مقالات

د. خالد المبروك الناجح

"ديمومة الكراسي"؟!

أرشيف الكاتب
2016/08/31 على الساعة 05:10

كان قَدَرنا بعد أن عايشنا هذا المصطلح كنُكتةٍ سَمِجة عندما أطلقها صاحبها إمعانًا في السخرية والتهكُّم أن نعيشه كواقع ملموس بعد انتفاضة فبراير التي اعتقدنا أنّها ستجلب لنا الديموقراطية الحَقّة والتداول السلمي على السلطة بالانتخابات، فإذا بنا نُصدَم بتحقيق ديمومة الكراسي عمليًّا بأنّ جُلّ الأعضاء بكُلّ الأجسام المنتخبة مِمّن أوصلَتهم أصوات الناخبين لكرسيّ لا يغادرونه أبدًا متجاهلين المواعيد المحدّدة لبقائهم التي اُنتخبوا على أساسها ومُتحجّجين بحُجَج واهية ومتناقضة تدعو للرثاء، حتى صارت ديمومة الكراسي في النظام السابق بكُلّ سُخريتها وإخراجها المسرحيّ الهزيل أقرب قليلًا إلى الديموقراطية من التي نعيشها الآن!.

بَعد تعطّش وشوق لخَوض انتخابات ديموقراطية حقيقيّة عاش الشعب الليبي عُرسًا انتخابيًّا واعِدًا ونزيهًا سنة 2012 (رغم ما شابَهُ  من تلاعب بقوانين الانتخابات التي فُصِّلت لتخدم طرفًا بعَينه ورغم ما كان لسَطوَة الإعلام من تأثير في انتخاب أعضاء كفاءتهم الوحيدة خروجهم الإعلامي المُخادع أثناء الانتفاضة) لانتخاب جِسم كان له من إسم مؤتمر الشعب العام نصيب، إلّا أننا فرحنا كثيرًا بنزاهة تلك الانتخابات وسلوك النائب  خلالها.

انتهت المُدّة التي اُنتُخِب أعضاء المؤتمر الوطني العام على أساسها لنتفاجأ بتمسّكهم بالسلطة ورفضهم إجراء انتخابات أُخرى بحجّة عدم ترك البلاد في فراغ دستوري، فكان حراك "لا للتمديد" الذي وفّرت له الظروف المتاحة حينها النجاح لتفرض الجماهير إرادتها بإِجراء انتخابات جديدة لجسم آخَر هو مجلس النوّاب. لَم تُرضِ النتائج أطرافًا بعَينها فكان ما كان من اقتتال وحُكم المحكمة العليا الذي فُسِّر أنه حَلٌّ للبرلمان، وغير ذلك من التفاصيل التي لا تخفى على أحد.

تمَسّكَ المؤتمر الوطني العام (المنتهي الولاية) بحكم المحكمة الذي قالوا عنه أنه حكم قضائي لا يقبل المهادنة وأصرُّوا على البقاء في مناصبهم التي لم يغادروها بعد تشكيل مجلس النواب مبررين ذلك بحجج شكليّة بدايَةً ثُمّ بحكم المحكمة ثمّ بانتهاء الولاية، ومن سخرية الأقدار برّر البرلمان لاحقًا استمراره بنفس حُجّة المؤتمر وهي عدم ترك البلاد في فراغ تشريعي!.

أدرك الطرفان اللذان لم تستفد منهما البلاد بأيّ شيء عمليّ يُذكر أنّ الحلّ يكمن في التوافق بينهما ودّيًا بما يضمن " ديمومة الكراسي " لهما من خلال استمرار البرلمان (ولتذهب حُجّة "حكم المحكمة" الغير قابل للنقاش والمساومة إلى الجحيم)، واستمرار غالبيّة أعضاء المؤتمر الوطني العام كمجلس أعلى للدولة من خلال اتّفاق الصخيرات الذي أُهدرت فيه موارد خيالية وضاع فيه وقت طويل، وصار البرلمان الذي استمدّ شرعيّته الحاليّة من هذا الاتّفاق يُهدِّد في مشهد هزلي بإسقاط المجلس الرئاسي الذي هو أحد أركان التوافق السياسي والذي بسقوطه ينهار السقف على الجميع!.

لا ننسى لجنة الدستور التي تمّ انتخابها لتُنجِز كتابته في فترةٍ وجيزة وها هي تُجاوز العامين ونِصف دون أن تُحقِّق ذلك، ولا بأس أن تحضى بديمومة الكراسي ما دامت تنعم بمرتبات ومزايا خياليّة جاوزت مثيلاتها في مجلس النواب الذي جاوز هو الآخَر ما يتمتّع به أعضاء المؤتمر الوطني العام (لاحظ الترتيب التراكمي للمرتبات حسب تاريخ تَكَوّن الجسم المنتخَب)، ولا يجب أن ننسى دغدغة أعضاء لجنة الدستور لمشاعر الناخبين فَور انتخابهم بأنّهم لن يتقاضوا إلّا مرتباتهم الأصليّة مُضافًا لها دينار واحد شهريًّا كمقابل رمزي للعمل بلجنة الدستور!!.

لَم أقُم بهذا السرد الذي يعلمه الجميع والذي تجاوزتُ فيه بعض التفاصيل إلّا لأُنَبِّه القارىء إلى الدوّامة التي نعيشها والمُستَمدَّة من "خُرّافة أُم بسيسي": أعضاء المجلس الأعلى للدولة لن يتركوا مناصبهم المُكتسبة من التوافق واقتسام الغنيمة مع البرلمان والتي جاءت فقط كترضيَة لطرفٍ مؤثِّر على الأرض فتمّ منحهم مناصب استشاريّة شرفيّة تضمن لهم استمرار الميزات، ومجلس النواب الذي لن يُغادربحُجّة عدم ترك البلاد في فراغ تشريعي (مع عِلمنا بأنّهم لا يجتمعون ولَو صوريًّا لعديد الأشهُر يقضونها في سياحة برلمانيّة) ويشترطون لإجراء انتخابات برلمانية جديدة الاستفتاء على الدستور الذي لن يحصل لعدم التوافق المُزمن بين أعضاء لجنته التي لا تختلف في عقد جلساتها عن البرلمان،والتي ضاقت بها هِيَ الأُخرى الأرض الليبية فرأت في صَلالَة وغيرها من المنتجعات السياحية المناخ المناسب للتأمُّل واستلهام بنات الأفكار ولِمَ لا ما دامت خزانة الدولة تدفع، وسيَبقى الحال على ما هُوَ عليه ما دُمنا صامتون كخُشُب مُسنَدَة لا تستفِزّنا طوابير المصارف وضنك العَيش ولا تجاهل واستِخفاف العابثين بنا الذين أوصلناهم للسُّلطة فأداروا لنا ظهر المُجن وانكفأوا على ذاتهم وملذّاتهم في وضعٍ ساخِرٍ وعابثٍ حدّ الاستهتار ولسان حالهم يقول: ما أجمَل ديمومة الكراسي!!.

أ. د. خالد المبروك الناجح

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع