئيسي من هذه المرحلة في احتواء المقاتلين السابقين في سوق العمل، بحيث يتمكنوا من ممارسة أنشطة مدرة للدخل. وقد تشمل تدابير إعادة الإدماج أشكالاً مختلفة من الدعم، التي يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات: تقديــــم المساعـــدة الاقتصاديــة ؛ والتعليـم؛ والدعم النفسي والاجتماعي.
وفي المجمل فإن تهديد المقاتلين السابقين لعملية السلام يكمن في مستوى تنظيمهم العالي، وإلمامهم بتقنيات الحرب والأسلحة، واستعدادهم لاستخدام العنف، وتعودهم على حل مشاكلهم من خلاله، وبالتالي فمن المهم طمأنتهم بأنه سيتم اعادة ادماجهم وليس معاقبتهم. ومن الضروري أن تدعم برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج عملية تحويل المقاتلين إلى مواطنين منتجين، ويجب كذلك أن تكون مرنة وأن يتم تكييفها لتلاءم الدولة أو الإقليم الذي تطبق فيه، فليس من الضروري تطبيق جميع جوانب البرنامج في بعض الحالات، وقد لا يتم تنفيذها بنفس الترتيب في كل عملية وحالة. كما يجب أن تكون هذه العمليات جيدة التخطيط بحيث تضمن أن تكون برامج التدريب وإعادة الإدماج الاقتصادي متلائمة مع احتياجات الناس على أرض الواقع، وأن يكون التدريب على مهارات هي ذات صلة بالأسواق المحلية. ولضمان أن يكون الهدف النهائي لبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج هو منع عودة   النزاع وجعل السلام غير قابل للنقض، فإن على هذه البرامج أن تشجع الاطمئنان والثقة وأن تتعامل مع جذور مشكلة النزاع.
في الختام، فإن ادبيات برامج وعمليات نزع السلاح وتسريح المقاتلين السابقين وإعادة دمجهم في مجتمعاتهم المدنية متوفرة، وتجارب الشعوب والدول في هذا الصدد عديدة ويمكن الاقتداء والاسترشاد بها في محاولة تدارك الموقف المتأزم في ليبيا وترميم ما يمكن ترميمه من اجل تحقيق الاستقرار الاولى ومن ثَم توطيد أركان السلام والمضي قدما نحو إنعاش ليبيا وتحقيق الاستقرار فيها وتنميتها تنمية مستدامة.
والله من وراء القصد
آدم عوض محمد تربح
دبلوماسي بوزارة الخارجية والتعاون الدولي - ليبيا

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع