مقالات

د. فتحي العكاري

مسيرة فنان أو رحلة نهر

أرشيف الكاتب
2016/06/22 على الساعة 02:48

طلب مني الفنان والرسام الكبير الدكتور بشير حموده ان اقدم لكتابه في شكل تمهيد او توطئة تحمل بعض ما أكنه له من احترام وتقدير ليس كصديق ولكن كرسام وفنان مبدع له قيمة عالية في مجال الابداع الفني فحاولت أن أسقط مسيرته عبر السنين في سطور قليلة واصفا فيها تطور ملكة الابداع عنده  عبر السنين. فرايت ان اربط بين مسير النهر من تكونه في شكل قطرات من الماء تسقط عبرمساحات شاسعة في المكان والزمان لتنحت طريقها في شكل قنوات وروافد إلى ان تصل منتهى مسيرة النهر. فقطرات الماء عندما تنزل من السماء تلامس سفوح الجبال وتداعب سطوح السهول لتأخذ من عبق الوانها وطعم مكوناتها، أما ما يعانق الازهار والبراعم واوراق الشجر فيلتمس حنانها ويرتوي من رحيقها ويتحسس انتشارها وشكلها في تمددها وتعدد ألوانها فيمسح عن خدودها غبرة التراب ويسقيها أعذب ما دره السحاب. ثم مع تزايد قوة سير الماء في السيول والقنوات والروافد ينحت النهر طريقه بين الصخور حاملا معه اسرار الكون في دورة الحياة لينتهي به المطاف في مصبه الاخير ليرتاح النهر في جنبات البحر العميق محافظا على عذوبة مائه وبينهما برزخ لا يبغيان، فيتحقق لديه عندها أن سر الوجود يكمن في قطرة الماء وصدق المولى عز وجل عندما قال "وجعلنا من الماء كل شئ حي". وكأني بالنهر يتنقل عبر دورة الماء من سحاب في جوف السماء إلى قطر يبعث الحياة في الارض الميتة بإذن الله سبحانه ومثلما يغذي الماء الحياة على الارض فإن الفن يغذي الارواح بين جنبات الصدور ومثلما يتشكل النهر من بدايته إلى منتهاه فإن الفنان يستشرف الامل من الالم ويشكل بريشته موائد الارواح في اشكال وتراكيب جميلة و بديعة.

أما مسيرة الفنان بشير حمودة فبدأت منذ نعومة أظفاره في المدرسة الابتدائية والثانوية بين ميوله الفنية ورفض المجتمع للمعاني التي يحملها الفن فكان الصراع داخل بيته، فوالده لا يعرف للفن معنى إلا لدى من يطلي البيوت ويلونها. وبدأ الفنان الصغير يحاول أن يحاكي بعض الوان الطبيعة واشكالها لعله يكتشف لنفسه دورا يعترف له فيه المجتمع بقيمة الابداع. فأول ما رسم هو الطبيعة الصامتة أو نسخ لصور بعض الشخصيات الهامة والتي شارك بها في معارض وزارة التعليم ومن بينها صورة للملك ادريس السنوسي الذي كان يستمتع بابراز معالم الهيبة والوقار على وجهه العربي الاصيل وتاتي المفاجأة لوالده في شكل اهتمام عدد من كبار مسئولي وزارة التعليم بلوحاته فنال بذلك اعتراف والده بدوره وبالتالي دعمه له.

تطور الحال بفناننا الشاب فسافر لايطاليا لدراسة الفن في بعثة دراسية وتالق بالتدريج من الرسم الساكن الذي يحاكي الطبيعة ويبرز الجمال في كتمان ورمزية عجيبة إلى تشكيل لوحات فيها حركية وتفاعل وتحمل في طياتها وصف لاحاسيس منادية بالحرية وداعمة لروح الثورة والنضال ومعبرة بالشكل واللون عن حكم وعبر والام وآمال. فكان تدرج اللون نوعا وكما في ظلال ثابتة ومتحركة صورت الحركة في الزمان والمكان. ومع مرور الايام والسنين برزت للفنان الكبير أهمية دور اللون في ذاته بدون شكل أو حركة ليعبر به في منتهى الحرية عن معان ليس لها حدود وكل من ينظر اليها يرى فيها ما يحب. ولقد لمست في اللوحات الاخيرة هذا العام كيف بدا الفنان بشير حمودة يمزج رحيق الالوان في تدرجها وتقاربها وتغيرها كأجمل دلائل الجمال في الكون وسبحان من جعل النور يكتمل بكامل ألوان الطيف ليكون شريك الماء في صناعة بهجة الحياة وسبحان من وصف ذاته بالنور الكامل عندما قال تعالى "الله نور السموات والأرض" وسبحان من تكامل فيه الجمال فان الله جميل يحب الجمال فهنيئا لاستاذنا الفاضل د. بشير حمودة هذا المولود الجديد الجميل والذي يحمل بين طياته انفاس وآلام وآمال استاذ ومعلم ومربي كريم.

لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع