مقالات

غسان عتيقة

الشركة العامة للكهرباء: الى اين؟ (3)

أرشيف الكاتب
2016/09/14 على الساعة 01:49

ما مدى واقعية الدعوة لـ "تفكيك" الشركة العامة للكهرباء كحل بعيد المدى لمشاكل توليد الكهرباء؟... في البداية من الواجب تفهم طبيعة عمل الشركة لفهم مدى واقعية هذه الدعوة مقابل الوضع الحالي في ليبيا:

حسب الموقع الرسمي للشركة:

"أنشئت الشركة العامة للكهرباء بموجب القانون رقم17 لسنة 1984 ميلادي وتتولى تنفيذ المشاريع في مجال تشغيل وصيانة شبكات الكهرباء، ومحطات إنتاج الطاقة، وما يتصل بها من محطات التوزيع والتحويل، وخطوط نقل الطاقة وتوزيعها، ومراكز التحكم الكهربائية، وإدارة وتشغيل وصيانة محطات تحليه المياه في ربوع الوطن الغالي." كما تقوم الشركة "بإنشاء وتنفيذ ما يحال إليها من مشروعات في المجالات الموضحة آنفاً؛ كما تتولى الشركة تصنيع المعدات والمواد التي تستعملها بالتعاون مع الجهات المختصة. وتقوم الشركة بتقديم الخدمات العامة وخدمات المستهلكين في مجال الكهرباء مقابل الرسوم المقررة".

جميل، من النبذة اعلاه نرى ان الشركة تقوم بثلاث مهام رئيسية وهي:

1- انتاج الطاقة.
2- ادارة شبكات نقل وتحويل الكهرباء.
3- ادارة خدمات التوزيع للمستهلكين مقابل رسوم مقررة.

في نقاشنا هذا سيكون منصبا اولا حول فكرة احتكار انتاج الطاقة وخدمات التوزيع  من ناحية  مزاياها وعيوبها مقابل التحديات الامنية والمالية واللوجستية التي تواجهها الشركة العامة للكهرباء في السنوات القليلة القادمة:

مزايا احتكار انتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية:

بصفة عامة كانت عملية احتكار انتاج وتوزيع الطاقة احدى سمات الانظمة الاشتراكية والتي كانت ليبيا من دعاتها لبداية الالفية الحالية والتي تحمل في مزاياها توفير الطاقة الكهربائية للمستهلكين الافراد والجهات الاعتبارية بأسعار مدعومة بحيث وصل معدل استهلاك الفرد للكهرباء لـ 4,390 كيلووات/ الساعة في عام 2012  مقارنة بـ 1,277 كيلووات/ الساعة في الجزائر النفطية وبمعدلات اقرب لاستهلاك الفرد في اوروبا الوسطئ وبلدان البلطيق بشكل يدعوا للاعجاب والاستغراب في نفس الوقت!(1)

تصاعد الاستهلاك لحوالي الضعف ما هوعليه في بداية الالفية الثانية ( 2,220 ك وس للفرد في عام 2000) ترجع الى تحسن مستوى المعيشة وهبوط اسعار السلع الاستهلاكية والمعمرة مثل اجهزة التكييف لتصبح في متناول اعداد اكبر من المواطنين بحيث اصبحت الكثير من البيوت الليبية مجهزة بالعديد من اجهزة التكييف والسخانات الكهربائية التي لا يتطابق الكثير منها المواصفات الفنية المطلوبة من ناحية الاستهلاك الاقتصادي للكهرباء وبالتالي نتج عنها التصاعد الاضطرادي للاستهلاك. بعد احداث 2011 والى اليوم تفاقمت الظاهرة مع تزايد عمليات سرقة التيار الكهربائي في انارة المباني العشوائية وعدم دفع الفواتير حتى وصل الفاقد التجاري والفني الى 50% في عام 2013 (لا توجد بيانات متاحة للوضع الحالي اليوم).

في المقابل، اعتمدت الشركة العامة للكهرباء خطة شاملة منذ عام 2000 لزيادة انتاج الطاقة الكهربائية لنحو9000 ميجا وات مع العام 2020 (حسب معدل نموالاستهلاك منذ عام 2000) وذلك  بتطوير اوبناء العديد من محطات انتاج الطاقة باستخدام التوربينات الغازية خصوصا في شمال بنغازي، الجبل الغربي، مصراتة، الزويتينة والسرير، بالاضافة الى المحطات الاخرى التي لا زالت في طور الانشاء اوالتعاقد وتواجه العديد من التعقيدات بسبب الظروف الحالية. 

عيوب احتكار انتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية:

يبدومن السطور السابقة ان مزايا احتكار انتاج وتوزيع الكهرباء جيدة للمستهلك على المدى القصير ويصعب بعدها تعديد مزاياها امام الخسائر المليارية التي كانت تتحملها الموازنات العامة قبل هبوط اسعار النفط وتهاوي قدرات ليبيا التصديرية للنفط الخام وبالتالي نضوب ايرادت الدولة بشكل مرعب.

لواخذنا مثال من دولة اخرى كانت محتكرة لانتاج وتوزبع الطاقة الكهربائية وهي المملكة المتحدة، لنرى ان فترة احتكار الدولة منذ نهاية الحرب العالمية الثالية لحد حملة الخصخصة التي قادتها مارجربت تاتشر في الثمانينيات، كانت عملية ادارة الدولة لهذا القطاع لهدف حماية منتجي الفحم البريطانيين من منافسة الغاز الطبيعي للمكتشف في بحر الشمال في توليد الطاقة الكهربائية بالاضافة الى حماية المستهلك من تقلبات اسعار الفواتير. صاحبت هذه السياسة المشاكل التالية:

1- تدني جودة خدمات المستهلكين مع غياب ميزة مقارنة الخدمات المقدمة بين موزعي الكهرباء حسب السعر والجودة.
2- غياب الحافز لتحسين اداء وتكاليف انتاج الطاقة في ظل الحماية الحكومية.
3- سيطرة صانعي السياسات الحكومية على قطاع الكهرباء يغلب عليه قرارات اغلبها تخدم النتائج قصيرة المدى التي تخدم سياسات الحكومة لكسب رضا الناخبين على حساب اموال دافعي الضرائب لتغطية كل الخسائر التجارية المصاحبة لذلك.
4- غياب اي جهة تنظيمية رقابية مستقلة لحماية قطاع الكهرباء والمستهلكين من تضارب المصالح بين مسؤولي القطاع وصناع السياسات الحكومية كما اشير لها في النقطة السابقة.

يبدوا ان بعض هذه العيوب مشابهة للحالة الليبية مع اختلاف التفاصيل طبعا حيث ان في حالتنا قاد ما يبدوا انه صرف باذخ على قطاع الكهرباء الى غياب الحافز لتخفيف المصاريف التشغيلية المغطاة بمليارات الدعم السنوية رغم محاولات خجولة لحكومة شكري غانم لرفع الدعم التدريجي(حوالي 99% من الطاقة المنتجة تعتمد على الوقود الاحفوري من غاز الى نفط ثقيل(2) بتكاليف تشغيل سنوية تدخل في بند الدعم السنوي للدولة الليبية لقطاع الكهرباء واللذي وصل لمبلغ 10 مليار دينار(3) في ميزانية عام 2014.). مقابل ذلك تم التركيز على تطوير التوربينات الغازية لانتاج الكهرباء لمزاياه التشغيلية مقابل شبه اهمال للاستثمار في الطاقات المتجددة عكس دول مجاورة مثل الامارات والمغرب.

يبدوان ميزانية دعم الوقود المطلوب لتشغيل محطات توليد الطاقة تصل لاربع مرات تكاليف المصروفات التشغيلية والرأسمالية للشركة ومع ذلك لا تزال الشركة تسجل في خسائر تصل الى مليار دينار سنويا بسبب العجز عن تحصيل الفواتير المتاخرة هذا قبل احتساب الخسائر الاخرى والتي يصعب تحديدها مع غياب تقارير الشركة السنوية من موقعها الرسمي منذ العام 2012.لوحسبنا مجموع ما تم صرفه في دعم الوقود الخاص بانتاج الطاقة بحوالي 80 مليار دينار منذ العام 2006 لليوم (حوالي 57 مليار دولار)  مقارنة باسثمارات المغرب في الطاقة الشمسية (4) منذ العام 2009، لاصبحت ليبيا اكبر منتج للطاقة الشمسية على كوكب الارض بحوالي  13.000 ميجا وات في السنة الواحدة!

باختصار، يصعب تحديد خسائر الشركة العامة للكهرباء ومستقبلها في هذه الضروف الصعبة، لكن قد تكون هذه الظروف نفسها الحافز لاعادة هيكلة قطاع توليد الطاقة وتحويلها لمحرك للاقتصاد الليبي برمته واحد بدائل النفط بسوق قد يصل قيمته الاجمالية لمئة مليار دولار اواكثر ليصبح اكبر مساهم في الناتج الاجمالي المحلي السنوي بخلق فرص ضخمة لانتاج الطاقة من قبل القطاع الخاص وخلق سوق لبيع الكهرباء لشركات التوزيع الخاصه اوذات المساهمة المشتركة وذلك عبر الخطوات التالية وجدول زمني يمتد بين خمس الى عشر سنوات من اليوم:

1- اتاحة الجمهور للاطلاع علي تقارير الشركة العامة للكهرباء السنوية الاخيرة بكل شفافية عبر موقع الشركة في الانترنت واعادة تقييم اصول وخصوم وقيمتها السوقية الحالية وقيمتها في حالة رفع الدعم السنوي عنها.
2- دراسة جدوى تفكيك الشركة الى ثلاث مؤسسات تابعة لوزارة الكهرباء كالتالي:

• شركة انتاج الطاقة الكهربائية بمجلس ادارة وميزانية مستقلة.
• شركة نقل وتحويل الطاقة بنفس الخصائص اعلاه مع الاختصاص بشراء الطاقة الكهربائية من الشركة اعلاه.
• شركة توزيع الكهرباء مهمتها شراء الكهرباء من الشركة اعلاه وبيعها باسعار القطاعي للمستهلكين.

3- في حالة تطبيق السينارواعلاه، العمل على كسر احتكار توزيع وانتاج الطاقة تدريجيا بااستحداث القوانين والاجرائات الملائمة لتمكين دخول المستثمر الوطني في هذا المجال بخطوات تدريجية كالاتي:

• تقييم شركة انتاج الطاقة الكهربائية وتحديد قيمتها السوقية وطرح نسبة من اسهمها للبيع والتداول مقابل استغلال الاموال التي تم جنيها من عملية البيع اما في تسديد ديون الشركة العامة للكهرباء اوفي اعادة استثمارها في انتاج الطاقة.

• تحديد مقاييس اسعار الوقود اللازم لانتاج الطاقة بعد رفع الدعم الحكومي بالكامل واعطاء الشركة حرية اختيار الموردين حسب الجودة والعرض والطلب.

• التوقيع علي اتفاقيات استحواذ على الانتاج اوofftake agreements  مع شركة نقل وتحويل الطاقة الكهربائية بطريقة تسمح لشركة انتاج الطاقة بتحديد توقعات تدفقتها المالية المستقبلية والتركيز في تحسين اداء تشغيل محطات الكهرباء لتحقيق هوامش ربح اكبر لمساهميها.

• دعم شركة توزيع الكهرباء باستحداث قوانين رادعة اوتقوية عمل شرطة الكهرباء لضبط المخالفين ولصوص التيار الكهربائي ومساعدة الشركة على استحداث الية محاسبية معالجة الديون المعدومة في حساباتها وتحديد هوامش الربح من البيع للمستهلكين لتمكنها من استقطاب المستثمرين اليها.

• في حال نجاح هذا النموذج يترك المجال لشركة انتاج الطاقة لبيع عدد من محطاتها لمستثمرين اخرين متخصصين في نفس المجال بشكل قد يسرع من وتيرة دخول الاستثمارات المحلية والاجنبية في هذا المجال.

• تشجيع شركات انتاج الطاقة علي الولوج في مجال انتاج الكهرباء من المصادر المتجددة مثل الشمس والكهرباء مع اعطاء مزايا ضريبية للمستثمرين في صناعة الالواح الشمسية وتوربينات الرياح في ليبيا للاسراع في قيام سوق محلي وافريقي واعد.

• تحديد استراتيجية وطنية تفسح المجال للربط الكهربائي الكامل مع القارة الافريقية واوروبا عبر صقليا لتصدير الطاقة النظيفة بدل المهاجرين!

4- اخيرا وليس اخرا  استحداث جهاز رقابي مستقل لتحديد المواصفات الفنية الملائمة واستحداث كل الاجراءات اللازمة لحماية المستهلك بنفس الاليات المتبعة في العديد من الدول التي خصصت قطاع الطاقة منذ عقود.

هذه الاقتراحات مستمدة من تجارب دول اخرى وتحتاج لنقاش وتمحيص وتدقيق من اهل الاختصاص والحكومة ( اوالحكومات!) المعنية ومجتمع رجال الاعمال والمصارف ومسؤولي الشركة العامة للكهرباء والعاملين بها لابداء اقتراحاتهم حول هذا الموضوع الحيوي... الهدف المنوط على وزارة الكهرباء ان تقود استراتيجية وطنية بعيدة المدى لتحويل قطاع لمحرك للاقتصاد الليبي برمته واحد بدائل النفط بسوق قد يصل قيمته الاجمالية لمئة مليار دولار اواكثر بدل ان يكون نزيفا مستمرا للخزانة العامة ومصدر تعاسة مع الانقطاعات المتواصلة للتيار الكهربائي والتي قد تصل الى اطفاء دائم لواستمرت الامور الحالية كما هي عليها ل24 شهرا اخرى!

السوال الاخر حول واقعية تطبيق هذه الافكار مع انتشار الفساد والفلتان الامني هوامر ابعد من مناقشته عبر صفحات الانترنت بل هواختصاص اصيل للدولة وجهازها التشريعي للقيام بدورهم  المطلوب (وباقي الجمل المكررة كالاسطوانة المشروخة اياها!).

كلمة اخيرة...اتمني من بعض الاطراف المتصارعة ومدعي الشرعية والدفاع عن مصالح الشعب الليبي المنكوب قراءة هذه السطور وتخيل كمية الفرص اللا متناهية (في ما وراء الهلال النفطي) التي لازالت امامنا جميعا لجعل ليبيا وطننا مزدهرا يفتخر به ابنائنا يوما ما لوجنحتم للسلم اليوم (وقبل فوات الاوان ولعنات اجيال قادمة لما قد نتركه لهم من اطلال وابراج محترقة بانانيتنا...)

غسان عتيقة
نيويورك 13/9/2016

* راجع الحلقات السابقة بـ (ارشيف الكاتب)

مراجع

1- راجع المرفق من موقع البنك الدولي (الرابط)
٢- راجع المرفق علي موقع البنك الدولي (الرابط)
3- راجع المرفق علي موقع الموتمر الوطني العام (الرابط)
4- راجع المرفق (الرابط)

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
محمود العاقل | 17/09/2016 على الساعة 17:53
غياب القانون وهيبة الدولة
الأستاذ الفاضل غسان .. لك كل التقدير على هذه الدراسة العلمية الرصينة والتي استمتعت بقرائتها في حلقاتها الثلات وما اتصل بها من ملحقاتغير أن المشكلة الأساسية في غياب الدولة وغياب دولة القانون يحضرني مثل ليبي لسيدة عجوز كانت في زيارة لعيادة طبيب .. سأل الطبيب السيدة ما الذي يؤلمك يا والدتي فأجابت .. يا بني ( وين ما تحط صبعك يوجع يا وليدي ) هذا هو الحال في كل مرافق الحياة الكهرباء والماء والتعليم والنظافة والخدمات الصحية والمرور والأمن والأمان والتجارة والغش والعشوائيات والسطو والإرهاب والتلاعب بالدواء والغذا القائمة تطول وملخصها أخي الحبيب .. غياب القانون وهيبة الدولة فلعله من الأنسب ان نوجه امكانات المخلصين من ابناء الوطن التفكير في حل هذا المعضل وحفظ الله ليبيا
Hesham | 14/09/2016 على الساعة 19:19
Well said
Correction: I meant 75k over the 25 years as I recall.Thanks editor
Hesham | 14/09/2016 على الساعة 18:28
Well said
Thanks Ghassan for this valuable input. I may want to add something here is that as a resident of Texas, I have seen many Texans are using Small solar system in their farms, properties ...etc. Of course the installation might be an expensive which depends on the number of panels installed..etc, but for the long run it would be beneficial for the individuals as they become energy independent and for the environment as well. I read once the average save over 25 years is 25k for individuals.It is another way, where public (financially stable)) can help too.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع