مقالات

البانوسي بن عثمان

عن المُدن، والمُدن الحواضر بليبيا (مُقاربة حوّل بنغازي عاصمة)

أرشيف الكاتب
2016/09/26 على الساعة 02:10

في تقديرى، ان المدن تتقاسم مع الكائن البشرى، اشياء كثيرة، فظروف الولادة ومحيط النشّأة، تتدخل ليس قليلا في رسم الخطوط العريضة لشخصية هذا الكائن او تلك المدينة. وتنعكس هذه، امام الناظر والمُتتبع على سلوك تلك المدينة او ذلك الكائن، في كيف تعاطيهما مع كل ما يسّتجدْ على ايقاع حياتهما الرتيب، الذى يضبطه، وتنّتظمه تلك الخطوط العريضة التى تمحّورت عليها شخصياتمها. فنجد وللتوّضيح، ان الجغرافيا الاجتماعية القريبة والبعيدة التى تحيط بالمدينة،  لها اليد الطُولي في رسم شخصية جُل المدن، التى ظهرت الى الوجود في ضرف ولادة طبيعية.

وهذه (المدن الحواضر) كما اسميها، تكون وفى الغالب انعكاس مُتطور ومُتقدم اجتماعيا، ثقافيا، واقتصاديا لمحيط جغرافياتها الاجتماعية القريبة والبعيدة، ولهذا، ففى (المدن الحواضر) التى اتت الى الوجود على نحو طبيعي، لا يُصادف رُوادها وزوارها والنازحون اليها من محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، ولا يشّعرون بالغُربة تحتويهم بين ظهرانيّها، بل تتولى هذه (المدن الحواضر)، بالتفاعل معهم على نحو إيجابي، باحتضانهم بحنو بالغ، وبود ظاهر.  وربما اشتقاق اسم مرادف لمدينة بنغاري بـ (ربّاية الدايح)، يختصر كل ما قلته في الكلمات السابقة.

وهذه (المدن الحواضر) لا تسّتنكف ايضا، عن شجب ورفض - سلبا او ايجابا - ما تراه لا يتوافق مع بُناها الفوّقية، التى تشكّلتْ بتفاعل ديناميكي ما بين العُرف والعادة والدين، وما يضم جديد العصر، من مُنتج مادى او معنوي. وربما شاهدنا على ذلك، في عندما دفع القذافي مع بداية ثمانين القرن الفائت، بأحد مُرِدييه (احمد مصباح) واطلق يده بمدينة بنغازي، فذهب هذا، نحو استباحة المدينة بالمداهمات وما يُرافقها من شطط. فلم تسّتسيغ بنغازي المدينة ذلك السلوك، ولم تقّبله، فاعترضت، فَوُجِد هذا المصباح مرّميا بأحد مقابرها.  

فهذا (الحمد مصباح) عندما تخلى عن مرجعّتيه الاجتماعية الثقافية، التى كانت تضبط سلوكياته وتفاعلاته داخل المدينة، وتلبّس شخصية اِعتبارية اخرى، تتخذ الفوضوية مرجعية لها، والتى تقول باسّتباحة وهدم كل شيئي. استفز بذلك المدينة، فاعترضتهْ في سلوكه، فرمت به خارج الزمن. وهذا لا يختلف في شيئي، عما نشاهده في يومنا هذا، عندما استنفرت مدينة مصراته محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، وتحركت به نحو سرت، لضبطها ونشر الامن فيها.

عندما صارت هذه السرّت، بفعل (الدواعش) مركزا لنشر الفوضى بالذبح والتفجيرات والتقّتيل والتخريب، وصارت الحياة بفعل هؤلاء الدواعش غير آمنة، ليس في البلاد فقط، بل فى الاقليم والمنطقة برمّتها. فهذه المدن الحواضر سالفة الذكر، والتى جاءت الى الوُجود عبر ولادة طبيعية، تستطيع ان تختزل، بل تختزل وعلى نحو متطور وسلس محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، كما نشاهده ماثلا امامنا في مدينة بنغازى حاضرة الشرق، وفى حاضرة الوسط مصراته، وفى الزاوية حاضرة غرب البلاد.

ولكن وفى المقابل، لا نستطيع ان نقول عن (سبها) ما بعد سبعينات القرن الفائت، بانها حاضرة الجنوب، وقد نقول عنها مدينة سبها وفقط، او نقول كبرى مدن الجنوب الليبي، لأنها وبإجاز شديد، لا ينسحب عليها مواصفات المدن الحواضر. ففى تقديرى، بان سبها الحاضر تصادف صعوبة كبيرة على التآلف مع محيط جغرافياتها الاجتماعية، فهذا المحيط الاجتماعي القريب والبعيد، والذى يطوق المدينة، كان ودائما  يشْعر بشك وريبة نحو مدينة ما بعد السبعينات. لأنه يراها، كيان هجين، جاء على انقاض (حاضرة الجنوب) سبها ما قبل السبعينات، بفِعل الهجرات المتتالية المنظمة والمُبرمجة من دول جنوب الصحراء، التى انهالت على المدينة، فنسفت  بنيتها الديمغرافية، واعادت بذلك تشّكيل شخصية المدينة على نحو تعسّفي، فعزلتها عن محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، فصارت المدينة بذلك - وفى نظرهم - كيان هجين غريب،  يَسْبَح في محيط اجتماعى يرّفضه.

اما عندما يلج المتتبع والمراقب الليبي، طرابلس المدينة، لا يجد صعوبة في الاحساس، بأنها ليست نتاج تفاعل المدينة مع محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، فطرابلس تنحو ودائما الى تطّويع زوارها وروادها والنازحين اليها، وضبطهم مع ايقاع حياتها الفرّداني، فانت بداخلها غريب، ولا اريد ان اقول بأنك رقم من جملة الارقام التى تجوب شوارعها وميادينها ودُورها وحدائقها، ففى تقديرى، بان هذا لا يجعل من طرابلس كُبرى حواضر البلاد، بل يجعل منها كُبرى مدن ليبيا، ولا اعتقد بأنني اذهب بالقول بعيدا، اِن قلت بان طرابلس، ومن واقع نمط حياتها وايقاعه، تكون اقرب الى مدينة متوسطية منها الى  اى شيئي اخر. ويَرّجع ذلك - وفى تقديرى - الى ان البحر هو من وضع الاُسسْ الاولى للمدينة، من خلال الفاتحين والتجار والمغامرين والغزاة والقراصنة، وهؤلاء في جلهم قساة جبارين، وقد يدفع سلوكهم الفض - وفى الغالب - محيطهم الاجتماعى الى الانطواء والفردانية، كنوع من انواع الرفض واسلوب من اساليب الدفاع السلبى.

ومع الزمن يصير هذا نمط وسيمة من سيمات خُلُق المدينة. وقد لاحظنا ظهور هذه السِيمَة على نحو فاقع، وجهرتا، عندما اطلق القذافي يد أحد اتباعه (الزاضمة) في المدينة، لترّويضها، واختبار قابلية تدّجينها،  فاستطاعت طرابلس التكّيف والتعايش مع الوضع الخشن، حتى تلاشى وذهب مع صاحبه.  

وايضا اقول، ان هذه المدن، التى وضع اُسُسها البحر وتدخل في صياغتها، لا تُظهر ارتياح كبيرا لليابسة، ويخامرها توَجّس نحوها، فنراها ولِمغالبة هذا التوجس، الذى يحتويها ويُقّلقها، تحيط كيانها ودائما بصور او جدار او تُقيم قلاع حولها او ما شابه ذلك، لإجهاض اى خطر قد تقدف به اليابسة نحوها. وكذلك نجد في اليابسة، ذات الشعور، الذى يجعلها لا ترتاح كثيرا، للمدن التى يتقياها البحر على شُطْآنها. وهذا ينّسحب على طبرق المدينة، وإن بوجه اخر،  فهذه قد ظهرت الى دنيا الوجود على اطراف مُعسّكرات الانجليز، زمن الحرب العالمية الثانية، ولهذا يراها الكثيرون، بانها ولدت ونشأة وترعرعت في حضن هذا الانجليزى.

لكن دعونا ندفع بحديتنا هذا الى الامام قليلا، لنقول بان المدن الحواضر، لو جِئنا بإحداها  لتكون عاصمة للبلاد، سيكون في ذلك مردود إيجابي على وطننا، وهذا يرجع الى الولادة والنشأة الطبيعية، التى اتت بها الى دنيا الوجود، وهى ذاتها، التى تشُدها وعلى نحو تلقائي الى محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، وهذا يجعل - وفى الغالب - كل ما تراه العاصمة مفيد وإيجابي لها، سيكون وبالضرورة كذلك على محيطها الاجتماعي القريب والبعيد. في حين ان  المدن التى اتت الى دنيا الوجود عبر ظروف صعبة، من حيت الولادة والنشّأة، قد تعجز هذه حتى عن ادارة ذاتها على نحو إيجابي، أعنى من خلال خلّق تفاعل منتج مع محيطها الاجتماعى القريب والبعيد، وبهذا ستكون عبأ على اوطانها اتنا الحاجة. لأنها ولكونها عاصمة تمتلك من القُدّرة ادوات ووسائل ما لا تمّتلكه غيرها من مدن البلاد، واستناد على ما سبق، ستعْجز المدينة عن ادارته وتوّظيفه على نحو وطنى، سوى قبل المحن اواتنا الازمات، مما سينعكس سلبا عليها وعلى محيطها، الذى لا ترّبطه بها رابطة تأسيسية من قريب او بعيد.

وانا هنا - وفى تقديرى - اقول، بان من المُفيد لليبيا ان تتخذ لها عاصمة من (حواضر مُدنها)، وليس من مدنها وفقط. وسيكون من الجيد، وللضرورة والحاجة الليبية، لو وقع الاختيار على  مدينة بنغازي ان تكون العاصمة. وهذا يأتي الخطوة المكملة، لتقّعيد وتثبيت وتجدير البلاد، داخل امتدادها الموضوعي، الذى حدده الواقع الجغرافي، الديمغرافي، الثقافي الليبي، بداخل الفضاء المغاربي المتوسطي. وستكون وفي هذا، مدينة طرابلس العاصمة الاقتصادية للبلاد بدون منازع.

البانوسى بن عثمان
الجنوب الليبيى فى 14-9-2016م

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
صلاح | 05/10/2016 على الساعة 16:41
العاصمة الاقتصادية تفرض نفسسها بعملها
العاصمة الاقتصادية تفرض نفسها بعملها وجهد أبنائها وبموقعها الاستراتيجي وعمل أهلها وحبهم للعمل وهدا لا يتوفر بمدن لبييا الا بمصراتة التي ينشط بها القطاع الخاص وتحتضن أكبر المجمعات الصناعية بالقطاعين العام والخاص
عادل | 28/09/2016 على الساعة 12:32
بنغازي هي العاصمة الاقتصادية
بنغازي تتوسط قارات العالم الثلاث وتتحكم في الملاحة الدولية البحرية والجوية وقريبة جدا من الحقول والمواني النفطية وهي تربط بين المشرق والمغرب العربي واوربا وافريقيا يعني لنغازي هي المكان المناصب للعاصمة الاقتصادية
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع