مقالات

حسين التربي

العظيم والمباركة!

أرشيف الكاتب
2016/09/02 على الساعة 16:08

كم احزنني سماع أحد المنافقين يرغي ويزبد في فضائيات طويل العمر المحلية قائلاً (.. ولا تنازل عن مبادئ ثورة فبراير المباركة و...). كان هناك الكثير من ال bla bla bla والتكرار الركيك والممل في كلامه. لم يعد هناك ليبي مخلص لليبيا يصف فبراير بالمباركة ما عدا الذين تحصلوا على التعويضات والمرتبات الضخمة والوظائف، وكدّسوا الاسلحة في مخازنهم والمال الحرام في خزائنهم، وصار لهم هيبة مزيفة صنعها السلاح وتسويق فتاوي خراب الوطن على أنها اعمال وطنية ودينية.

ترهات الاستهلاك المحلي تلك لم يعد يكررها الا المنتمين لتيار الحكم بالسيف وارشادات مراقبهم ومرشدهم. ولقد أثبتت لي تلك الترهات للمرة العاشرة علىى الاقل تضخم نزعة مباركة كل شئ لدى البعض حتى واِن كان ذلك الشئ كارثياً على الشعب وعلى دينه. فلكي يصبح الشئ او الفعل او الشخص مقبولاً ومقدساً اجتماعياً ودينياً وسياسياً في نظرهم ويمكن فرضه على الآخرين لابد وان يصفوه بالعظيم او بالمبارك! واِن سألت: من باركه؟ يقولون لك: الشيخ فلان والمفتي علان والامام زعيط باركوا هذا الفعل بعد أن باركه الله! واِن استرسلت وسألت: وكيف عرفوا أن الله بارك هذا الفعل؟ تتحول فجأة الى مشكك وكافر في نظرهم. تحاول مرة أخرى وتقول لهم: ربما فبراير كانت مباركة في البداية، لكنها أصبحت كارثة ومأساة انسانية بكل المقاييس في رأي اغلبية الليبيين، وأن الله الذي ربما باركها في البداية لا يرضى بطغيانكم ووحشيتكم وولائكم لمتكلسي الفكر بعد اغتصابكم لتلك الثورة علناً. هنا سترى استحالة أن يعترف دراكولات المشهد السياسي-الديني بمصيبة وفشل فبراير. فالاعتراف بفشل وموت فبراير فوق سرير الاغتصاب يعني خسران اولئك السماسرة لتجارة مكّنتهم من الملايين من دينارات فقراء الدولة النفطية ولهذا لن يتخلوا عن مباركة سلطة وثروة وسلاح فبراير التي بنت لهم المجد فوق أشلاء الأبرياء في كل اركان ليبيا!  

في مجتمع المجاملات المباركة، الرئيس مبارك والقائد مبارك وجلالة الملك مبارك والشيخ مبارك والقائد الميداني لمليشيات الحرق والهدم مبارك والخطة الخمسية للمشاريع الوهمية مباركة. كلام المفتي مبارك وأسواق الاختطاف وذبح الاسرى وبيع السبايا التي راج سوقها تحت سيطرة اجندات الاسلام السياسي هي الاخرى مباركة. الأبناء والاخوة المسروقة عقولهم مباركة جماجمهم، ومباركة كذلك اموال الحرام التي يحضرونها لبيت العائلة المباركة. المرتبات التي صُرفت وكذلك التي لم تُصرف مباركة. الموبايل المسروق والسيارة المسروقة والشهادة المزورة وفتاوي القتل والتكفير وزواج المتعة ونكاح جبهات القتال وضرب المرأة وتفخيخ السيارات واستيراد المرتزقة وارسال قوافل المهاجرين الى حتفهم في البحر، كلها اصبحت ثوابت عظيمة ومباركة في نظر الكثيرين طالما أن ذلك الشئ المبارك يخدم مصالح من يباركه! وفي هذا المجتمع المبارك لم يعد لأمنية "بارك الله فيك" أي معني، وقد تعني في الكثير من المناسبات " ورّينا عرض أكتافك"!  

وكما كان مجلس قيادة الثورة بقيادة القذافي مباركا بدليل السكوت عليه لأكثر من 4 عقود، باركنا في سذاجة مجلس المستشار الانتقالي وبارك الكثيرون منا قرارات وخطوات مؤتمر ريكسوس، ونجد اليوم من يبارك المجلس الأعلى للرئاسة المحكوم بعقدة التناقض في رفض التواجد العسكري الاجنبي في الشرق والقبول به في الغرب. هذا يبارك المؤتمر بحلته الجديدة وذاك يبارك خطوات برلمان الحاج عقيلة بحراسة الحاج بوزقيه. هناك من يبارك حكومة السرّاج الذي لا يهش ولا ينش ويتقن الجولات التفقدية واحتضان المواطنين بما تسمح له به المليشيات التي تحرسه (والا ستُسرق ملابسه الداخلية كما فُعل بمن سبقه). وهناك من يبارك "شكشوكة "بروفيسور لجنة دستور "خرج ولم يعد" التي اِن انتجت بنداً دستورياً واحداً كل اسبوع عند صدق النوايا لأنجزت مهمتها منذ زمن طويل، لكنها فضّلت الهجرة الغير وطنية مع تلك البقرة الحلوب للعمل بالخارج على حساب الفقراء والمرضي والارامل واليتامي.

لا تنسوا أيظاً أن كل جرافات الموت المرسلة لبنغازي والجيوش والمليشيات والمعارك التي يخوضونها ومعهم لجان الحكماء والعلماء والأعيان والمجالس البلدية ومدير بنك ليبيا ودار افتاء التحريض على استمرار الوضع على ما هو عليه قد تحصلوا على نصيب الأسد من التبريك والمباركة!. أتذكر كذلك أن البعض بارك توصيل الملايين المسروقة من ارزاق فقراء ليبيا للمتطرفين في سرت ولحسابات جماعة اخوان المرشد في مصر..وكذلك وُصفت خطوات متري وليون وكوبلر بالخطوات المباركة في يوم ما! 

يا لهذا الكم الهائل من المباركون والمباركات! طالما أنهم كلهم نزلت عليهم البركة واصبحت ليبيا محاطة ومليئة بمباركين وبمباركات، وتحوّل ضحية الأمس الى سفاح مبارك اليوم، من السبب في كل هذا  الخراب الغير مبارك يا ترى؟ لنا كامل الحق في أن نسأل: اِن صدّقنا أن كل شئ في حياتنا مبارك بداية من الفتاوي ومروراً بشهادات النجاح المزوّر والحج بارزاق اليتامي ووصولاً الى ثورات الغنائم والحكومات "الرشيدة" وكل هذا الكم الهائل من الثوار والشيوخ المباركون، لماذا حياة العامة مزرية وغير مباركة؟ الا ترون أن كل شئ في حياتنا المرتكزة على اوهام فكر متكلس يبارك بالريموت كونترول حتى الفجل وحزمة المعدنوس واسطوانة الغاز والميم طا واللغم الذي يمزق جسد الطفلة العائدة الى بيتها..في الحقيقة ليس مباركاً!

في نظر المستفيدين من الاستمرار في مباركة انتصارات ثورة 17 فبراير، سيظل طرد ونفي وتهجير وظلم ملايين الليبيين داخل وخارج ما كان يُعرف بليبيا عملاً وطنياً مباركاً. وهنا يكمن جزء كبير من مأساة ليبيا الاخلاقية الا وهو تغييب وتهميش وطمس دور الملايين من الليبيين الذين شردهم وهمّشهم ثوار الغنيمة في الداخل والخارج بتهم انهم خونة وازلام وطحالب وعلمانيين وكفار ورجعيين وليبيراليين.   

كم أرثي لحال من لايزالون يعتقدون أن فبراير مباركة، ولهم اقول: فبراير لم تعد لا مباركة ولا حليمة. فبراير ماتت بعد أن اغتصبها تجار الدين والموزعين الفرديين للفتاوي وانصار الجهوية ومن كانوا يحلمون بكرسي "القائد". وعلى الليبيين عند اقترابهم من جثة ما يُسمى بمبادئ فبراير تحييد حاسة الشم لديهم، والقيام بواجب وطني وديني تجاهها وهو دفنها. بعد ذلك يجب التفكير في الثورة على العقلية الليبية، وضرورة تصحيح مفاهيم كثيرة ترتكز عليها البنية التحتية للموروث الثقافي الليبي الذي اوصلنا الى هذه الأزمة والمهزلة الاخلاقية التي لم تشهدها ليبيا من قبل. ولمن يريد رمي ما نحس به من فشل واحباط وحزن وهزائم ومآسي على مشجب الدكتاتور والمؤامرة الخارجية اقول: لنجرب الصراحة والشجاعة مع أنفسنا ولنسأل: ماذا فعل الشعب الليبي 10 او 20 او 30 سنة "مباركة" مضت لكي يُسقط الدكتاتور؟ لماذا يلوم الليبيون القذافي ولا يلومون أنفسهم؟ لماذا تركناه نحن جموع الشعب الليبي المبارك في الداخل والخارج يفعل ما يريد؟ الم نكن تائهون خائفون من بعضنا البعض حتى عندما كنا نلتقي خارج جماهيرية القذافي؟ الم نضرب بعضنا البعض في طوابير الاسواق الشعبية من أجل الحصول على صندوق طماطم او كيلو موز؟ الم نسكت على حرب تشاد واوغندا والتصفيات الجسدية ومأساة حقن الاطفال بفيروس الايدز وتبذير اموال الفقراء في ام التعويضات (لوكيربي) وفي افريقيا ونيكاراغوا وايرلندا؟ الم يسعى الكثيرون للحصول على وظيفة "قهواجي" في باب العزيزية او "انتينه" في المكاتب الشعبية؟ الم يكتب ليبي تقارير للامن الداخلي والخارجي ومكتب الاتصال باللجان الثورية عن ليبي آخر يحقد عليه ووقع رسالته ب "فاعل خير"؟

لماذا نجح الفاتح "العظيم" وفبراير "المباركة" في جعلنا نخاف من بعضنا البعض ونقتل بعضنا البعض؟ لا تريدون التدخل الأجنبي وتتناسون أن الحال على أرض الواقع يقول انكم حالياً عاجزون على القيام بمسؤولية تأسيس دولة ليبية لأنكم لم تنضجوا بعد وغير مؤهلين لمهمة بنأ دولة وحفظ كرامة شعب وحماية حدود وطن. انتم في انتظار معجزة "مباركة" من السماء، او حرب أهلية سيندم بعدها المنتصر وسيلعن انتصاره طوال عمره. أنتم تتهربون من حقيقة أن الذي حافظ على اللحمة الوطنية (المباركة) ليس القذافي بل هو دبوس القذافي، وهو فعل ذلك حتى يستمر الوضع في صالحه.

والدليل امامكم، وما ترونه على ارض الواقع اليوم في ليبيا من انقسام وتشرذم وأحقاد وكراهية وأنانية ودسائس وتهميش وتشظي لم تشهدها ليبيا الا بعد غياب دبوس القذافي. لا ادافع عن 42 سنة من الضياع والظلم والتفقير والقتل والدكتاتورية وتضخم عقدة الشخصنة وتأليه الحاكم، لكنني ارى أن تلك المبادئ المثالية التي كنا نتغنّى بها كالالفة والوحدة واللحمة الوطنية والاخوّة والمحبة والتسامح لم تكن مباركة من الله لأنها اختفت مع اختفاء سوط الدكتاتور وظهور الآلاف من الاسواط الجديدة.

هل تبقّى لمصطلحات ثورة مباركة وثوري مبارك وثائر مبارك وشيخ مبارك وخطوة مباركة أي معني بعد كل هذا الكم الهائل من المباركين والمباركات؟ لا أظن.

هل تبقّى لترديد "دم الشهداء ما يمشيش هباء" أي معنى؟ كان بودي أن اقول لكم: اسألوا فبراير، لكنني لن افعل لأن فبراير ماتت وشبعت موت وربما...خيرها في غيرها!

هذه ليست دعوة للابتعاد عن مباركة الاشياء او الاشخاص او الامتناع عن الدعاء لله عز وجل لأن يبارك الأعمال والنوايا والافراد، ولكنها دعوة للتفكير قبل اطلاق صفة المبارك او المباركة على أي حدث او شيخ او قائد او رئيس..لأننا شبعنا احداث وأفراد مباركون ومباركات..ففي الثورة "المباركة" الأخيرة أسقطنا صنماً فقط لكي نصنع ألف صنم آخر بدلاً عنه..فيا لتعاستنا "المباركة؟"!

تمسو على خير

حسين التربي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
berkawe | 05/09/2016 على الساعة 07:56
Libya
Don't you think Sir that we never progressed an inch in our self governing and representation since 1951 to this date????
الهاشمي | 03/09/2016 على الساعة 09:06
شعب مبارك وعظيم
كأن هذه الجموع لم تبارك فبراير في بدايتها ولم تحاول حتى التفكير في كونها قد تكون مؤامرة !! النتيجة حتمية فهذه إرادة شعب أختار أن يركز على حركة إصبع سبابة سيف القذافي في خطابه ولم يلق بال لكل التحذيرات التي جاءت في الخطاب !! وأخيرا جملة "الذي حافظ على اللحمة الوطنية (المباركة) ليس القذافي بل هو دبوس القذافي، وهو فعل ذلك حتى يستمر الوضع في صالحه." !! بالفعل أكثر مايبهرني في هذا الشعب أنه يعلم نوايا الناس وماتخفي الصدور ! أعتقد أنها من بركات رب العالمين على هذا الشعب المسكين وكلنا هذا الشعب المبارك العظيم .
Salem Dali | 03/09/2016 على الساعة 02:02
revelution is dead and all arabians are not ready for demoracy
dear writer you are right 100%, I wish to all Libyans to read such topics and think why they are living such life if there is anything good. I believe the reason of such catastrophy is that Libyans and all arabs are not ready to practice any kind of democracy and the reason is that arab-islamic nations are still living 1400 back and the old culture still holding them back, all arabs must read Khalil Ghobrans books then maybe they will relive, now they are dead.Libya need strong man to lead it, just like Mndela or Ghandi, but not any devils like what we have now.
عبدالحق عبدالجبار | 02/09/2016 على الساعة 20:31
مبارك و مبروكة
حرب مباركة و اقتحام مبارك و انقلاب مبارك و اجتماع مبارك و صخيرات مباركة و خبطة مباركة... قالك كل من أسمة مبارك او مبروكة في ليبيا طلبوا تغير أسمائهم في مظاهرة مباركة
محمد علي المبروك | 02/09/2016 على الساعة 18:51
نعم ايها الكاتب المميز
نعم ايها الكاتب المميز يجسمون الوهم بالعظمة وبالمباركة ، ولاينير اعين الناس من هذا الوهم الا امثالك من الكتاب الذين يستخلصون الحقيقة المغيبة ، احسنت والحقيقة في ليبيا لن تموت طالما امثالك من الكتاب يرصعون ثقافتنا بالكتابة
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع