مقالات

إبراهيم عثمونه

نخلة هون

أرشيف الكاتب
2016/09/04 على الساعة 14:48

قادتني خطاي يوم أمس إلى مستشفى سبها المركزي. قالوا لي إن حقنة "السيولة" التي تبحث عنها لمريضك قد تجدها هناك في المستشفى، فمثل هكذا أدوية وحقن لا توجد إلا في أقسام جراحة العظام بالمستشفيات العامة، فذهبت وليتني لم أذهب.

خرجتُ منه وأنا مريض وفي حاجة إلى حقنه من نوع آخر، وعند الباب الرئيسي المطل على الطريق العام وقفتُ ونزلتُ من سيارتي وطلبتُ من عسكري كان على الباب أن يأتي ويقف إلى جانبي. استغرب الرجل طلبي، بل حتى ارتاب مني، لكنني طمأنته، فتقدم مني ووقف إلى جانبي ساعة أشرتُ إلى اللوحة الجميلة المكتوب عليها "مستشفى سبها المركزي" وقلتُ له لو تعمل معروف وتمسح كلمة (مستشفى) من على هذه اللوحة الكبيرة، وتترك (سبها المركزي) بلا مستشفى.

أين الناس... أين الأهل والأهالي الذين يسكنون في هذه المدينة، بل أين أدنى مستوى لحياة تليق بالبشر.

لم أجد الحقنة وما عدتُ أريدها. ذهبتُ لصيدلية المستشفى ولقسم جراحة العظام ولأكثر من مكان داخل المستشفى وليتني لم أدخل المستشفى. شيء يا عزيزي لا يمكن للكلمات أن تصف المأساة التي تتحرك في الداخل.

قبل أيام قادني نفس الظرف لنفس الحالة إلى مستشفى هون، فقالوا لي إن هذه الحقنة لا نعطيها إلا لمن هو نزيل على أسِّرة المستشفى أو ممدد في سيارة إسعاف، فقلتُ لهم إنه في سيارة اسعاف. فتحوا باب المستشفى على مصراعيه بعد أن كان مغلقاً (فأنا أحدثكم عن حالة إسعاف تمر على هون بعد منصف الليل) فتحوا الباب وجاء ممرضهم وقام بالواجب ودعى لنا بالشفاء وهو يودعنا عند الباب... شتان بين هون وسبها. حفظ الله هون.

يكذب عليكم مَن يقول لكم اليوم أن المسافة بين سبها وهون 300 كيلو متر، ويكذب عليكم مَن يقول لكم أن المدينتين قريبتين من بعضهما ولا يفصل بينهما سوى جبل السوداء.

يقول أ. "ابراهيم زايد" (السبهاوي) أنه وقعت بين يديه مؤخراً مجلة صادرة في 1978. لم يكن ظهر الغلاف موجوداً وحتى بعض الصفحات في الداخل منزوعة حين أخذها وانزوى في ركن المكان وتصفحها بشغف ورائحة السبعينيات تفوح منها، ليجد في داخلها مقالة عن سبها لكاتب ألماني يصف المدينة بالرائعة جداً. كنتُ أعرف أنها رائعة جداً وأعرف يومها أنها أروع حتى من دبي، وما كنتُ في حاجة للاستدلال بكاتب الألماني فأنا ابن هذه المدينة وأعرف مراحل تقهقرها وسنوات الكرب التي مرت بها. سحبوها بعد 78 للخلف حتى باتت المسافة بينها وبين هون 300 سنة.

كان مُقدراً لـ هون أن تتقهقر هي الأخرى. أن تعود إلى جانب سبها 300 عام لكن المشروع تعثر وفشل في اقتلاع المدينة من جذورها العريقة. تشبثت هون بالنخلة. خالت لي يومها وهم يخلخلونها لتعود معهم إلى 300 للخلف كما لو أنها تتمسك بيديها وبكرعيها بالنخلة حتى لا تتقهقر مع سبها. نجتْ هون ولا أحد فيها اليوم ينكر فضل النخلة عليهم، فلولا الله ولولا النخلة لكانت هون اليوم تقع على بعد 300 عام للخلف.

مثل هذا النموذج أسُوقه الآن ليس فقط لإظهار حجم المصيبة التي تقع فيها سبها بل أسُوقه ايضاً كنموذج له مناعة عالية، وأيضاً كنموذج خرج بعد عقود بأقل الخسائر إذا قورن بمن حوله.

هون اليوم يمكن أن تُشكل مدينة وسط لكل المتخالفين والمتخاربين والمتحاربين في البلاد. فلا شيء اليوم يمكن أن يجمع الليبيين سوى ظل نخلة تضرب جذورها في تراب الوطن.

إبراهيم عثمونه

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
berkawe | 05/09/2016 على الساعة 06:32
Libya
The Root Cause of this is IDRIS, MUAMAR, Abdul Jalil and any one else to this date. If You Don't Dig Deep Into the Problem, You will Never Find The Cause, and You Will Never Fix It....
البهلول | 05/09/2016 على الساعة 02:16
هون او هناك كلنا في الهواء سوا
كما باعدت الايام بين هون وسبها فان "فبراير" اللعين باعد بين الليبين مئات السنين الضوئية لدرجة ان المسافة بين هون وسبها اصبحت سنة ضوئية واحدة من اكبر السنوات الامر الذي جعل سكان سبها ينامون تحت المكيفات الهوائية بينما سكان هون ف
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع