مقالات

د. إبراهيم التركاوي

في عيد الأضحية... تعالوا نذبح الأنانية

أرشيف الكاتب
2016/09/06 على الساعة 15:44

من أبرز معاني العيد الكبير (عيد الأضحي): التضحية والفداء العظيم، فلقد أمر الله عز وجل الخليل (إبراهيم) عليه السلام بذبح ولده (إسماعيل)، ولم يتردد الخليل عن تنفيذ الأمر، ولو كان الأمر بذبح ولده، كما لم يتردد إسماعيل في الاستسلام لأمر ربه، ولو كان متعلقا بذبحه.! فلقد أسلم لأمر ربه، كما أسلم أبوه من قبل، كما سجل القرآ ن الكريم: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ*رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ* فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ). [الصافات: ٩٩- ١٠٧].

إن الله عز وجل ما أراد لخليله عذابا بالابتلاء، ولا أراد إهراقا لدم بذبح ابنه، ولكن أراد له أن يذبحه من قلبه، بحيث لم يبق في النفس ما تعزه عليه، ولو كان فلذة الكبد، وثمرة الفؤاد.!! ولقد وعي الابن الحليم - كما وصفه ربه - الدرس، كما وعاه أبوه من قبل، فقال: (يا أبت افعل ما تؤمر) ولم يقل (افعل بي ما تؤمر) مع أنه المعنيُّ بتنفيذ الأمر، ولكنه نسي ذاته مع أمر ربه..!! وهذا درس عظيم، ما أحوج البشرية اليوم إليه، إن البشرية اليوم في أمس الحاجة إلي أن تذبح أشياء كثيرة في حياتها، تكاد أن تودي بها، وتوردها موارد الهلاك.! ففي عيد التضحية والفداء، تعالوا نذبح:

• (الأنا) في النفوس التي تضخمت وتورمت في هذا العصر، فلا طواف لها إلا حول ذاتها، ولا هم لها إلا إشباع غرائزها، ولا غاية لها إلا تحقيق مآربها، حتي أصبحت أكبر وأخطر أمراض العصر، التي أصابت حضارة اليوم (حضارة الأنا والتضخم)، حضارة اتسعت معدتها علي حساب عقلها وضميرها وقلبها وحسها، حضارة شعارها: أنا ومن بعدي الطوفان.!! قلة قليلة تعبث باقتصاد العالم، علي حساب الملايين التي تموت جوعا، وعلي حساب أخري، تعاني مرارة الفقر، وآلام الحرمان.!!

• (الأنا) التي علت وتفرعنت وتألهت، فاستحوذت علي كل شيء، واستأثرت بالسلطة والقوة والمال والإعلام، تكره من ينصحها، وتقاتل من يعارضها، وتذبح من يزاحمها، ولاتحب إلا من ينافقها، ويسبح بحمدها، ويشيد برأيها، فلا رأي إلا ما تري، ولا أمر إلا ما تأمر.. كما قال تعالي في فرعون: (.. مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: ٢٩].. (.. مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي..) [القصص: ٣٨].. (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) [النازعات: ٢٤]

• (الأنا) فيما بيننا، فيسع بعضنا بعضا، ويحب بعضنا بعضا، ويؤثر بعضنا بعضا علي نفسه، كما فعل الأنصار مع المهاجرين، كما جاء في القرآن: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩] فإن لم نستطع أن نفعل كما فعل الأنصار، نرتفع إلي أفق آخر حثنا عليه القرآن وهو: أن ننزل النفس منزلة الغير. تأمل قوله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: ٢٩] فالله عز وجل جعل آكل مال أخيه بالباطل كآكل مال نفسه بالباطل، وكذلك قاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامز أخيه كلامز نفسه، كما جاء في قوله تعالي: (.. وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ..) [الحجرات: ١١]، وكما جاء في الحديث (لايؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه) [متفق عليه].

• (الأنا) فنتحرك بروح الجماعة، التي لايري الإنسان لنفسه كيانا دونها، ولا امتدادا إلا فيها، فتتعمق آصرة الأخوة، وتعلو روح التعاون، فيتفاني الإنسان في خدمة أمته، ويسهر علي راحتها، ويجاهد من أجل سعادتها، ويحرص علي تحقيق مصالحها وآمالها .وبذلك يكون من أحب الناس إلي الله، كما جاء في الحديث: فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أوتكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن اعتكف في المسجد شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظا، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوءالخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل) [رواه الطبرانى وحسنه الألباني في الصحيحة].

• (الأنا) فنقتل الحقد والكراهية والبغضاء في قلوبنا، تعالوا: نذبح (الأنا) فنتصدق بأعراضنا علي إخواننا، وبمظالمنا علي كل مسلم ومسلمة، لنكون ممن قال الله فيهم: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر: ١٠] تالله، أولئك هم أفاضل الناس!!، كما جاء في الحديث: (قيل: يارسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب، صدوق اللسان"؛ قالوا: (صدوق اللسان) نعرفه ؛ فما مخموم القلب؟ - قال: "التقي النقي؛ لا إثم فيه، ولا بغض، ولا غـل، ولا حسد")... [ابن ماجه: ٤٢١٦]

• (الأنا) فنسلم النفس لله طاعة وامتثالا، ونخلص العمل له صدقا وإحسانا، فلا نري فيه لأنفسنا ظلا ولا حجما، ولا بروزا ولا وزنا، فنكون كما قال الله في الأبرار.. (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا) [الإنسان: ٨- ٩]. تعالوا نقتل نزواتنا، ونذبح أهواءنا لتكون مع هوي الشرع، ومع ما يحبه الله ويرضاه. كما جاء في الحديث: (عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به).

• (الأنا) كما ذبح الخليل إبراهيم ولده من قلبه، وأسلمه لله وحده، وكما ذبح إسماعيل عليه السلام (الأنا) في نفسه، ففني عنها مع أمر الله عز وجل، فنتخلص من كل وشيجة ومن كل رابطة تشغلنا عن الله، وعن حبه، وعن الجهاد في سبيله: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة: ٢٤].

• (الأنا) لأنه ليس هناك إلا (أنا) واحدة هي التي تصدر من الله الذي لا إله إلا(هو عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ *هُوَ الله الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ *هُوَ الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الحشر: ٢٢ – ٢٤]. وهذا ما جاء به النبيون، كما في قوله تعالي: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٢٥].. وما تجلي في قوله تعالي لنبي الله موسي: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى* إِنَّنِي أَنَا الله لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٣- ١٤].

• (الأنا) لأنه لو لم نفعل، ما صحت عبودية، ولا زكت نفس، ولا ذهب طاغية، ولا تحرر شعب، ولا قام حق، ولا ترسخ مبدأ، ولا علت قيمة، ولا ثبت خلق، ولا استقامت حياة..!! (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ الله ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: ٢٥١].

د. إبراهيم التركاوي
باحث أكاديمي في الفكر الإسلامي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع