مقالات

خالد الهوني

ماذا بعد انهيار اتفاق الصخيرات؟

أرشيف الكاتب
2016/06/22 على الساعة 02:47

تمر الأيام  ويزداد الشقاق وتتصاعد الخلافات بين من وقَّعوا على الاتفاق السياسي، كما تُشير الدلائل  إلى ضعف مُخرجاته، وإلى تعقد مساره بل استحالة تنفيذه، فالمجلس الرئاسي تتوالى أخطاؤه وتنحدر شعبيته كل يوم، حيث يستمر في تخبطه وفي إصدار  قراراته  المتسرعة والغير شرعية، مثل إثارته لزوبعة في ما يخص موضوع العُملة المطبوعة في الخارج،  وقراره بإنشاء جسم جديد (الحرس الرئاسي) الذي هوليس من اختصاصه، إذ يحتاج قبلاً إلى قانون تعرض مسودته على مجلس النواب لإقراره، وتعامل المجلس بصفة عامة بسياسة الامر الواقع كإصداره لقرار بتفعيل مهام وزرائه المُرشحين دون انتظار اعتمادهم من مجلس النواب، هذا ناهيك عن انقسام أعضائه، واستخدامهم لسياسة المغالبة حتّى في ما بينهم،  وقيام بعض منهم بإصدار قرارات مُنفردة، وتضارب قراراتهم في حالات أخرى، مثل صراعهم هذه الايام على إقالة أوتثبيت رئيس بعثة ليبيا لدى الامم المتحدة بجينيف "سلوى الدغيلي"، هذا الذي أكده عضوالمجلس الرئاسي السيد "محمد العماري زايد" في رسالته المُطَوّلة إلى رئيس المجلس والتي كانت يوم 16/06/2016، بينما تعجز الدولة الليبية ولأول مرة في تاريخها عن سداد قيمة الاشتراكات المستحقة عليها لدى هذه المنظمة الدولية، مما يوضح حالة التردي الذي وصلت إليه الأمور.

هذا بالإضافة إلى عدم قدرة المجلس الرئاسي على حلحلة الأوضاع المعيشية والأمنية المتأزمة للبلاد، وإيجاد وتفعيل حلول لأي من مشاكلها  الكبيرة أوالصغيرة، بالإضافة إلى وقوعه تحت تأثير الميليشيات، والذي أعترف به رئيس المجلس بنفسه في حديثه مثلاً عن أزمة الكهرباء المُتفاقمة، ناهيك عن السفر المتكرر لأعضاء المجلس خارج البلاد وبشكل ملحوظ ولأسباب ليست جوهرية، مما يضيع الوقت ويثقل كاهل الدولة بالمصاريف، ويشتت الجهود الواجب بذلها للاهتمام بالشأن الداخلي. كما أن الاتفاق السياسي قد خلق  أزمة داخل مجلس النواب الذي لم يفشل فقط في إقرار الحكومة المنبثقة عن الاتفاق، بل فشل منذ تاريخ توقيع الاتفاق في الاجتماع بنصابه القانوني، ناهيك عن انقسامه إلى كتلتين متصارعتين، وصل التوتر بينهما إلى حد  السب والعراك وتبادل الاتهامات.

أما الغرب فيبدوأن ما يهمه من الاتفاق هوتفعيل الجانب السياسي منه بما يخدم مصالحه، وخلق حكومة وهمية توافق الغرب وتنفذ رغباته والتي أساسها محاربة عدوه المُعلن في ليبيــا والتي بدأت بسرعة وبدعم منه، وإهماله للجانب الأمني من الاتفاق (مثل إخراج الميليشيات بأسلحتها خارج حدود العاصمة، وتفعيل دور الجيش والشرطة)، والذي يحتاج إلى وقت وجهدٍ كبيرين  لتنفيذه ولا وقت  للغرب لانتظار ذلك، كذلك توجيه المجلس لإصدار مزيد من القرارات للتدخل أكثر في الشأن الداخلي الليبي مثل قرار طلب المساعدة من الغرب في تدريب حرس السواحل الليبي من أجل مكافحة الهجرة الغير شرعية؟! والذي يقصد منه توفير غطاء قانوني لإدخال مزيد من العناصر الاستخباراتية والعسكرية الاجنبية للبلاد، والذي سنرى قريباً كنتيجة له تشكيل قوة مسلحة من الميليشيات لمهاجمة مراكز انطلاق  المهاجرين على الساحل الليبي، دون إيجاد حل للأعداد المتزايدة منهم التي ستُغرق البلاد إذا لم يتم ترحيلهم منها، هذا الذي لا يهم الغرب في شيء.

ما ذكرته آنفاً يوضح أن اتفاق الصخيرات والذى مضت ستة أشهر على توقيعه دون أية نتائج إيجابية تذكر له، لن يحل الازمة الليبية بل زاد في تعقيدها، وأنه سينهار لا محالة، فماذا نحن فاعلون؟... في مقابل ما ذكرت تجد أن كثيرمن الليبيين اليوم تتجاذبهم ولاءات وأهواء عدة، فهناك من يطمح إلى عودة النظام السابق للحكم، وهناك من يذهب أبعد من ذلك ويريد عودة الملكية، وآخرين يؤكدون أن إنتفاضة 17 فبراير ومخرجاتها هي الاحق بحكم ليبيا بالرغم من السوء الذي وصلت إليه الأمور، والبعض يرى في  قبيلته أومدينته أنها الاجدر بالسلطة، ولا زال هناك من يمجد الأشخاص ويرى في عودة الديكتاتورية وتسليم مقاليد البلاد إلى حاكم عسكري هوالحل لكل مشاكلنا، ويذهب غيرهم إلى أن إقامة دولة دينية يحكمها رجل دين، هوما سيكون مصدر راحتنا وسعادتنا.

على هؤلاء جميعاً أن يواجهوا الحقائق وأن يعرفوا أن الزمن لا يرجع إلى الوراء!!، وأن حُكم النظام السابق بميزاته وعيوبه لن يعود، وأنه قد أصبح شيء من الماضي، كما أصبح النظام الذي قبله من الماضي أيضاً، وهذه هي سنة الحياة، فلكل شيء نهاية، أما عن عودة حُكم العسكر، فلو كان مجدياً لنفعنا نحن سابقاً، وقد نلنا من حكمهم ما نلنا، ودور الجيش أن يكونَ حامياً للبلاد لا حاكماً لها، كما أن ميليشيات أي مدينة أوقبيلة كانت لن تستطيع أن تسيطر على كافة أنحاء البلاد وتحكم قبضتها عليها، وأن التحالفات الجهوية والقبلية التي تُعقد وتتغير كل يوم لن تجدي نفعاً، وستخسر المدينة أوالقبيلة في مغامرات غير محسوبة، المئات وربما الآلاف من أبنائها بلا طائل، وستحصد في مقابل ذلك حقد وكراهية باقي مكونات  الشعب الليبي لها، وسعيها المستمر للانتقام منها، إلا إذا اعتبرنا المكاسب الفردية أوالشخصية لهذا أوذاك  مبرراً لمثل هذه الافعال.

كما أن  الحكم الثيوقراطي الديني، لا مكان له على خارطة العالم اليوم، ولا أعتقد أنَّ دولة مثل أفغانستان أيام حكم طالبان، مثل  نَحتذي به، كما لا يجوز بأي حال من الاحوال  استغلال الدين من أجل السيطرة على عقول وحياة الناس، وفكرة أن الحاكم الديني هوظل الله على الارض، يُكفِّر هذا ويدخل الجنة ذاك، وفق أهوائه ونزواته هي فكرة مرفوضة من أساسها ولعب بالنار، وقد حاول بعضنا لعب هذه اللعبة معتقداً بأنه مُجيدٌ لها ومسيطر عليها، فشبَّت بسببه النار في أكثر من مدينة من مدننا، وما زلنا نعاني من ويلات ذلك إلى يومنا هذا وقد يستمر الالم والمعاناة من جرائه ذلك  لسنوات طويلة.

لتجاوز الأزمة، لا بد من جُلوس القوى المُؤثرة في المشهد الليبي وهي: مؤيدي 17 فبراير ومؤيدي النظام السابق والاسلاميين والعسكر، على طاولة مستديرة، وفتح حوار وطني جاد أساسه الصدق والشفافية وحسن النوايا... على الليبيين أن يتمسكوا بالخيار الوطني فهوالمخرج الوحيد لهم، وعليهم جميعاً أن يتنازلوا وأن يتخلوا عن رغباتهم الآنية وأن يركزوا جل اهتمامهم على التصالُح، من أجل المحافظة على وطنهم ووجودهم فيه، ومن أجل أهداف أبعد وأكبر وأكثر عُمقاً إلا وهي إقامة دولة مدنية تقوم على العدل والتعددية واحترام حقوق الإنسان، دولة تسعي من أجل رفاهية المواطن وسعادته فيها، بدون تفرقة بين عرق أوجنس أومدينة أوقبيلة.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع