مقالات

البانوسي بن عثمان

قراءة سسيولوجية لوظيفة السنوسي وتبعاتها المُجّحفة عليه

أرشيف الكاتب
2016/06/23 على الساعة 13:36

لا يجب تحّميل الرجل اكثر مما يجب، ففى ذلك مجانبة للصواب، واستخفاف بالعقول، وبُعد عن العدالة المتوخاة. فهو ليس كصلاح نصر في زمن عبد الناصر، ولم يكن  كالبصرى في مملكة الحسن الثاني. فهؤلاء رجال كانوا من ضمن كوادر دول تُدِيرُها مؤسسات ذات كيان تنظيمي محكم، ويُشكل مجمل هذه المؤسسات المتساندة في نهاية المطاف ما يسمى بالدولة، دولة عبد الناصر في مصر الخمسينات او مملكة الحسن الثاني في المغرب الشقيق. وبقول اخر، ان هذه المؤسسات لها كوادرها البشرية، وجهازها اللوجستي  وتصوراتها وخِططها، وخبرائها ومستشاريها، وجهازها التنفيذي وملاحِقه، وما الى ذلك. وبهذا تتولى تلك المؤسسات كل المهام التى تسند اليها، وتتحمل تبعات ما تقوم به، وبصيغة اخرى، ستقوم هذه المؤسسات بدراسة كل المهام التى تكلف بها، عن طريق مُديريها وخُبرائها ومُستشاريها، وبهم تضع التصورات والخطط التنفيذية، التى بها تتعين تلك المهام على ارض الواقع في عمل ملموس، تتحمل تبعات نتائجه سلبا وايجابا تلك المؤسسة، ويكون لمديرها الحصة الاوفر فى ذلك. اما ليبيا سبعينات القرن الفائت، فقد اٌريد لها، وجه اخر من الادارة، تُسيّر بها شئونها، اٌستدعيت آلياته من الماضي، وتحديدا من مٌخلفات ما قبل الدولة. وان شئتم، من المفردات التى تتشكل منها آلياته تلك الادارة العتيدة، خيمة يتوسطها شيخ القبيلة محاط بٍذويه واتباعه وحلٍيفه القًبَلي، وكل ما يتطلب هذا، من ملحقات تكتمل بها الصورة.
هذه التوّليفة الرجعية - في تقديري - هى من اتت (بالرجل) الى الموقع الذى احتله في المشهد الليبي على امتداد اربعة عقود من الزمان، كرابط وحلقة وصل بين الشيخ من جهة وقبيلته وحلفائها واتباعه من جهة اخرى. فالامتداد الاجتماعي لهذا الشيخ، كان مُتماهى حتى الذوبان في الصف القبَلي الواسع الذى يضمه، فلم يترك خيار للشيخ او فسحة، تبعده عن خيار الوسيط الرابط، بينه وبين دراعه التنفيذي في امتداده الاجتماعي  المُتماهي حتى التلاشي في الصف القبَلي الواسع الذى يضمه. خاصة اذا علمنا بان هذا الصف القبلي الثلاثي التكوين، يخضع الى تراتبية صارمة: قمة، وسط. دنيا، شكلتها عقود من الزمن، طبعت بها  - في تقديرى - شخصية هذا الصف القبَلي على نحو ازلى، لا فكاك منها، الا بتصدّع هذا الصف وتشضّه. فعندما جاء انقلاب 69م بالعسكر مرحليا الى ادارة شئون البلاد، وكانت فيه تلك الاحذية الضخمة مطية للخيمة، حيت تمكنت بها هذه الاخيرة، من ضرب اطنابها على اتساع رقّعة ليبيا الجغرافية. كان من الطبيعى، ان تطال تداعيات ذاك الانقلاب وعلى نحو تلقائي، تلك التراتبية الصارمة لذاك الصف القبلي. فَقلبته رأس على عقب، وجعلت  من اسافِله اعالِيه، او من اعاليه اسافله. لحّظتها عرف رأس نظام الخيمة، بان تلك الهزة التى طال صفه القبلي، وعصفت بتراتبية الازلية، قد تُصعّبْ عليه قيادة وادارة هذا الصف، على نحو مباشر وسلس، في تماس عضوي مع مكوّنه البشرى، وكان يعرف ايضا بالا بديل له يَكّفيه عن ذلك، ولا خيار اخر عن هذا الصف. فهذا الصف القبلي هو الركيزة والدراع والسند المستقبلي، الذى سيتكئ عليها رأس نظام الخيمة فى  ادارته للبلاد خلال العقود الاربعة المقبلة.
من هنا جاءت الحاجة للأدرة الغير مباشرة، لهذا الصف عن طريق (وسيط او رابط مُخّلصْ ) ينقل التعليمات والاوامر، من رأس النظام الى امتداده وصفّه القبلي واتباعه، بدون زيادة او نقصان. فكانت بذلك (الوظيفة) و(الموقع) فكان (الرجل) موضوع حديثنا. كنت احاول ان اقول ، بان الرجل لم يكن في الاساس دراع تنفيذي، تحت قبضته وحدات من القوات الخاصة تأتمر بأمرة، او يترأس جحفل امنى معدّ  ومجهز  لتنفيذ مهام خاصة، بقدر ما كان الرجل ناقلا مُخّلص وامين للتعليمات والاوامر، الصادرة من رأس نظام الخيمة الى ادرعه التنفيذية القبَلية الباطشة لا غير. من هنا اقول لا يستطيع العقل ان يُصدق ويقبل تحّميل اوزار قتل الالف من البشر، لرجل ليس تحت يده اداة تنفدية تأتمر بأمره، في شكل قوة خاصة، اومُجحفل امنى معدّ لتنفيذ مهام فوق العادة. فالمهمة - وللأسف الشديد -  لم تقتصر على  قتل فرد او اثنين بل تعدتها بكثير. وهنا ياتى استفهامنا المشروع، الذى يقول: هل، ولكى ينجوا الفاعلين بفعّلتهم، وربما للحظوة التى ينالونها عند الاخرين في الداخل والخارج . دُفِعَ بالرجل  الى المِحّرقة؟ ليسّتتر هؤلاء  بدخانها، الذى قد يغّشى ويحجب بصر وبصيرة العدالة  عنهم.
ففى تقديرى، ان جميع القضايا المتعلقة بمرحلة الاربعة عقود الماضية، والتى تُفّرش امام القضاة، يجب تقّليبها على وجوه عدة، والنظر في مُحتواها بعمق، ولا يجب النظر اليها على نحو تقليدي نمطى، كى نصل الى الالية التى بها نلج الى قاعة الحقيقة الفسيحة، التى وبالضرورة تفضى بنا كل ابوبها الى العدالة المُرّتجاة. كى لا يُظلم احد، ولا يُحمل احد اوزار غيره.
اقول هذا اولا، لأنه في تقديرى، ما قدَمْته في ما سلف، هى القراءة الموضعية للرجل ووظيفته، من واقع  المرحلة التى صُرفت بها امور البلاد بعقلية الشيخ ا القابع تحت خيمة، المحاط بِذويه وصفه وحليفه القَبَلى واتباعه. وثانيا فقد قرئت على شاشة (النت) ما قدمه الرجل الى هيئة المحكمة، ما يوضح فيه وبه، بأنه ليس بالقدر السيئ الذى يُصَوًر به، اتناء تعاطيه مع احداث انتفاضة فبراير المجيد. واستدل بأحداث كُلف  بتنفيذها، وتجاهلها عن قصد لضنّه، لو ثم تفّعيلها  لتسببت في خسائر كبيرة، ويتضرر منها اناس كُثر. واعتقد بأنه كان صادقا في كل ما قاله، فقد كنت قريب وشاهد عيان من  حادثه ذكرها في حديثه ذاك. والتى تناول فيها، تَلَقِيه امر وتَكّليف بالقبض واعتقال (جماعة الشنارات) بمنطقة سمنو بالجنوب الليبي، فتجاهل الرجل الامر واوقفه ، فقد كنت قريب من هذه الجماعة التى تحدث عنها . فمع الايام الاولى لانتفاضة فبراير، قامت المثابة الثورية بالمنطقة كما بقية المناطق، بتنظيم ملتقيات استنهاض. وَسيّرت مظاهرات ترهيب تجوب الشوارع، ولكن هذه الجماعة التى تحدث عنها الرجل. لم تُشارك وتتفاعل على نحو إيجابي مع هذه النشاطات، بل اعترض شباب هذه الجماعة احد هذه المسيرات التى كانت  تمر بالقرب من بيوتهم واشتبك معها بالأيادي، وتجاهلت هذه الجماعة كل الايعازات والتلميحات، التى تدعوهم الى نصب اعلام خضراء فوق سطوح بيوتهم ، بل وعندما حاول بعض من اللجان الثورية نصب علم اخضر في وسط الحديقة العامة بمنطقة سكناهم، اعترضه الشباب ومنعوهم عن ذلك. وقد عَمّتْ  القرية مناشير تحرضيه، تستثير وتستحث الناس وتستنهضهم على اولئك المرتزقة الملونين، الذين اتى بهم النظام، من بلدان جنوب الصحراء، اتناء الانتفاضة، وتَعسّكرَ بهم داخل محطة الكهرباء بالمنطقة، وسيَرهم في دوريات تجوب القرية ومحيطها. وكان يُعتقد بان هده الجماعة كانت من وراء هذه المناشير المُحَرِضة. كل هذه الأحداث التى ذكرتها سلفا. تؤكد وترجح صدور امر وتكليف بالقبض واعتقال هذه الجماعة، لآنه توجد مسببات علنية وخفية، تسّتوجب ذلك، وفى وقت عصيب، لا يجب ان يُسمح فيه بظهور ببوادر ارهاصات لعصيان او تمرد. وفى الخاتمة اقول وبإيجاز شديد، في اعتقادي  بان الرجل قد حُمِلَ - وبخبث كبير - اوزار غيره، وفى ذلك  ظلم يجب الا يكون، وتملّص لفاعلين، يجب الا يَمرْ.
البانوسى بن عثمان
الجنوب الليبيى، 18-7-2016م

لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع