مقالات

سليم نصر الرقعي

المبخوت (2/3)!؟

أرشيف الكاتب
2016/09/11 على الساعة 14:36

المبخوت (2/3)!؟
الجزء الثاني (صالح على باب الجنة!؟)
- مشروع لحكاية أو مسرحية ليبية -

ملخص ما فات: ظلت (حليمة) زوجة صالح (النكدية) تنغص عليه معيشته وتتسلى بتعذيبه وتعييره بفقره وظل هو صابراً  يواصل حياته كما هي محاولاً تجنب الدخول في مواجهات مع هذه الزوجة المتنمرة الشرسة، وفي ذات يوم، بعد يوم من الأعمال الشاقة رفقة عُمّال شاحنة الصرف الصحي (سيارة المجاري) كان (صالح) يشق طريقه نحو البيت وهو يجر رجليه جراً من شدة التعب والارهاق متمنياً من اعماق روحه المتعبة ان يصل البيت فيجد زوجته الشرسة (حليمة/الحصله) تغط في النوم أو تكون عند الجيران تثرثر كعادتها مع النسوان وتشكو لهن سوء بختها وحظها العاثر معه (!!؟؟)، كان صاحبنا (صالح) اثناء رجوعه من العمل يمني نفسه بذلك الرجاء كي يتمكن من تناول وجبة من الطعام ثم الاستلقاء على الفراش بسلام ويتصفح احدى المجلات او القصص المصورة، لكنه وحين كان يعبر الطريق صدمته عربة نقل الزبالة (سيارة الكناسة)!!.

***

بعد ذلك، وفور أن صدمته السيارة، لم يشعر صالح بأي ألم ولكنه شعر فجأة كما لو أنه يطير في الهواء مرتفعاً نحو السماء كما لو انه ريشة في مهب الريح!، ثم ما لبثت الدنيا أن اظلمت في عينيه وغرق في غيبوبة تامة، ثم حين انقشع الظلام وعادت الاضاءة للمشهد من جديد وعاد اليه وعيه اذا به يجد نفسه متكئاً على جذع  شجرة وبجواره شخص طويل القامة يرتدي ملابس خضراء وعمامة خضراء وله شاربان كبيران حيث كان هذا الشخص يقوم بهزه بيده بشئ من الشدة محاولاً ايقاظه وهو يردد قائلاً: (انت يا أخينا!، يا خينا نوض انهض، أنهض!)، ففتح (صالح) عينيه على وسعهما مذهولاً وهو يحملق في كل ما حوله مستغرباً ومتسائلاً في دهشة: (شنو في!!؟ أيش صار!!؟؟ أنا وين!!؟؟)، فيضحك صاحب العمامة الخضراء بشئ من السخرية ويقول له: (وين تحساب روحك يا أخينا!!؟) ثم يجيب الرجل عن هذا السؤال بنفسه بحزم وجدية: (طبعاً أنت في الدار الآخرة!) ثم يرمقه بنظرة صارمة ويأمره بشكل حاسم: (تفضل حضرتك، انهض وخش في الطابور كيفك كيف عباد الله!)، فينظر (صالح) الى الرجل في ذهول والى طابور الواقفين في استغراب وعدم فهم ثم يبتسم بسذاجة طفولية ويسأله ببلاهة: (تي أنت تبصر والا تحكي من جدك!!؟)، فيقول له الرجل بشئ من الغلظة ونفاد الصبر: (اللهم طولك يا روح!!، بلاش تضييع وقت يا خينا، ورانا أشغال أخرى، تفضل انهض وتحرك وخش في الطابور لعند ما يجي دورك في الكشوفات!)، يتساءل صالح في استغراب: (كشوفات!!؟ أي كشوفات!!؟؟)، ثم ينهض في ارتباك وهو يحاول بطريقة عفوية تنظيف ملابسه من الغبار ليكتشف أثناء ذلك أنه هو ايضاً يرتدي ملابس خضراء!!، فيقول في حيرةٍ واستغراب سائلاً  نفسه: (شنو هذا!!؟؟، أنا في حلم والا في علم!!؟؟)، لكنه مع حيرته وعدم فهمه لما يجري حوله يمتثل للأوامر ويقف في الطابور وهو يتمتم: (آهو وقفنا في الطابور خلونا نشوفوا شنو هالقصة!؟) ويلقي نظرة متصفحة ومتفحصة لوجوه الواقفين هناك ليكتشف أن أغلبهم يغلب عليهم طابع الفرح والانبساط والحيوية والاستبشار بل ورأى أحدهم يقوم بفرك يديه بعضهما ببعض في غبطة ولهفة كما لو أنه ينتظر استلام جائزة كبيرة، فيسأل صالح الشخص الذي يقف في الطابور امامه: (بالله لو سمحت يا استاذ، هالطابور متاع شنو بالزبط!؟؟؟، طابور الجمعية الاستهلاكية ووإلا طابور دفع المرتبات؟، والا تقديم طلب سكن حكومي!؟، والا هذا طابور توزيع الثروة على الشعب!!؟؟)، فيضحك الرجل الذي يتضح من لهجته ولباسه أنه سوداني الجنسية ويقول له معاتباً: (أنت تهزر والا كيف يا زوول!!؟، طبعا ده بزاتو طابور اهل الجنة، والزول اللي واقف هناك ده، شفتو!!؟، الزول الطويل العريض ده اللي واقف هناك، هو بزاتو عندو كشوفات الناس اللي واقفين هنا، وبيعرف بيها بالزبط فين مكان كل زول في الجنه! ؟، فوق والا تحت والا في الوسط!!؟) ثم يقول بطريقة تبدو كما لو أنه مدرس يشرح ويبسط لتلميذ عملية حسابية معقدة: (يعني بالعربي كل شي هنا بالنظام، زي ما تقول كده زي النظام في الدول المتقدمه موش زي الفوضى اللي عندنا في العالم العربي المتخلف في الدنيا زمان!!)، فينظر صالح للرجل بشك وارتياب ويلتفت للخلف حيث لا احد خلفه اذ أنه على ما يبدو آخر واحد في هذا الطابور ثم يتمتم: (عليم الله، شكلي جننتني حليمه وخششوني لمستشفى المجانين!!، واضحه!!،أنا قاعد توه في عقل مش عقلي!!، واضحه تعيط وسط النهار وما تحتاجش حتى لحكة وذن!!)، ثم فجأة يأتي رجل آخر يحمل قصاصة ورق في يده ويرتدي ملابس خضراء ايضاً وتبدو عليه سمات أنه من المسؤولين المشرفين على حفظ النظام في هذه المنطقة ويصيح فجأة وهو يلقي نظرة خاطفة على تلك الورقة منادياً بصوت عالٍ على اسم (صالح) الثلاثي: (الأخ "صالح عبد الله المكسور!" الشهير براجل حليمه الدبه ولد الحاجة "ام السعد" الدلاله!)!!، فيرفع صالح يده في ارتباك وتوجس ويقول (هذا أنا!، أنا صالح!!)، فيأمره الرجل الذي نادى على اسمه بالخروج من الطابور والمجيئ اليه فورا، فيتوجه اليه صالح في خوف وارتباك ولكن الرجل يقابله مبتسماً ومرحباً وينتحى به جانباً ويهمس له ضاحكاً: (شكلك واسطتك قويه يا بوصاحب!!)، فينظر صالح اليه في عدم فهم ويقول بشكل لا ارادي: (شنو في بالزبط يا افندي؟ والله ماني فاهم حاجه بكل!!)، فيضحك الرجل ويهمس له مرة اخرى: (يا سي البركه في العجوز، نقصد والدتك، أم السعد الدلاله، مرايفه عليك ودارتلك واسطه غير عاديه بيش تخش للجنة طوالي بلا حساب ولا تفتيش عن وضعك في دفتر الكشوفات ولا هم يحزنون!)، فينظر اليه صالح متشككاً كما لو أنه ينظر لرجل مجنون ثم يقول: (بس الوالدة الله يرحمها ميته لها 15 عام!!)، فيضحك الرجل ويقول: (طبعاً، تي ما هو حتى انت نفسك متت وشبعت موت من عامين!!)، فينظر اليه صالح وقد تأكد له انه يتحدث مع مجنون رسمي ويقول: (تي كيف ميت وانا قاعد قدامك نحكي معاك!!؟؟) ثم ينفخ زفيراً عميقا من صدره وهو يهز رأسه يميناً ويساراً ويقول في ضيق وتبرم: (يا مثبت العقل والدين!)، فيقول له الرجل بجدية تامة وهدوء: (طبعاً انت حي توه، بس أنت توه راك مش قاعد في الدنيا، أنت في الآخرة، وقاعد تراجي في دورك بيش تخش الجنة!، كيف نسيت أنك ضرباتك سيارة من عامين وانت كنت تقطع في الطريق ومتت يومها على طووول!!؟)، ينظر اليه صالح في عدم تصديق ثم يضع راسه بين كفيه في حيرة محاولاً تذكر تلك الحادثة وهو يتمتم ويردد قائلا: (ضربتني سيارة!!؟، سيارة!!؟؟) ثم يتذكر!، يتذكر فجاةً حادثة السيارة التي صدمته بالفعل حينما كان عائداً من مقر عمله فيأخذ يلتفت حوله ويتأمل كل ما هناك وكأنه بالفعل قد بدأ يقتنع أنه قد مات وغادر الدنيا الى الآخرة، ثم يشعر بشكل مباغت بعاصفة من الخوف والاضطراب تجتاح وجدانه وسرعان ما تأخذه موجة من الذعر فيسقط على ركبتيه فوق الأرض وهو يبكي ويخبط على الأرض ويصرخ ويصيح بشكل صبياني طفولي: (يا ناعلي، انا متت، انا متت يا عالم يا هوووه!، خلاص انا متت وانتهيت خلاص!!)، فيتجمع من حوله الاشخاص الواقفون في الطابور محاولين تهدئته ويقول له احدهم: (حتى انا متت كيفك في حادث سيارة!، كلنا ميتين!، يا اخي والله صدقني بله فكه!، تي غير أيش تبي فيها هالدنيا الجربه يا الهبل!؟ وعليش تبكي عليها، دنيا مليانة مشاكل وحروب وفجايع ومرض وحزن!!؟؟)، ويقول له آخر في عتاب: (انت غير احمد ربك انك لقيت روحك في طابور الجنة!، شويه اخرى وتخش الجنة وتنسى الدنيا الحرفه وهمومها بكل!، تي احمد ربك يا بني آدم!)، فيقول صالح وهو يلتفت حوله في ارتباك وشك وعدم تصديق: (الحمد لله على كل حال!)، فيأتي الرجل المسؤول الذي اخبره بأن أمه (الحاجة أم السعد الدلاله) تدخلت لدى السلطات المعنية للعفو عنه والسماح له بالدخول للجنة بلا حساب ولا وقوف في الطابور، ثم يأخذه بيده آمراً الناس المتجمهرين حول صالح بحزم بالعودة الى محلهم السابق: (لو سمحتم يا سادة كل واحد يرجع لمكانه في الطابور!)، فيمتثلون لكلامه ويعودون الى تشكيل الطابور الا ان اثنين منهم ينشب بينهما تدافع وشجار حيث يدعي أحدهم وهو على ما يبدو من ملابسه وطريقة كلامه انه باكستاني او بنجلاديشي الجنسية كان يشتغل في ليبيا بأن الشخص الليبي الذي كان خلفه في الدور (زرق من الطابور وخذا دوره ووقف قدامه!)، ويقول ذلك بلهجة ليبية ركيكة مكسرة وبلكنة باكستانية، فيصيح الرجل المسؤول بصوت غاضب وصارم موجها كلامه للشخص الليبي: (هيه!!، انت يا اخينا، انت يا ليبي ارجع لمكانك في الطابور وبلاش طروح!)، فيرجع (الاخينا الليبي) محله بشكل بطئ في شئ من العناد الصبياني نافخاً صدره رافعاً رأسه و فارداً عضلاته في تحدي وانتفاش كما لو انه ديك رومي وفي الوقت نفسه يرمق الباكستاني بنظرة تهديدية حاقدة (ويفنص فيه) ويشير اليه بأصابع يده متوعداً ثم حين يقف خلفه في الطابور يميل برأسه نحوه ويهمس بصوت خافت متحديا ً: (كنك راجل راجيني بره بعدين!، توه تشوف شنو يصيرلك يا باكستاني، تو يبان لك!!؟؟)، فينظر اليه الرجل المسؤول نظرة صارمة كما لو أنه قد سمع ما قاله و يقول له موبخاً: (لا حول لله!، تي ريح روحك يا بني آدم وتحشم على وجك!!) ثم يقول في سخرية: (انتم الليبيين تعبتونا!، انتم مش مريحين ارواحكم لا في الدنيا ولا في الآخرة!)، ثم يلتفت الى (صالح) ويتنحى به وينتحي جانباً مرة اخرى مؤكداً له بأنه لولا واسطة عجوزه لكان في خبر كان!، قائلاً في تودد: (لولا ربي رحمك ببركة ورضاء الوالدين يا صلوحه راك تقعد متحنطر في الطابور تراجي في دورك لمدة طويلة بالحيل حسب ذنوبك اللي دارتهن في الدنيا، ومدة الانتظار مرات تصل الى 100 عام!!، ومرات اكثر وانت واقف تراجي متحنطر في الطابور خصوصا ً، بصراحة، وأن دفتر حساباتك مش واثق بالحيل وما يطمنش وبالكاد يؤهلك للدخول للجنة!، فلولا رضى الوالدين وصدقه تصدقت بيها زمان بنفس طيبه في (الفندق) قدام كشك سندوتشات كبده على عجوز شحاته، لو تذكر؟، يومها عطيتها خمسة وعشرين قرش، لولها راك توه الله اعلم شنو وضعك بالزبط! ؟)، ثم واصل المسؤول الحديث بنفس اللهجة التوددية: (والله صدقني لولا رضاء العجوز عليك با صلوحه وهذكين الخمسه وعشرين قرش راك رحت فيها!!)، هكذا قال له ذلك الرجل المسؤول، اما غالبية سيئاته فاخبره المسؤول انها تتمثل في سكوته عن زوجته (حليمة) التي كانت تؤذي جيرانها بلسانها ليل نهار حيث لم يأمرها لا بالمعروف ولا نهاها عن المنكر!!!، ثم يختم الرجل المسؤول كلامه لصالح بالقول: (على كل حال نجيت من النار، ونجوتك كبيره، وواسطك قوية يا صلوحه وربي سلم، احمد ربك!)، فيقول صالح: (الحمد لله)، ثم يمضي مع الشخص المسؤول نحو باب الجنة في فرح مشبوب بمزيج من الترقب والفضول!، فماذا، ياتُرى، سيحصل مع صاحبنا (صالح) المبخوت!؟ هل سيدخل الجنة ويكون ذلك نهاية مطاف معاناته و(حد السو) وينال الهناء وراحة البال أم أن هناك مطبات ومنعطفات أخرى عليه أن يمر بها تباعاً حتى يصل إلى الجنة المنشودة!!؟؟.

.... يتبع، الجزء الثالث والاخير من الحكاية.
سليم الرقعي
* راجع الآجزاء السابقة بـ (ارشيف الكاتب)

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع