مقالات

غسان عتيقة

العلاقات الليبية الامريكية… فيلاديلفيا اخرى؟

أرشيف الكاتب
2016/09/28 على الساعة 03:51

خلال حفل افطار رمضاني رعته غرفة التجارة العربية الامريكية بحضور السفارات االعربية في واشنطن (وغياب السفارة الليبية طبعا) تصادف جلوسي بالقرب من كبير مستشاري البيت الابيض  للشؤون القانونية وجرنا الحديث كالمعتاد - عندما ذكرت ليبيا - عن تلك الارض البعيدة القريبة و هموم مواطنيها. يبدوا اني ارتكبت خطأ شنيعاً وسط حديثنا بقولي: "ربما لن يتذكر الكثير من الليبيين من عهد اوباما شيئا الا تركه لبلادهم تحترق ببطء شديد جداً" (!!)

رد السيد مستشار اوباما بنبره نصف تهكمية: "اعتقد ان هناك مشكلة عويصة لنا… الكل يلومنا عندما تتدخل ويلومنا ايضا عندما ننسحب او لا نتدخل اصلا...نعم نحن لا نمتلك الحلول السحرية للعالم و نرتكب بعض او الكثير من الاخطاء في الشرق الاوسط لكن عندنا من المشاكل الداخلية والاولويات الخارجيه التي يصعب معها التورط اكثر في ليبيا... تدخلنا فقط بطلب من الامم المتحدة والجامعة العربية ولم نقتل القذافي ولم نتسبب في اندلاع الحرب الاهلية...لسنا وصايا على ليبيا...ويجب على الليببين… الخ… الخ… الخ" (!)

خفت حراراة النقاش مع تقديم اول المقبلات الشرقية امامنا مع حوالي الساعة العاشرة الا ربع مساء وتحول الحديث حول شطحات ترامب وتوابع علاقات الولايات المتحدة مع العالم العربي في حالة فوزه مع وضع صحون المشاوي امامنا وتمازج الاصوات وقرقعات الصحون المختلطة بلهجات الدبلوماسيين الصوماليين واليمنيين قربنا ولهجات عراقية ومصرية وعربية اخرى من الجهه الاخرى.

نعم لقد لخص مستشار البيت الابيض قصة امريكا مع بلدنا حسب مؤشر مصالحها… لاحظ كيف تغيرت الاولويات مع التدخل الامريكي في مدينة سرت لدعم قوات البنيان المرصوص مع اشتداد الحملة الانتخابية الامريكية واتهامات الجمهوريين لهيلاري كلينتون والديمقراطيين بانتشار داعش في ليبيا بسبب سياسات كلينتون عندما كانت وزيرة الخارجية والتي قيل انها هي اقنعت اوباما بالتدخل في المستنقع الليبي والذي وصل من السوء لخروج اصوات من معاهد ابحاث امريكية تحاول تبرير ان تقسيم البلاد بشكل او اخر هو افضل طريق لانقاذ ليبيا (!!!)

حول تقسيم البلاد، كتبت فريدريكا سايني - الباحثة الايطالية في الشؤون الخارجية في مركز  (القرن الواحد والعشرين لشؤون الامن والاستخبارات) التابع لمعهد (بروكينجز الامريكي) -  كتبت ان "وفقاً لما اكتشفه الإيطاليون خلال فترة استعمارهم لليبيا، ولما اكتشفته داعش حين احتلت مدينة سرت، ولما اكتشفه المجتمع الدولي مؤخراً بأشكال متنوعة، ليبيا هي دولة مقسمة تقسيماً عميقاً. سيظلّ الليبيون العدو الأسوأ لأنفسهم”. وتسرد الكاتبة جميع اسباب الانقسام التاريخية والتي استفاد منها الاستعمار الايطالي في عشرينات القرن الماضي للانتصار عليهم بسياسة "فرق تسد" الرومانية القديمة… وتتوقع في نهاية مقالتها بقاء الليببين العدو الاسوأ لأنفسهم - "إلا إذا تمكنوا، بالشراكة مع المجتمع الدولي، من التوصل إلى نموذج سياسي يستفيد من تنوعهم بدلاً من أن يحاول إلغاء هذا التنوع" اي ربما النظام الكونفيدرالي في احسن الاحوال…! (رابط للإطلاع)

جميل… لو سلمنا بصحة وجهة نظر الكاتبة الايطالية المستلهمة من تجارب اجدادها في ليبيا لتصل لهذا الاستنتاج "الليبيين اكبر اعداء انفسهم" فهل نجد من انفسنا في الواقع ما يدحض وجهة نظر الكاتبة؟ ما هو العامل الذي قد يوجد الليبيين مرة اخرى وكيف من الممكن استغلال علاقاتنا الدولية وخصوصا مع الولايات المتحدة لانجاح ذلك؟

الكثير يعوز كوارث ليبيا الحالية الى مؤامرة امريكية اخوانية خبيثة لكن من المهم الاعتراف باهميه فهم نظرة الولايات المتحدة لعلاقاتها الخارجية وكيف استفادت عشرات الدول من هذه العلاقة لصالحها بطريقة متوازنة لدعم اقتصادها وامنها بما فيها دول الخليج العربي. قد يجادل البعض على اهمية التقرب من روسيا والصين على حساب الولايات المتحدة او الاتحاد الاوروبي بسبب مواقف سياسية معينة.

لا احد يغفل تشابك العلاقات بين بلادنا وارض العام سام منذ دخولها في اول حرب دولية في  تاريخها معنا "حرب السنوات الاربع" او "الحرب الطرابلسية" التي طبعت في الذاكرة الامريكية مع نشيد المارينز "The Shores of Tripoli". تخليدا لاول ارض تحتلها امريكا خارج اراضيها (مدينة درنة) بتعاون من شقيق يوسف باشا الطامع بعرش طرابلس انتقاما لكرامة امريكا و خصوصا بعد حادثة اسر "الـفـرقـاطـة" فيلاديلفيا.(!) (رابط للإطلاع)

مع منتصف القرن الماضي اقترنت العلاقة مع الولايات المتحدة  بالوجود العسكري والاهتمام النفطي بليبيا منذ استقلال البلاد من الاستعمار الايطالي مرورا بقطع العلاقات وسلسلة المواجهات المسلحة والعقوبات الاقتصادية في الثمانينيات والتسعينات وبعض الانفتاح المتاخر في العقد الاخير لحكم العقيد القذافي (بعد تسليم اسلحة الدمار الشامل وتسوية لوكربي) الحكم الذي انتهى بدك مئات صواريخ التوماهوك وطائرات الفانتوم والاباتشي لمقراته ودفاعاته حتي مقتل العقيد في مسقط رأسه في خريف عام 2011.

الكثير يتهم بدعم الولايات المتحدة للاسلاميين في ليبيا بحكم قوة اللوبي الاخواني في واشنطن؟ ربما ولكن لا اعتقد ان ليبيا تحتاج الصين وروسيا بقدر احتياجها للولايات المتحدة و اوروبا على المدى المتوسط والبعيد. نحتاج الى نقل وتوطين خبراتهم في كل المجالات كما نحتاج الى اسواقهم ايضا وقد نحتاج لحمايتهم من شرور الزمان والجيرة ربما! ربما تقع امريكا في الاولوية حتى قبل الاتحاد الاوروبي الذي يبدوا انه داخل مرحلة البحث عن الذات بعد التصويت البريطاني لتركه وما تحتاج اليه ليبيا هو شريك قوي لها تواجه به التحديات القادمة والتي اقل ما يقال عنها انها “مصيرية”.

من المؤشرات الايجابية لهذه العلاقة هو فرص استغلال الدعم الامريكي لمخرجات اتفاق الصخيرات لتوجيهه نحو تحسين الحياة اليومية للمواطنين التي تضررت كثيرا خصوصا منذ اندلاع الحرب الاهلية الثانية صيف 2014 وتفاقمت منذ وصول حكومة الوفاق للعاصمة المعزولة عن العالم منذ سنوات للاسف الشديد.

الواقع الذي يجب ان يعيه جميع المسؤولين انه لا قيمة فعلية لاي اتفاق سياسي ولا حتى تصوير تذكاري مع زعماء العالم اجمع لو لم ينعكس كل ذلك ايجابا على الحياة اليومية للمواطنين خصوصا مع  توفير خدمات الكهرباء والماء والرعاية الصحية بشكل عاجل. هذا ما يجب على من يتحدث عن الدعم الدولي له العمل على توفيره بكل الوسائل وعدم التردد من الطلب من الدول الداعمة وخصوصا الولايات المتحدة والتي يبدو انها تريد ان ترى نصف نجاح يتحقق في المشهد الليبي اليوم قبل الغد!

اي دعم عاجل اليوم سيقابله فرص مستقبلية واعدة للاستفادة من الخبرات والضمانات المالية الامريكية التي بنيت عليها الكثير من جوانب صناعة النفط في بلادنا لتمتد لتعجيل اعادة تأهيل قطاعات اخرى بالاضافة الى العمل على ايجاد علاقة استراتيجية مبنية على حماية المصالح المشتركة والتي قد تساهم في اعادة بناء ليبيا موحدة بمصالح ومنافع متبادلة بين ابنائها هذه المرة بعد تمزق النسيج الاجتماعي برصاص الحروب الاهلية المتتالية منذ 2011 لليوم.

نعم ليبيا تعاني من ازمة مالية خانقة اليوم لكن هناك امتيازات نفطية لشركات امريكية في ليبيا التي تمتلك اكبر احتياط نفطي في افريقيا يقارب من 4% من احتياط العالم  حيث قدرت وكالة الطاقة الامريكية ان ليبيا تحتل المرتبة الخامسة عالميا في احتياط النفط الصخري بعد روسيا والصين والارجنتين مما قد يرفع احتياط النفط الليبي المقدر سابقا بـ 48 مليار برميل الى 74 مليار برميل ويرتفع العمر الافتراضي لانتاج النفط الليبي الى 112 سنة - حسب ما اقتبس من تقرير واقع النفط الليبي خلال عام 2016. (رابط للإطلاع)

لنضع المشاعر الوطنية الفياضة جانبا ولنقف قليلا مع انفسنا… الى اين نحن ذاهبون  خلال الـ 24 شهرا القادمة؟ لا اعتقد ان "الهـاويـة" هي الاجابة الصحيحة لو فكرنا ببراجماتية تهدف للتوحد على نظام "يحفظ تنوعنا" (او كما قالت الباحثة الايطالية) من شرق وجنوب وغرب الوطن. نظام قد يحدد معالم مصالحنا المتبادلة بين مناطقنا  المختلفة من جهة ومصالح وطننا المتبادلة مع العالم "الحر" اولا  بمبدأ المنافع المتبادلة ومحاولة إعطاء "حسن النوايا" فرصة اخرى… اخيرا، سؤال برئ، ماهي مشاغل فريق السفارة الليبية في واشنطن هذه الايام بالضبط؟

غسـان عتيقـة
نيويورك 28/9/2016

نورالدين خليفة النمر | 03/10/2016 على الساعة 16:06
كما وعدتك سأكتب 3
البحث عن البوصلة في رمال الفوضي مهمة كتّاب شباب مثلكم انت وتقريبا عمر فركاش وربما حافظ الغويل الذي أنقطع عن الكتابة في مجاله وغاب فيما يشبه البيات الشتوي الفكري !أي الكتاب الذين درسوا اكادمياً في الغرب ولم يلوّثهم الفساد والفساد الذهني الليبي . اما حكاية فيلادلفيا الأميركية ـ الليبية التي هي موضوع كتابتنا فسنترك الحديث عنه بتوسع في مناسبة أخرى عندما تكتب لنا فيه مقالاً طريفاً أخراً فاإلى ذلك الحين هذا إميلي Nureenemer@gmail.comويمكنك مكاتبتي لنتكلم على راحتنا لأن بحر حسن الآمين فيه كلاب وليس كلباً واحداً والسلام
نورالدين خليفة النمر | 03/10/2016 على الساعة 15:42
كما وعدتك سأكتب
الذي تفتقده الكتابة السياسية العربية كُتّاب يكتبون في السياسة من رؤية الأقتصاد أي ما يسمى تقريباً"الأقتصاد السياسي"،ليبيا تقريباً من العهد القرمانللي دولة ريع تجارة وبعدها قرصنة بحر إلى توقف الأستعمار ثم إستئناف بإستخراج النفط تكرست دولة مال ومال فقط كيف يمكن التصرف به في الملكية وكيف يمكن تبذيره في عبث الجمهورية والجماهيرية .2011 "الثورة"! ضاعت بوصلة التصرف في المال لأن المال ضاع في غيب الفوضى .
نورالدين خليفة النمر | 03/10/2016 على الساعة 15:28
كما وعدتك سأكتب .
أستاذ غسّان المحترم أنا أقرأ مقالات المواقع الليبية منذ نشأتها وتقريباً مذ كانت "نُطفة" أي عام1997البدايات بالأنجليزية للموقع الرائد "ليبيا وطننا" .وفي موقع ليبياالمستقبل أقرأ تقريباً لجميع الكُتاب ولاأهتم إلا بقراءة تقريبا كاتب واحد هو السيّد "بشير السنّي المنتصر" متعه الله بالصحة واليقظة لماذا لأنه يكتب عن واقعنا بمنظارواقع سياسي مضي ـ ليس فقط سمع عنه ـ بل عاشه شخصاً وفكراً كرجل دولة (شاب) في زمن رجال دولةمخضرمين وصنّاع سياسة حقيقيين بغضّ النظر عن مستوى الآداء الذي يجب الحكم عليه بالظروف الموضوعية المتاحة وقت ذاك .
hisham | 29/09/2016 على الساعة 14:29
المتغطي بامريكا عريان ياغسان
المتغطي بامريكا عريان ياغسان. ولك في شاه ايران وصدام والقذافي وحاليا ال سعود خير دليل....الاعتماد على النفس والجد والكبرياء هي الحل الوحيد مع الاستفادة من تجارب الاخرين والتعلم منها
Ghoma | 28/09/2016 على الساعة 23:48
Philadelphia was a Mistake Worth Learning From
When a country is in crisis, it's better to keep the biggies at large. Involving the greats when the country is trying to pull its squabbling fragments together is only adding salt to injury and making things worse. There'll be a time when bilateral and multilateral relations of mutual cooperation, but right now the priorities are internal politics: of how to reconstruct a fractious country. Libyans are not in a zoo, where the zoo-keeper would change their behavior by increasing or decreasing services and the like, let's be realistic. Parroting and mimicking Western media, in its even less than fly-by reporting, or some Italian-cum migrant to make sense of realities out of her range of comprehension, nor listening to her advice is going to make Libyans sing kumbaya and forget about their miserable history with all its long sufferings. Thus keep Americans, Russians, and the other little fishes out of Libyan aquarium, oops! deserts. Thanks. Ghoma
طالب علم | 28/09/2016 على الساعة 17:10
قفز على الحقائق
هل غض البصر عن الجرائم الانسانية التي يقوم بها المشير المواطن الامريكي الليبي لا يعتبر تدخل في ليبيا؟ و هل صدفة تعطيل كتابة الدستور عن طريق المواطن الاخر الليبي الامريكي حتى تتأزم الامور ؟ سيناريو ليبيا اعادة لسيناريو مصر مع اختلاف بعض التفاصيل ... شجب الانقلاب في مصر و سمي بالبطة السوداء من قبل ماكين ثم اتضح ان البطة السوداء صناعة امريكية ..
نورالدين خليفة النمر | 28/09/2016 على الساعة 10:08
تكرار فلادلفيا الليبية
أستاذ غسّان تحية لك .. قرأت مقالك قراءة أولى ..(أنا) تقريباً فيلسوف أو "فلفسون" باللهجة الليبية التي تكره الفلسفة وعلمّها القذافي بأن تهزأ بها فأطلق عليها إسم "التفسير" ثم صار إسمها "الفسّري" وأُلحق بفعل ضرب فصارت "ضرب الفسّري" انا تقريبامنتسب على الريحة للمدرسة الألمانية والدليل عندي منها كاغط أو شهادة مختوم عليها إني خُريج فلسفة .. عموما أنا عندي تعليقات وليس تعليق واحد لكنني سأنتظر إذا لم يعلّق على مقالك الثمين معلّق عندها سأضطر أن أكتب تعليقي .. عموماً لي مقال منشور بعنوان "توّهمات الفوضى" تحت مقالك ألقي عليه نظرة ربما يجيب على فزورة "فلادلفيا" الأميركية المأسورة التي صورتها محترقة أرفقتها بمقالي على صفحتي الخاصة على الفيس بوك . إذن كما يقول الألمان نشرب شاي وننتظر لعلم أحدهم يكتب تعليقاً على مقالي ومقالك.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع