مقالات

البانوسي بن عثمان

عن المُدن، والمُدن الحواضر

أرشيف الكاتب
2016/09/15 على الساعة 04:30

في تقديرى، ان المدن تتقاسم مع الكائن البشرى، اشياء كثيرة،  فظروف الولادة ومحيط التنشئة، تتدخل ليس قليلا في رسم الخطوط العريضة لشخصية هذا الكائن او تلك المدينة. وتنعكس هذه، امام الناظر والمُتتبع على سلوك تلك المدينة او ذلك الكائن، في كيف تعاطيهما مع كل ما يسّتجدْ على ايقاع حياتهما الرتيب، الذى يضبطه، وتنّتظمه تلك الخطوط العريضة التى تمحّورت عليها شخصياتمها. فنجد وعلى سبيل التوّضيح، ان الجغرافيا الاجتماعية القريبة والبعيدة التى تحيط  بالمدينة، لها اليد الطُولي في رسم شخصية جُل المدن، التى ظهرت الى الوجود في ضرف ولادة طبيعية. وهذه (المدن الحواضر)تكون وفى الغالب انعكاس مُتطور ومُتقدم، اجتماعيا، ثقافيا، اقتصاديا، لمحيط جغرافياتها الاجتماعية القريبة والبعيدة، ولهذا، ففى (المدن الحواضر) التى اتت الى الوجود على نحو طبيعي، لا يُصادف رُوادها وزوارها والنازحون اليها من محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، ولا يشّعرون بالغُربة تحتويهم بين ظهرانيّها، بل تتولى هذه المدن الحواضر، بالتفاعل معهم على نحو إيجابي، باحتضانهم بحنو بالغ، وبشفقة وبودْ ظاهر.

وربما اشتقاق اسم مرادف لمدينة بنغاري ب(ربّاية الدايح)، يختصر كل ما قلته في الكلمات السابقة. فهذه المدن الحواضر لا تسّتنكف ايضا، عن شجب ورفض - سلبا او ايجابا - ما تراه لا يتوافق مع بُناها الفوّقية، التى تشكّلتْ بتفاعل ديناميكي ما بين  العُرف و العادة و الدين، وما يضم جديد العصر، من مُنتج مادى او معنوي. وربما شاهدنا على ذلك، عندما دفع  القذافي مع بداية ثمانين القرن الفائت، بأحد مُرِدييه (احمد مصباح) واطلق يده بمدينة بنغازي، فذهب هذا، نحو استباحت المدينة  بالمداهمات وما يُرافقها من شطط. فلم تسّتسيغ بنغازي ذلك السلوك، ولم تقّبله، فاعترضته، فَوُجِد هذا المصباح مرّميا بأحد مقابرها.

فهذا (الحمد مصباح) عندما تخلى عن مرجعّتيه الاجتماعية الثقافية، التى كانت تضبط سلوكياته وتفاعلاته داخل المدينة، وتلبّس شخصية معنوية اخرى، تتخذ الفوضوية مرجعية لها، والتى تقول باسّتباحة كل شيئي. استفز بذلك المدينة، فاعترضتهْ في سلوكه، فرمت به خارج الزمن.

وهذا لا يختلف في شيئي، عما نشاهده في يومنا هذا، عندما استنفرت مدينة مصراته محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، وتحركت بهم نحو سرت، لضبطها ونشر الامن فيها. عندما صارت هذه السرّت، بفعل (الدواعش) مركزا لنشر الفوضى بالذبح والتفجيرات والتقّتيل والتخريب، وصارت الحياة بفعل هؤلاء الدواعش غير آمنة، ليس في البلاد فقط، بل فى الاقليم والمنطقة برمّتها.

فهذه المدن الحواضر سالفة الذكر، والتى جاءت الى الوُجود عبر ولادة طبيعية،  تستطيع ان تختزل، بل تختزل وعلى نحو متطور وسلس محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، كما نشاهده ماتل امامنا في مدينة  بنغازى  حاضرت شرق البلاد، وفى حاضرت الوسط مصراته، وفى مدينة الزاوية حاضرت غرب البلاد.  

ولكن وفى المقابل، لا نستطيع ان نقول عن(سبها) ما بعد سبعينات القرن الفائت، بانها حاضرت الجنوب، وقد نقول عنها مدينة سبها وفقط، او نقول كبرى مدن الجنوب الليبي، لأنها وبإجاز شديد، لا ينسحب عليها مواصفات المدن الحواضر. ففى تقديرى،  بان سبها الحاضر تصادف صعوبة كبيرة على التآلف مع محيط جغرافياتها الاجتماعية، فهذا المحيط الاجتماعي القريب والبعيد، والذى يطوق المدينة، كان ودائما  يشْعر بشك وريبة نحو مدينة ما بعد سبعينات القرن الفائت. لأنه يراها، كيان هجين، جاء على انقاض (حاضرة الجنوب) سبها ما قبل السبعينات، بفِعل الهجرات المتتالية والمنظمة من دول جنوب الصحراء، التى انهالت على المدينة، فنسفت بنيتها الديمغرافية، واعادت بذلك تشّكيل شخصية المدينة على نحو تعسّفي، فعزلتها عن محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، فصارت المدينة بذلك - وفى نظرهم - كيان هجين غريب، يَسْبَح في محيط اجتماعى يرّفضه.

اما عندما يلج المتتبع والمراقب طرابلس المدينة، لا يجد صعوبة في الاحساس، بأنها ليست نتاج تفاعل المدينة مع محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، فطرابلس تنحو ودائما الى تطّويع زوارها، روادها، والنازحين اليها، وضبطهم مع ايقاع حياتها الفرداني، فانت بداخلها غريب، ولا اريد ان اقول بأنك رقم من جملة الارقام التى تجوب شوارعها وميادينها، ففى تقديرى، بان هذا لا يجعل من طرابلس كُبرى حواضر البلاد، بل يجعل منها كُبرى مدن ليبيا، ولا اعتقد بأنني اذهب بالقول بعيدا، اِن قلت بان طرابلس، ومن واقع نمط حياتها وايقاعه، تكون اقرب الى مدينة متوسطية من اى شيئي اخر. ويَرّجع ذلك - وفى تقديرى - الى ان البحر هو من وضع الاُسسْ الاولى للمدينة، من خلال الفاتحين والتجار والمغامرين والغزاة والقراصنة، وهؤلاء في جلهم قساة جبارين، وقد يدفع سلوكهم هذا - وفى الغالب - محيطهم الى الانطواء والفردانية، ومع الزمن يصير هذا نمط وسيمة من سيمات خُلُق المدينة. ولاحظنا ظهور هذه السِيمَة على نحو فاقع، وجهرتا، عندما اطلق القذافي يد أحد اتباعه (الزاضمة) في المدينة، لترّويضها، فاستطاعت طرابلس التكّيف مع الوضع الخشن، حتى تلاشى وذهب مع صاحبه.

وايضا اقول ان هذه المدن، التى وضع اُسُسها البحر وتدخل في صياغتها، لا ترتاح كثيرا الى اليابسة، ويخامرها توَجّس نحوها، فنراها ولِمغالبة هذا التوجس، الذى يحتويها ويُقّلقها، تحيط كيانها ودائما بصور او جدار او تُقيم قلاع حولها او ما شابه ذلك، لإجهاض اى خطر قد تقدف به اليابسة نحوها. وكذلك نجد في اليابسة، هاجس يُخامرها ويحّتويها، يجعلها لا ترتاح كثيرا، للمدن التى يتقياها البحر على شُطْآنها.

لكن دعونا ندفع بحديتنا هذا الى الامام قليلا،  لنقول بان المدن الحواضر، لو جِيئا  بإحداها  لتكون عاصمة للبلاد، ستكون ذلك ذي  مردود إيجابي على وطنها، وهذا يرجع الى الولادة والنشئة الطبيعية، التى اتت بها الى دنيا الوجود، وهى عًيّنها التى تشُدها وعلى نحو تلقائي الى محيطها الاجتماعي القريب والبعيد، وهذا يجعل ما تراه العاصمة مفيد وإيجابي لها، سيكون وبالضرورة كذلك على محيطها الاجتماعي القريب والبعيد. في حين ان المدن التى اتت الى دنيا الوجود عبر ظروف صعبة، من حيت الولادة والنشّئة، قد تعجز هذه حتى عن ادارة ذاتها، وستكون عبأ على اوطانها اتناء الحاجة  وفي معترك الازمات والمحن. لأنها وبإجاز شديد، ولكونها كعاصمة تمتلك من الادوات والوسائل، ما قد تَعْجز عن توّظيفه،  قبل المحن والازمات، او اتنائها على نحو إيجابي، مما سينعكس سلبا على محيطها، الذى لا تربطه بها رابطة تأسيسية من قريب او بعيد.

وانا هنا - وفى تقديرى - اقول، بان من المُفيد لليبيا ان تتخذ لها عاصمة من (حواضر مُدنها). وسيكون من الجيد، وللضرورة والحاجة الليبية، لو وقع الاختيار على  مدينة بنغازي ان تكون العاصمة. وهذا يأتى - في تقديرى - الخطوة المكملة، لتقّعيد وتثبيت وتجدير البلاد، داخل امتدادها الموضوعي، الذى حدده الواقع الجغرافي، الديمغرافي، الثقافي الليبي، بداخل الفضاء المغاربي المتوسطي. وستكون في هذا، مدينة طرابلس العاصمة الاقتصادية للبلاد بدون منازع.

البانوسى بن عثمان
الجنوب الليبيى فى 14-9-2016م

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
فائزة بن سعود | 17/09/2016 على الساعة 22:47
بنغازي عاصمة
يليق ببنغازي ان تكون عاصمة ولكن الاخوة في لجنة الدستور ساووها بسبها.... فارادوا عواصم ثلاث في مفارقة ربما مقصودة ليجئ من يرفض التعدد كليا ...ويعيد العاصمة الابدية الوحيدة على حد قولهم.....هل بنغازي ذات الثقل الديمغرافي(يفوق طرابلس في تنوعه واستقباله للغريب).... والسياسي(كل تاريخ ليبيا الحديث صنع فيها).... والثقافي(حركة المراة والطلاب و المجتمع المدني )....تتساوى مع سبها التي لا تؤثر ولا تتاثر؟؟؟ بنغازي كانت على مدى التاريخ الحديث ند لطرابلس وليست تابع... وهذه هي عقدة ليبيا.... بسبب البعد الجغرافي والنفور من الحكام صنعت بنغازي لنفسها ارثا معارضا حتى ايام الملك رحمه الله كانت مشاكسة مما جعله يستبدلها بالبيضاء القبلية عكس الدستور....المدينة المعارضة المفروض ان تجد لنفسها مكانا في القيادة بعد انتصار الديمقراطية... هذه هي طبيعة الاشياء... يمكن ان تكون عاصمة مؤقتة الى حين بناء عاصمة جديدة وسط البلاد تماما (ليست سرت طبعا).
ممتعض | 15/09/2016 على الساعة 14:10
ملامح وسمات
في المقال ملامح وسمات من جمال حمدان ، أسئ نسخها فجاءت مشوهة ، ولعل الهوة الفاغرة بين الأفكار المطروحة وأسلوب المعالجة وبين اللغة المتواضعة بل والساذجة حد الممتلئة أخطاءاً إملائية ، كافية للتدليل على إساءة النسخ .
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع