مقالات

شكري السنكي

فتحـي جعـودة فِي ذمـة الله

أرشيف الكاتب
2016/10/11 على الساعة 12:40

فتحـي جعـودة فِي ذمــة الله

(رحيل واحدٍ مِن القلة القليلة البـاقيّـة مِن زمــن الإدْريْس)

رحــل عَـن دنيانا الفانيّة فتحـي سُليْمان جعـودة صاحب القلب الطيب والوجه البشوش، والـرجـل الّـذِي سيذكره التاريخ الِلّيبيّ. رحــل الـرجـل الّـذِي كان واحداً من ألمع وزراء ليبَيا، والّـذِي أخلـص للوطـن وأحــبـه فأحبــه كـلِّ النَّـاس. رحـل صـاحب الرصيـد والتـاريـخ والّـذِي تـرك أعمالاً خالدة وذكـراً حسـناً وسيرة طيبـة عطرة، سيظل شذاهـا يفوح إِلى أن يرث الله هذه الأرض ومَنْ عليها.

فِي زمان الرَّاحـل فتحـي جعـودة الّذِي قـاده المَلِك إدْريْس السّنوٌسي الأب المؤسس للدولة الِلّيبيّة وأبانا الّذِي لم نعرف أبـاً سواه، كان الوطـن حاضراً، والطموح عظيماً، والإصرار كبيراً، والإرادة مِن حديد، فكبر حلم الـوطـن لأنه كان هُناك أناسٌ عظماء قادرون على حمله وتحقيقـه.. أصبـح الحلـم حقيقة وتحقـق الإنجاز، ولم يخب أولئـك الرجال آمال النَّـاس وتطلعاتهم.

بالأمس كان هُناك رجـال فِي مستوى الحدث وعلى قدر المسؤوليّـة، ولكـن اليـوم عمت الخيبة والإحباط بيـن النَّـاس، فمَنْ كانت تعقد الآمال عليهـم «خيبوا الظن»، وصارت أوضاع البـلاد عكس المأمول تماماً، فتعقدت المسائل وسادت خلافات وارتفـع السّلاح، فكبرت خيبات الوطـن بكثير مِن رجالاته الّذِين أوصلوا النَّاس إِلى مَا هم فيه مِن خيبات، لأن مَنْ فِي المشهد لا هم لهم إلاّ أنفسهم، ولا يسعون إلاّ لتحقيق مصالحهم وأجنداتهم الخاصّـة، وليسوا كأولئك الرجال الّذِين تفانوا فِي حبّ الوطـن، وعملوا لصـالحه وحملوا على عاتقهم هُمُومه وهُمُوم المواطن، فحققوا الإنجاز فعمّ الخير واتسع صدر الجميع للجميع وصار الوطن لكل مواطنيه.

درس فقيدنا الكبير الهندسة فِي مِصْـر، وبعـد تخـرجـه صـار مُهندساً معمارياً يُشَارُ إليه بالبَنَان. تدرج فِي السلم الوظيفي حتَّى صار ناظراً للأشغال العامّة بولايّـة برقـة، ثمّ وزيراً للأشغال العامّـة فِي عهد المملكة الِلّيبيّـة. وعمل فِي وزارة السّياحة والآثار، وفتـح مكتباً هندسياً خاصاً بعْـد فترة مِن انقلاب سبتمبر / أيّلـول 1969م، وكانت له بصمات واضحة فِي كل المواقع الّتي شغلها، وكان إنْسَاناً ناجحاً فِي حياتـه بكلِّ المقاييس.

أحـب ليبَيا وقـدم لها كلِّ مَـا استأمنــه الله عنــده، وكان يتمنى أن يـراها أحســن بـلدان العـالـم، وكان بالإمكان الوصـول إِلى ذلك لولا انقـلاب القذّافـي الّذِي قلب الموازين رأساً على عقب. وعشق مدينة بّنْغـازي الّتي ترتسم بصماته على الكثير مِن مبانيها، وتعشعش ذكرياتـه فِي كل ركن مِن أركانها، وزاويّـة مِن زواياهـا. ولا أظن أن هٌنـاك أحداً فِي بّنْغـازي لا يعـرفـه، فهُـو رائحـة أبهى الأزمنة اللّيبيّة، وعريق الأصل، وصاحب الصيت الطيب، والمتواجد دوماً بين النَّاس.

فتحـي جعـودة سيـرة رجـل أحـب الوطـن.. الرجــل الّذِي قد يندر أن يجود الزمان بمثله!. الفخر الّذِي مَا بعده فخر.. والقصّـة الّتي لا تتكرر كثيــراً.

فتحي جعودة المولود فِي مدينة بّنْغازي العام 1936م، والمتوفى يوم الأحـد الموافق 9 أكتوبر 2016م، والّذِي عاش شريفاً ومات كريماَ.

رحـل فتحي جعـودة، ولكنه سيظل حياً فِي ذّاكرة الِلّيبيّين.. وسيعيش حتماً فِي الذّاكرة كحالة عز وفخر وقدوة حسنة متحلية بالفضائل الوطنيّة العالية، ويذهب غيره ممَنْ استباحوا الوطن وسرقوه وفرّقوا بين أبنائه وزرعوا الفتنة بالبلاد، إِلى صفحات التاريخ السوداء أو مزبلة التاريـخ كمَا يقولون.

وأخيراً وليس آخراً لا نملك إلاّ أنَّ نقول (إنّا لله وإنّا إليه راجعون).. طبت حياً وطبت ميتاً يا أبا سـامــي.

رحم الله فتحي جعودة، وحمى الله ليبَيا.

شُكْـري السنـكي

 

فقيد الوطن الكبير فتحي جعودة بالكورنيش فِي بّنْغازي

صُوَرَة تجمع الرَّاحل الكبير فتحي جعـودة مع رفيقه خـالد بِن حميد، والصُوَرَة كانت فِي حفل تأبين للمَلِك

إدْريْـس السّنوُسي - طيب الله ثراه - سنة 2013م. (الصورة مِن أرشيـف الصديق صَالح خالـد بِن حميــد)

عبدالقادر عبدالله اقدورة | 13/10/2016 على الساعة 10:45
فى تعزية فقيد بنغازى فتحى جعودة
اشكرك أستاذ شكري على تأبين فقيد بنغازى السيد فتحى جعودة وأعتقد وبكل ثقة انه يعبر عن جميع سكان بنغازى نسأل الله له الرحمة وان يعوض الله بنغازى عنه خيرا
نافع بدر | 12/10/2016 على الساعة 15:24
كل نفس ذائقة الموت "
شكراً للأخ الكاتب علي التنويه علي سيرة رجل من رجال ليبيا وابن من أبناء بنغازي البرره ، رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جنانه .....وكفي بالموت واعضا!
فائزة بن سعود | 11/10/2016 على الساعة 18:34
وداعا
رحم الله المهندس والوزير والرجل المحب للوطن.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع