مقالات

جمال صالح الهنيد

شياطين مدينة درنة!

أرشيف الكاتب
2016/06/21 على الساعة 02:04

كانت بيني وبين السيد عبدالحميد بن حليم (العرم) رحمه الله صحبة في ديار الغربة بأميركا، وكانت صحبتنا إمتداداً لصحبته بأبي رحمه الله...  فما أن قدّر الله لنا اللقيا وعرف إنني ابن صالح خيرالله الهنيد حتى توطدّت أواصر علاقتنا وكنت على تواصل دائم معه بالهاتف وكنا نلتقي في المؤتمرات السنوية التي تقيمها الجمعيات الإسلامية وكنت حريصا على سماع أحاديثه الممتعة الشيقة أكثر من حرصي على سماع محاضرات العلماء ضيوف المؤتمرات، لأنه كان بالإمكان شراء أشرطة المحاضرات، أمّا طرائف وحكايات الحاج عبدالحميد فكانت لا تتكرر في المجلس وكانت كبرق شكع في ظلمة الليل، فلاح للناظر ثم أختفى أو كقوس قزح ارتسم بألوانه الزاهية الجميلة المميزة في كبد سماء مشمسه بعد مطرة ندية، فسعدت برؤيته العين ثم تلاشى.

وكانت للحاج عبدالحميد مكانة في سويداء قلبي ومعزّة بين تضاعيف فؤادي، ليس فقط بِراً بوالدي إمتثالاً لأمر النبي في حديثه: "إنَّ من أبرّ البر أن يُكرِم الرجلُ صاحبَ ود أبيه" بل أيضا لتآلف أرواحنا وتقارب أفكارنا رغم فارق السن... ولا يزال كتاب "الشفاء في أحوال المصطفى" للقاضي عياض الذي أهدانيه  كتاباً أفتخر باقتنائه لأنه منه، ولا أزال أذكر قوله ساعة أن أعطانيه: "إنّ أفضل ما يهدي صديقٌ صديقَه كتاب... وإن أفضل من أتمناك أن تتأسى به يا جمال هو صاحب هذا الكتاب قاصدا بقوله ذاك المصطفى صلى الله عليه وسلم.".

في إحدى جلساتنا معاً في بهو الفندق بين محاضرات المؤتمر روى لي رحمه الله هذه القصة الحقيقية. قال: عندما كنت طفلاً صغيراً في درنة و كان جيلي من الأجيال الأوائل التى درست في المدارس الإيطالية، لا زلت أذكر حادثة و قعت لي وأنا في الصف الثالث الإبتدائي. 

قال: مررتُ بعد نهاية اليوم الدراسي وأنا أحمل شنطة الكتب بأحد دكاكين درنة فناداني صاحب المحل و كان جالسا أمام باب الدكان ومعه ثلة من خلاّنه، فقال لي: يا عبدالحميد ألا تتعلم أنت في المدرسة ؟ فأجبت: بلى. فسألني: وماذا يعلمونك في المدرسة؟ فأجبت: يعلموننا الحساب والقراءة باللغة الإيطالية ويعلموننا الدين ويحفظوننا سور من القرآن الكريم. فقال لي التاجر بفخر: ما شاء الله، تبارك الله... ما شاء الله... تبارك الله! والتفت يميناً ويساراً مسمّعاً أصحابه تبريكاته... فأخذني الزهو وانفرجت أساريري!!!

ثم أردف التاجر قائلا: إذن عندي لك سؤال واحد أريدك أن تجيبني عليه فقلت: هات،  فقال: كم عدد الشياطين التي خلقها الله في الكون؟

قال الحاج عبدالحميد: فتعثلمت...  ولم أجد رداً... فقلت له معتذرا: والله ما علمونا شيئاً من هذا في المدرسة، فردَّ التاجر: أتحب أن تعرف عدد الشياطين التي خلقها الله؟ فأجبته بنعم! فقال: لقد خلق الله مئة شيطان... كلها تعمل على إفساد البشر وإضلالهم  ثم استطرد سائلاً: أتعرف أين تعمل هذه الشياطين؟ فقلت لا. فرد التاجر: أتحب أن تعرف أين تعمل؟ فأجبته متلهفاً بنعم. فقال: تسعة وتسعون شيطان تعمل في درنة وشيطان واحد متكفل ببقية العالم... ولا ينام هذا الشيطان كل ليلة إلاّ في درنة.

فضحكنا سويا... ثم قلت له حين استرددتُ نَفَسي من الضحك: والله يا حاج عبد الحليم أرى أن تاجرك ذاك مدح درنة و لم يذمها و إن بدا للسامع عكس ذلك.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع