مقالات

علي المقرحي

(عراجين) في عددها التاسع… ثورة 17 فبراير، سؤال المسارات والمآلات

أرشيف الكاتب
2016/10/23 على الساعة 12:34

يتميز عدد عراجين (أوراق في الثقافة الليبية) التاسع، الصادر / فبراير 2016م، بثراءٍ أكسبه إياه ما انطوت عليه دفتاه من مقالات وقراءات ودراسات، انشغلت بالشأن الليبي في راهنه وعلى ضؤ ما يحيط بهذا الشأن ويكتنفه من تقاطعات لرؤى ومصالح وخيارات ومواقف محلية واقليمية ودولية، وهو تميز لا ينتقص مما عودت عراجين قراءها عليه من تميزها، وذلك منذ عددها الأول الصادر في يناير عام 2004م، والذي طرحت فيه موضوعاً كان آنها من المحرمات، ذلك هو موضوع (الهوية، ومعنى الكيان) مروراً بحقول الألغام التي اقتحمتها بما طرحته من ملفات وقضايا شائكة مثل (المجتمع المدني والتحول الديموقرطي) العدد الثاني يونيو 2004م و(القبلية والقبيلة بديل المجتمع المدني) العدد الرابع يناير 2006م و(بناء الدولة، الشفافية، ومسألة الفساد) العدد الخامس أغسطس 2006م.

وبين يدي العدد نقرأ في الإفتتاحية (عن حاجة النخبة الليبية إلى بناء حركة وطنية ديموقراطية موسعة، تؤمن بمبدإ التنوع داخل الوحدة وتعمل من أجل خلق.. كتلة تاريخية.. ذات صلة موضوعية بمبادئ الحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة، وتقوم بحشد أكبر عدد من القوى السياسية الوطنية والنقابية والثقافية، لمواجهة القوى الفاشية والإرهابية المتطرفة).

لندخل بعد ذلك إلى المحور الأول (فضاءات)  ونقرأ بقلم التحرير (أفق التنوع والشراكة في الوطن)… حيث من منطلق الرفض لما يشاع من توصيف لثورة فبراير بأنها دون مشروع ولا أهداف، وأنها مجرد هيجان جماهيري غير واعٍ، واعتباره.. من نافل القول.. التأكيد على أنه لم يكن وراءها حزب أو تيار أو قوى اجتماعية سياسية، يتم التأكيد على أن ثورة فبراير كانت بالفعل نتاج نضال وتضحيات أبناء هذا الشعب الذي اتسم في كثير من الأحيان بالتشرذم في حركة العديد من الجماعات والأفراد، لتشكل هبةٓ ثورية تاريخية، أسهمت في صعودها عاصفة ثورية شهدها المجال الإقليمي لبلادنا، والمتمثلة في الثورتين التونسية والمصرية.

وقد كان للهبة الثورية الليبية طلائعها من النخبة الثقافية والسياسية المتسلحة بأدبيات سياسية مختلفة، عبرت عن طموحات وتطلعات المجتمع والجماهير الليبية. وذلك ما حرص مقال (أفق التنوع والشراكة في الوطن) على إبراز ملامحه وتحديد أبعاده، عبر استعراض تاريخه والوقوف عند محطات بارزة في ذلك التاريخ الذي ترك آثاره واضحة في تلك النضالات التي تكونت في رحمها (عراجين) ومنها ولدت لتكون، ومنذ عددها الأول، الصوت المعبر عن تلك النضالات، وذلك من خلال افتتاحياتها، وما ينشر فيها من بحوث ودراسات ونصوص ابداعية وفنون تشكيلية ومراجعات ثقافية.

وبلغة شفافة ونفس يلامس الحس الصوفي، يكتب الأستاذ ابراهيم الكوني عن (الذاكرة الأخلاقية) مقرراً عند عتبة مقاله أنه لفهم طبيعة الإستبداد، لا بد من طرح السؤال (لماذا تعمد نزعة الإستبداد إلى إماتة الأموات قبل إماتة الأحياء؟) ليجيب بأن نزعة الاستبداد (تلجأ إلى هذه الحيلة ليقينها بأنها لن تفلح في زعزعة الأحياء وتغييبهم لإعادة انتاجهم كعبيد، إلا إذا أفلحت مسبقاً في تغييب السلف، أو روح السلف بالأصح لأنهم النبع العصي الذي يغذي عناد مادة الإستبداد المتمثلة في الأخلاف، فروح الأسلاف هي عقل الذاكرة المحمول كتميمة في مسيرة الأجيال، وهو يلعب دور البطولة في تحصين القيم الأخلاقية في رحلة الأجيال، تلك القيم التي تشكل في تراكمها مكوناً مذهلاً ذا بُعدٍ ديني يستقيم في إسم (العرف) حيناً أو في إسم (الناموس) حيناً آخر، وهذا المكون يتحول مع الزمن هوية للجيل، ثم روحاً للأمة، إلى أن ينتهي به المطاف في مفهوم صار معبوداً في كل الثقافات، وفي يقين أكثر الأمم بدائية وهو: الوطن.

في مقاله (سراب الربيع: وهم الثورة.. والإنتفاضة المسروقة) يقرأ الأستاذ علي محمد الرحيبي المشهد الليبي تأسيساً على إتفاقه مع تحليل  قام به المفكر المصري سمير امين للزلزال الإجتماعي الذي سمي بالربيع العربي، وذلك في عام 2011م، وجاء في سياق فهم لما اتسم به العالم من وقوع تحت هيمنة الرأسمال العالمي بصورته الإمبريالية وبقيادة أمريكية، وأفضى إلى رؤية ذلك الزلزال كانتفاضات يتم اسرها ومصادرة أفقها الثوري، لصالح استراتيجية رأسمالية تقودها أمريكا دولياً في سياق تحالف مع قوىً محلية تشكل (حركة الإخوان المسلمين) ذراعها السياسي الفاعل محلياً.

ومعرجاً على دور الإعلام، والأطماع والتدافعات والصراعات الإقليمية والدولية، وما وراءها من تحالفات وعداوات  كان لها دورها الفاعل في نشؤ هذا المشهد، وعلى ما تزامن مع ذلك النشؤ من قصور النخب الثقافية والحقوقية عن قراءته القراءة الصائبة، وتوهمها أنها تقود ثورة ديموقراطية، إضافة إلى عجزها عن استيعاب مخاطر التدخل الدولي والإقليمي (القطري خاصة) يخلص الأستاذ الرحيبي إلى أن ذلك كله قد انتهى بنا إلى واقع مر ومخاطر جمة، تراجعت بالحلم الوطني في الديموقراطية والتنمية والعدل الإجتماعي إلى حدود دنيا تتصل بالمحافظة على الكيان الوطني وأسس وجوده التي باتت مهدِّدةٍ  بشكل حقيقي.

أما قراءة الأستاذ عبدالله الكبير (عن الثورات العربية.. المآل والمصير) والتي جاءت وفق نظرة موازية شملت السياقات الدولية والإقليمية وتفاعلاتها وتأثيرها في صياغة الحدث التاريخي وتحديد ملامحه، فتخلص إلى أن ما حاولته و(تحاوله الدول الإستعمارية بعد استيعابها صدمة المفاجئة التي جاءتها عن تفجر الثورات العربية، من تدخل مباشر في مسار تلك الثورات، ومن نشاط لأجهزة استخباراتها، لتبعث من القبور الصراعات القديمة الطائفية والإثنية، وتستدعي من التاريخ الفكر المتطرف، وما يؤديه وكلاء الغرب بالمنطقة (مقابل حمايته لهم من الأخطار الداخلية والخارجية) من دور مرسوم لهم لتخريب الثورةووأدها وإعادة شعوبها إلى الهيمنة السابقة، ليس إلا أوهام لن ينجح السير وراءها إلا في إحداث المزيد من العنف وسفك الدماء، ذلك أن التغيير سوف يتحقق رغم كل العراقيل والعقبات والمؤامرات في (17 فبراير وثورات الربيع العرب).

وبعد أن  يقرر الأستاذ محمود الناكوع عدم امكانية الكتابة عن ثورة فبراير إلا في إطار الكتابة عن ثورات الربيع العربي، يشرع في تأصيل تسمية (الربيع) التي أطلقت على الثورات العربية، بإعادتها إلى ما شهدته أوروبا في عام 1848م من انتفاضات أطلقت عليها تسمية (ثوراتها الربيع الأوروبي) التي كان محركها الأصلي الثورة الفرنسية 1789م، وبعد استعراض لأحداث الربيع العربي التي تمخضت عن المشهد الحالي، ولما تزامن معها من مواقف وما أحدثته من انعكاسات اقليمية ودولية، يختم الأستاذ الناكوع مقاله بالتأكيد على أن ثورات الربيع العربي ثورات حقيقية صنعتها شعوبها، وأنه لا وجود لأية مؤامرة خارجية فيها، وأن ثورة 17 فبراير ثورة أصيلة، جاءت بعد معاناة وتضحيات انسانية كبيرة طوال حكم الظلم والإستبداد والتخلف، وأن أسباب نجاحها سوف تنضج عبر تجارب وتفاعلات وصراعات قد تكون مرة ومؤلمة، إلا أن نهايتها سوف تكون في صالح الشعب الليبي، شرط أن يتعلم الناس إيجابياً من أخطائهم، وأن يتصدر المشهد السياسي خيرون منهم.

من المحور الثاني (الملف) الذي تمحور حول (مسارات ومآلات 17 فبراير 2011)، سوف نكتفي بإشارة مقتضبة إلى تقديم التحرير لهذا المحور بجملة من الأسئلة، عالجها الكتاب المسهمون في هذا الملف الذي (لا تدعي عراجين، ولا يدعي المشاركون فيه اليقين الكامل لما يطرحونه من أفكار ورؤى في مقارباتهم لهذه الأسئلة، بل أن ما يطرح هو رؤية للفهم يمكن أن يتأسس عليها حوار أوسع وأكثر تنوعاً، في دعوة حرة مفتوحة للنقاش الجاد والمسئول) وسنكتفي كذلك بسرد لعناوين مواد الملف، وذلك أمر اقتضاه ثراء تلك المواد واتساعها، وهو ما يجعل كل منها مستحقاً قراءة مستحقة تحيط بكل جوانبه، حبذا لو أنها تجئ من مصادر متعددة ومتباينة لتكون استجابة لدعوة الحوار التي تطرحها عراجين.

في الملف إذن نقرأ ( ثورة 17 فبراير في السياقين الإقليمي والدولي) للدكتور علي عبداللطيف احميده.. (تحديات بناء الدولة ما بعد الديكتاتورية، ومتطلبات نجاح عملية التحول الديموقراطي.. الحالة الليبية) للدكتور مالك أبو شهيوة.. (ارتدادات الثورة الليبية الآن) الدكتور مصطفى أبوخشيم.. (الثورة الليبية وخيار التحول الديموقراطي) الدكتور الشيباني أبوهمود.. (الجذور التاريخية للمسألة الليبية) للدكتورة فوريه بريون.. (17 فبراير.. هذا ماحدث) الدكتور مصطفى التير.. (النخبة السياسية وأثرها في التنمية الإدارية.. دراسة استكشافية أولية للحالة الليبية في المرحلة الإنتقالية..) للدكتورة أم العز الفارسي.

وننتقل إلى المحور الثالث (بصائر التشكيل) الذي يؤثثه الفنان التشكيلي عمر جهان بمجموعة من إبداعاته الفنية، التي يقدم لها بسرد لبعض من ملامح سيرته التي يبدو تداخل الشخصي بالإبداعي ظاهراً، وهو يختم تقديمه بالقول: (اللوحة في شتى تحولاتها، لا تستمد قيمتها من كونها جميلة شكلاً، أو عميقة موضوعاً، إنما تستمد قيمتها من ذلك المخزون المعرفي والارشيف النفسي الممزوجين بالتقنية، قيمة فنية لا يمكن الوصول إليها بواسطة ما عداها، ولكن كيف يتمثل الفنان مصادره البصرية، ويجعلها تمر من فلتر الروح، وتفك شفرة الإحساس وتعيد إنتاج الإدراك؟... ليس لديّ إجابات خارج العمل الفني).

وضم المحور الرابع للعدد (ذاكرة) الذي جاء تحت عنوان (ذاكرة فبراير) أربع وثائق تاريخية: 1) بيان انتصار ثورة فبراير... 2) بيان تشكيل المجلس الوطني الإنتقالي، في 2 مارس 2011م... 3) الإعلان الدستوري وتعديلاته، في 3 أغسطس 2011م... 4) بيان إعلان التحرير.

تصدرت قصائد للشاعر محمد الفقيه صالح واجهة المحور الخامس (نصوص)، وجاءت بعدها قصيدة (مواعيد الأوراق الأولى) للشاعر عبدالرحمن الشرع، فقصة (أين نقلوا سلام، والسلام) للأستاذ محمد عقيله العمامي، و(على أصوات القذائف) للأستاذ عمر أبولقاسم الككلي، و(مناوشات الربع الأخير) للأستاذ جمعه أبوكليب.

لننتهي إلى المحور السادس والأخير (مراجعات) حيث تناول قلم التحرير بالمراجعة كتاب (ليبيا الثورة وتحديات بناء الدولة) الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، ببيروت وهومن تأليف الدكتور يوسف محمد جمعه الصواني، وكتاب (ليبيا التي لا نعرفها.. دراسات منهجية في التاريخ والثقافة والمجتمع الأهلي  1830-2011م) الصادر عن إدارة النشر والمطبوعات، التابعة لهيئة دعم وتشجيع الصحافة في ليبيا، بقلم الدكتور علي عبد اللطيف احميده، و(لماذا تخلفت ليبيا؟.. هذا حكم العسكر) كتاب الدكتور مالك أبوشهيوه الصادر عن دار الرواد، لتنتهي هذه الإطلالةالمقتضبة على أفق ثقافي  برحابة عراجين، باحتشام لما شابها من قصور ومن نقص أرجو لهما العذر من القراء.

علي المقرحي

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع