مقالات

سليم نصر الرقعي

أسباب توقف نمونا الطبيعي في ليبيا!؟

أرشيف الكاتب
2016/10/22 على الساعة 02:06

لا شك ان ليبيا منذ زوال سلطان الاحتلال الايطالي الغاشم، تحديدا منذ عهد الادارة البريطانية وقبل اعلان الاستقلال الوطني عام 1951، كانت قد استعادت حيويتها وطموحها في اللحاق بركب المجتمعات والدول المتحضرة في ظل ثوابت هويتها العربية والاسلامية وخصوصيتها الليبية الوطنية المحلية ولم يكن احد في تلك الحقبة يشعر، حتى مجرد الشعور!، بوجود تناقض  بين ثوابت هويته وديانته الاسلامية ومتطلبات التقدم الحضاري ومعطيات العصر الحديث، كان كل شيء يبشر بالخير والناس كانوا يتفتحون بشكل طبيعي تدريجي كأزهار تفتحت ما ان هبت نسمة الربيع بالرغم من وجود الكثير من المنغصات والتحديات، وفي ظل هذا النشاط الحيوي والروح الايجابية والتطلع للتقدم وفي ظل النمو الطبيعي التدريجي الهادئ البطيء والعميق، النمو السياسي والاقتصادي والاداري والحضاري، فجأة ومع ظهور النفط وانتشار المد القومي العروبي الوحدوي المقترن بالاشتراكية والانقلابات العسكرية وضع (أحدهم!؟) عصا في عجلة التطور والنمو الطبيعي لمجتمعاتنا بدعوى أن الطريق نحو التقدم يحتاج الى ثورة شاملة وعارمة تحمل الشعب على اكتافها وتقفز به فوق المراحل قفزات هائلة وكبيرة وجبارة وسريعة تغير مجرى التاريخ والجغرافيا وتضع العرب في مقدمة هذا الركب العتيق!!، فكانت نتيجة هذه القفزات العالية والكبيرة والسريعة هي وقوع هذا الشعب من فوق ظهر هذه الثورات والانظمة الشمولية الثورية من شاهق فتهشمت قدماه ابتداء وبالتالي ما عاد قادرا على الوقوف ومواصلة مشواره نحو التقدم الحضاري، ثم ثانيا وانتهاء تعرض عند سقوطه على ارض الواقع الملموس الى خبطات ورجات وشجات على رأسه مما سبب له حالة من فقدان الذاكرة والاحساس بالدوران والتوهان المقترنة بنوبة من الهذيان والرهاب والوسواس القهري والارتياب في الآخرين والخوف من الصعود الى الأماكن المرتفعة والشاهقة!، فكان ما كان والله المستعان!!.

• العامل الاول في ارباك نمونا الحضاري (الزحف نحو المدن)

بلا شك أن للبدو وأهل الريف والقرويين مزاياهم وإيجابياتهم الطيبة ولهم في المقابل عيوبهم وسلبياتهم، وكذلك لأهل المدن (الاصليين والمخضرمين والمعتقين!) أيضا مزاياهم وعيوبهم وايجابياتهم وسلبياتهم، الا ان الخلل الأول الذي حدث في ليبيا، وفي عدد من الدول العربية الاخرى، وتسبب للمجتمع الليبي في تشوهات خلقية، بفتح الخاء، وخلقية، بضمها، هو خلل نتج بسبب ظهور الثروة النفطية عام 1959 في شعب كان فقيرا ولكنه كان يمارس الزراعة والتجارة وتربية المواشي وصيد السمك والصناعات البسيطة القائمة على ما يتوفر له من مواد اولية ومنتجات زراعية وحيوانية بما يبشر بنمو اقتصادي تدريجي عبر الزمن في ظل رأسمالية وطنية طموحة تتعلم وتنمو وتتقدم بشكل بطيء وتدفع المجتمع نحو الامام! ، ولكن ظهور النفط فتح الباب واسعا امام الليبيين للدخول في نادي دول الاقتصادي الريعي أولا وفي نادي المجتمعات الكسولة والخاملة ثانيا! ، ففورة النفط جعلت سكان البوادي وسكان القرى والبلدات والواحات الصغيرة ذات الاقتصاد الزراعي والرعوي والصناعات التقليدية البسيطة لصناعة وسائل وادوات  المعاش المحلي المناسب لهم يزحفون، زرافات ووحدانا، بشكل كبير وكثيف ومتزايد من البوادي والريف والقرى نحو المدن الكبرى طلبا للحياة الافضل والاسهل وهو سلوك بشري طبيعي تحفزه عوامل الطرد والجذب، وهو احد قوانين الديموغرافيا، كما هو الحال في ظاهرة الهجرة غير الشرعية اليوم من الجنوب الفقير والمنكوب الى الشمال الغني والموهوب!!، حيث تركز ذلك الزحف السكاني الكثيف لليبيين، بعد ظهور ثمار وأثار النفط، نحو المدن وخصوصا طرابلس وبنغازي، هاتان المدينتان اللتان كانتا في حقبة ما قبل النفط، ورغم فقرهما وبساطتهما، تتمتعان بالطابع المديني الحضري النامي والساعي لمزيد من التمدن والنمو الحضاري الطبيعي والتدريجي شكلا وسلوكا، وكانت الهجرة اليهما من الأرياف والبادية تتم بطريقة بطيئة ومحدودة وطبيعية، وبنسب معقولة ومقبولة، بحيث لا يشكل القادمون الجدد هزة مربكة للمجتمع المديني النامي بل كان بسبب محدودية عدد المهاجرين اليها المستوطنين فيها سرعان ما تهضمهم وتضمهم الى كيانها حيث سرعان ما يذوب هؤلاء الملتحقون الجدد في هذا المجتمع المحلي ويندمجون فيه خصوصا أن هؤلاء القادمين من البوادي والأرياف والواحات اشخاصا متميزين وطموحين تحركهم ارادة شخصية ملت من حياة البدو والريف والقرية وتطلعت الى حياة المدينة وتطوير الذات، فهذا الصنف من سكان البادية والبلدات الريفية والقروية المستوطنين في المدن كانوا بحكم تميزهم وطموحهم الشخصي سرعان ما يندمجون في المجتمع المديني ويكتسبون عادات وتقاليد الحضر وأهل المدينة بل ويتفوقون عليهم احيانا بأخلاقياتهم البدوية والقروية الطيبة والكريمة ويساهمون بهذا الاندماج الايجابي في مجتمع المدينة في رقي وتقدم المدن، يحضرني في ذهني الآن بعض أقربائي واعمامي كنموذج لهؤلاء المتميزين، وهكذا كان الامر قبل النفط وقبل انقلاب القذافي يتم بهذه الطريقة الفردية الهادئة والطبيعية، ولكن قدوم موجات سكان البوادي والأرياف بعوامل الطرد (الفقر) والجذب (سهولة الحياة في المدن وتوفر المرتبات مع ظهور النفط) بشكل جماعي كثيف، عايشته بنفسي في اجدابيا وبنغازي في طفولتي، أدى الى حدوث هزة وظهور طفرة سكانية حدثت بشكل غير طبيعي وأدت الى اختلاط وامتزاج الثقافتين في المدينة بطريقة (الصدمة!؟)، اي اختلاط ثقافة وطباع أهل المدن مع ثقافة وطباع أهل البادية والقرى والريف، وبدل أن يأخذ كل طرف من الآخر أحسن ما عنده من مزايا وايجابيات وصفات وعادات حصل العكس! !، حيث  أخذ كل طرف من الآخر اسوأ ما عنده من طباع وعادات وسلوكيات وسلبيات!!؟؟، فهذا ما حصل وهو ما افسد طباع وعادات ومكارم الفريقين على السواء!!.

• العامل الثاني (الغاء النظام الاتحادي الفيدرالي)

فالتسرع في الغاء النظام الاتحادي الفيدرالي عام 1963 الذي كان مناسبا لليبيا كمجتمع سياسي واداري مولود حديثا وكدولة وامة وطنية  مركبة من قطرين (برقة وطرابلس)(مشروع عام 1922) او من ثلاثة اقاليم وولايات (برقة وطرابلس وفزان) لكل منها خصوصياته الجهوية وظروفه التاريخية (مشروع 1950)، أدى هذا التسرع، الى ارباك كبير في الكيان السياسي والاداري حديث العهد بالولادة مما فتح الطريق سهلا امام الإنقلابيين، لا شك عندي وفي تحليلي وتقديري الخاص أن الغاء هذا الاطار السياسي والاداري المناسب لليبيا والليبيين في الوقت الذي لم يستنفد فيه أغراضه وأسبابه الضرورية كان خطأ سياسيا تاريخيا فادحا وقاتلا، كانت له عواقبه الوخيمة على الليبيين وعلى النظام الملكي الدستوري نفسه وساهم أيضا بدوره في تعقيد هذه المشكلات وفي خلق هذه التشوهات الجهوية التي تعاني منها ليبيا والليبيون إلى يوم الناس هذا بل وساهم في ايقاف عجلة النمو الحضاري والسياسي والاداري الطبيعي للمجتمع الوطني الليبي وحشره في قالب اداري وسياسي لا يناسبه يعيق نموه الطبيعي والعميق!.

• العامل الثالث (الأيديولوجيات القومية والدينية!؟)

أما العامل الكبير الآخر الذي ساهم في افساد الطباع الحسنة عند الليبيين، حضرا وبدوا، وساهم بشكل كبير وواضح في ايقاف النمو الطبيعي والتطور الحضاري للمجتمع الليبي فهو اولا ظهور الايديولوجيات (القومجية) العروبية الممزوجة بالاشتراكية والمصحوبة بالحكم الجبري العسكري ثم ثانيا ظهور الايديولوجيات (الاسلامجوية) ومشروعاتها السياسية (الاخوان والسلفية الجهادية والسلفية الحكومية الإمامية!)، فهذا التياران المصحوبان بعقيدة سياسية وخطاب مؤدلج منفصل عن الواقع والعصر (العروبي الاشتراكي المتعصب، والاسلامي المتشدد) ساهما بشكل كبير وأساسي في ايقاف عجلة النمو الحضاري والسياسي والاقتصادي للمجتمع الوطني الليبي واصابة الكيان الليبي بتشوهات واشكاليات كبيرة من حيث يظن كل تيار منهما انه على الحق المبين من جهة ومن جهة من حيث يعتقد أنه ما يسوق المجتمع الا نحو الهناء والرقي والتقدم!!.

وهكذا تداخلت هذه العوامل الثلاثة وتراكمت وساهمت مجتمعة في تعكير صفو فطرة واخلاق الليبيين حضرا وبدوا وتعطيل نموهم السياسي والحضاري وتطورهم الطبيعي مما ادى الى ظهور كل هذه الاشكاليات والتشوهات والعاهات في الكيان الليبي اجتماعيا وثقافيا واخلاقيا وعمرانيا واقتصاديا وسياسيا، فضلا عن مخلفات الحكم التركي والاحتلال الايطالي، مما جعل انزلاقنا نحو هذه الكارثة الحالية التي نتخبط في جحيمها الرهيب يتم بكل هذه السهولة كما لو أنه تحصيل حاصل وأمر محتوم لا مفر منه بل كأنه النتيجة الطبيعية لكل تلك المقدمات والمسارات غير الطبيعية في تاريخ ليبيا وحياة الليبيين!.

سليم الرقعي
20 محرم 1438 هجري/عربي/قمري
21 اكتوبر 2016 ميلادي/غربي/شمسي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
سليم الرقعي | 24/10/2016 على الساعة 18:40
الى الاخ الورفللي
يبدو انك تردد الاسطوانات التي تسمعها في الاعلام دون تدبر ، صحيح ان العالم يتحول الى قرية صغيرة ولكن ليس بالطريقة التي فهمتها في رأسك ، فهو يتحول الى قرية بمعنى ان ثورة المواصلات والاتصالات والمعلومات اختصرت المسافات ولكن هذا لا يعني ازالة الحدود السياسية بين الدول ولا حتى بين الولايات والمقاطعات.بل بالعكس فللرد على ما فهمته من قولهم العالم اصبح قرية يمكن تنبيهك الى ان بريطانيا خرجت من الاتحاد الاوروبي وان اسكوتلندا وربما ويلز ايضا تسعي الى الاستقلال السياسي التام عن المملكة المتحدة ، هناك ولايات امريكية تدعو للاستقلال ايضا وهناك اقاليم اوروبية تدعو الى الاستقلال ايضا ، فبعكس ما تردده انت هناك نظرية تؤكد ان العالم يتحلل وان الكيانات الكبرى ستتحلل الى وحدات سياسية وادارية صغيرة ليكون الراوبط الوحيد لا الفيدرالية بل الكونفيدرالية الدولية ! ، هذا اولا ثانيا انت يبدو انك ايضا لا تفهم الفيدرالية وتعتقد انها تقسيم البلد الى بلدين والدولة الى دولتين وهذا فهم مغلوط ومشهود تماما كحال قصة العالم قربة واحدة ! .الفيدرالية تنظيم وليست تقسيم ، امريكا دولة واحدة والامارات واحدة مع انهما فيدراليات !!.
سليم الرقعي | 24/10/2016 على الساعة 18:31
اخ الرمغني
المقصود كما واضح في مقالتي هو المد العروبي المؤدلج المصحوب بالفكر الاشتراكي والحكم الجبري الاحادي الحزبي والعسكري ، هذا هو المقصود وليس العروبة كهوية قومية للعرب فهذه لا نقاش فيها فهي حقيقة واقعة ، تماما كما هو الحال حينما انتقدنا التيار الاسلامي الديني المؤدلج والحزبي القتالي لا نقصد الاسلام كدين ، هناك فرق بين هذا وذاك اي بين العروبة كهوية قومية وبين أدلجتها وربطها بمذروع اشتراكي وثوروي وعسكري وديكتاتوري وشمولي ، كذلك الحال هناك فرق بين الاسلام كدين وبين أدلجته وربطه بمشروع حكم سلطوي او ارهابي ، ارجو ان تكون الصورة اتضحت الآن ؟ ، تحياتي
الورفللي | 24/10/2016 على الساعة 13:39
العالم يتحول إلى قرية صغيرة، وانت تتكلم عن الفدرالية..
في الوقت الذي تختفي فيه المسافات الجغرافية ويحل محلها الفضاء الافتراضي وتذوب الخصوصيات المحلية من العالم أجمع بفضل تقنية الاتصال الفائقة التي حولت العالم بكل تنوعه إلى قرية صغيرة، يخرج علينا من يتكلم عن الفدرالية، وكأننا لازلنا في عهد الدولة الأموية. لا أعرف ما معنى الفدرالية لشعب لا يشكل بقضه وقضيضه سكان حي واحد من أحياء مكسيكو ستي أو شنغهاي أو حتى القاهرة. بعض الناس يتميزون بقصر نظر يدعوا إلى العجب، ولو تركت الانور لهم لدفعوا البلاد إلى هاوية لا يعلم قرارها إلا الله..
د. أمين بشير الرمغني | 24/10/2016 على الساعة 08:28
ما دخل المد العروبي في ثورة سبتمبر.
الانقلابات العسكرية وهي جهالة والجهل لب المصائب . أما المد العروبي الوحدوي فانتشاره أمر طبيعي بعد انحسار الامبراطورية العثمانية ونفوذ تركيا وتغلغل الاستعمار الاوروبي في المنطقة. أما الاعاقة وتفتيت الجهود كان محاولة شمولية سيطرة المتأسلمين في منطقة هي أيضا وطن المسيحية في كل العالم ومشاركتهم الصهاينة في جهد دحر المد العروبي الوحدوي. ما أحوجنا اليوم للمد العروبي الوحدوي لدرء مخاطر زوال الامة العربية والاسلامية.
عبدالوهاب | 22/10/2016 على الساعة 07:59
النفط
النقط اذا اصبح وسيلة للاثراء واشباع للبطن عند شعب ما فانه يتحول الى مصدر شقاء وجهل وتعاسة لهم ,لكن اذا النفط الى اداة لتطوير لعلم والبحث والتفكير قانه يؤدي الى حضارة ...صراحة ان ارتفاع الرواتب الفجائي من فقر الى ثراء عند الشعوب والامم المصدرة النفط تسبب في خمول وكسل وفساد الشعوب في العقل والبطن وانتشار الجهل.. الشبعان لاينتج جضارة
berkawe | 22/10/2016 على الساعة 07:37
The Reason for no Grow in Libya
You found a Problem as any one of us did(as for my self it was long ago), but you did not diagnose it intellectually and definitely you did not search thoroughly the CORE of the problem. I am not buying it....
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع