مقالات

عمر النعاس

مشروع الدستور ملكاَ خالصاً للشعب الليبي

أرشيف الكاتب
2016/08/26 على الساعة 17:17

"مشروع الدستور ملكاَ خالصاً للشعب الليبي"
تعليق على مقالة (2)

السيد هيبة المحترم/ السلام عليكم... أشكرك على محاولة الرد كما وصفتها على ردّي على مقالتك السابقة... وسأبدأ من البداية كالعادة...

أولاً:

للأسف أنك لا تزال تصف مشروع الدستور الليبي الذي أقرّته الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور بأغلبية معززة يوم 19/4/2016م بمقر الهيئة التأسيسية بمدينة البيضاء بأنه "مقترح الدستور المقدم من هيئة اعداد الدستور"، وهذه نقيصة من الواجب تصحيحها، وأرجو تفهّمها بشكل واضح.

التوضيح: لوضع الأمور في نصابها، أرجو من حضرتك احترام ما تم انجازه من هذه الهيئة التأسيسية المنتخبة من الشعب الليبي،  ووصف ما أقرّته هذه الهيئة  بالوصف الحقيقي له كما هو واضح  ونُصّ عليه في الإعلان الدستوري وتعديلاته، ومطروح للشعب الليبي الذي أوكل مهمة "صياغة مشروع الدستور" لهذه الهيئة التأسيسية، وما انجزته هو "مشروع الدستور"، وهذا المشروع هو الآن "ملكاً خالصاً للشعب الليبي" وله وحده أن يقول فيه كلمته الفاصلة. أما ما ذكرته بشأن انحيازك، أنا لم اتكلم عن انحيازك السياسي وهذا لا شأن لي به ولك مطلق الحرية للانتماء لأي توجه سياسي فهذا حق أصيل لك ولكل ليبي وليبية، ولكن أنا تكلمت عن انحيازك أكاديميا، (لأنك تبنيت رأيك الأكاديمي النقدي دون الرجوع إلى معطيات سليمة وصحيحة قد تجعلك تتبنى من الناحية الأكاديمية رأيا مخالفا )، وللأسف لا تزال مصرّا عليه، ومن الواضح أنك متعصّباَ له تعصباً أعمى كما يقولون.

ثانياً:

جاء في مقالتك قولك أن: "هذه المقالة ليست بحثاً سياسياً بقدر ما هي خلاصة نتائج بحوث ودراسات سياسية متعلقة بصلب الموضوع وهو بناء النظام السياسي وتعزيز فرص التحول الديمقراطي وتقليص فرص اندلاع الحروب والصراعات الاهلية وتعزيز استقرار النظام السياسي والعملية السياسية".

التوضيح: هل هذه البحوث والدراسات السياسية المشار إليها تتعلق بالمسار الدستوري الليبي؟ لأن من وجهة نظري، إن المسار الدستوري الليبي هو صلب الموضوع... وبكل تأكيد أن التجارب الدستورية الحديثة في نيجيريا أو جنوب أفريقيا أو بولندا أو اوزباكستان أو تونس أو طاجاكستان أو المجر أو مصر أو العراق أو غيرها..، وإن كانت تجارب مهمة ومن الممكن الاستفادة منها،  إلّا أنه ليس بالضرورة أن ما يحدث في ليبيا يخضع لذات المعايير والظروف التي سادت ولا تسود في تلك الدول، حيث أنّ لكل دولة ظروفها وخصوصيتها وتكوينها السكاني والجغرافي وتاريخها وعاداتها وتقاليدها... وإنْ كانت كل تجربة تصلح لكل دولة، لما كان هناك سبباً لوجود أكثر من 190 دستورا قديما وحديثا تم كتابتها وأسست بموجبها أنظمة حكم في دول مختلفة، وتقوضت بموجبه دول أخرى وقامت على انقاضها غيرها بدساتير جديدة، وبكل تأكيد أن ما تم انجازه وإقراره من الهيئة التأسيسية بالأغلبية المعززة لأعضائها يتضمن كل الوسائل التي من شأنها (تؤسس لنظام سياسي ديمقراطي  حديث (المادة 10)، وتعزز مبدأ الديمقراطية من خلال النصوص التي تؤكد على التداول السلمي على السلطة والفصل بين السلطات والتوازن والرقابة والمساءلة، وكل ذلك ورد في (الباب الثالث - نظام الحكم).  كما أن المشروع يؤكد في (البابين الرابع والخامس- السلطة القضائية والمحكمة الدستورية) على استقلال القضاء وضمان مراقبته لكل من السلطتين التشريعية والتنفيذية)، وضمان الحقوق والحريات كما وردت في الباب الثاني من مشروع الدستور.

ثالثاً:

أما قولك المتكرر أكثر من مرّة عن المحامين وأسلوب المرافعات، والذي جاء فيه قولك: "الواضح أنك اتبعت اسلوب المرافعات القانونية التي يتقنها المحامين وبديت من خلال ردودك علي مقالتي السابقة وكأنك في مرافعة قانونية أمام القضاء مدافعا عن قضية معينة وهذا النوع أو الاسلوب في الدفاع قد يعتمد عليه في الوصول إلى هدف معين أو غاية معينة كأن يكون هدفك تبرئة موكلك بأي وسيلة أو لإقناع الخصوم بوجهة نظر معينة تراها أنها هي الصواب وهذا أمر مشروع وهنا أسمح لي ان أهنئك بأنك محاميا بارعا تعرف كيف تدافع عن موكليك وعن القضايا التي ترغب في الدفاع عنها".

التوضيح: سيدي الفاضل/ بكل صراحة.. لولا أن هناك سبب يلزمني أن أوضح للآخرين القيمة الحقيقية لمشروع الدستور لما استمريت في كتابتي هذه للتعليق على كلامك هذا... سيد هيبة... أنك يا سيدي تقول كلاما لا أساس له من الصحة على الإطلاق، وقد كرّرته أكثر من مرّة، ورغم احترامي للسادة المحامين، فأنا أجد نفسي  مرغماً في محاولتي هذه " لتبرئة نفسي من اتهامك الباطل وسوء ظنك بي"، فأنا لست محاميا على الإطلاق ولم يسبق لي الترافع مطلقا أمام أي محكمة، ولا أعمل في مجال القانون أصلا. أنا يا سيد هيبة... درست القانون لأنني أحب القانون، وخاصة القانون الدستوري،  فأنا هاوٍ للقانون الدستوري وللقضاء الدستوري، أنا لي كتابات ومؤلفات في مجال القانون والقضاء الدستوري. ولا شيء غير ذلك، فلا تحاول أن تجعل الظنون تأكل عقلك وأفكارك... لأن ما يفسد الفكر والعقل هو الظن السيء الذي لا يستند على أي حقائق ..  ويقول الحق عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}. ويقول أيضا: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً }... أنا ليس لدي موكّل، وليس لديّ خصوم كما تحاول أن تتكهن، وليس هناك متّهم حتى أحاول تبرئته، ما أحاول توضيحه لك وللآخرين هو وبكل شفافية العملية الدستورية والمسار الدستوري الحقيقي على مدى (24 شهرا ) وأن ما تم انجازه هو عمل جماعي وتوافقي بامتياز من أجل ليبيا ومن أجل بناء الدولة الليبية الجديدة، دولة القانون والعدالة والمؤسسات والتداول السلمي على السلطة. دولة الحقوق والحريات العامة. وفي كل الأحوال هذا المشروع الآن هو "ملك للشعب الليبي"، وأمامه الشعب الليبي ليقبله أو يرفضه في الاستفتاء العام. وهذا يعني أن من يملك صناعة الدستور فعليا هو الشعب الليبي والذي شارك منذ البداية في انتخاب الهيئة التأسيسية من مختلف أنحاء ليبيا، وشارك في تقديم المقترحات والآراء من خلال جولات التواصل المجتمعي والملتقيات العديدة  لكثير من شرائح وفئات الشعب الليبي مع أعضاء الهيئة التأسيسية، ومشاركة الشعب في صناعة الدستور من خلال الاستفتاء العام وقول كلمته الفاصلة والتي أنا على يقين أنها ستكون بإذن الله تعالى ( نعم للدستور )، لأنه هو الحل الحقيقي والأنسب للخروج بالبلاد من مستنقع الدماء وواقع التشريد والتهجير والتقتيل، إلى مرحلة استقرار وأمن يسود فيها التداول السلمي على السلطة ويعود فيها الليبيون والليبيات إلى ديارهم وأهلهم، وتقوم الدولة الليبية الجديدة على أسس المودة والمحبة والمصالحة الحقيقية القائمة على تحقيق العدالة وجبر الضرر والتعويض المادي والمعنوي.

رابعاً:

من الواجب أيضا التعريف بأسلوب صناعة الدستور الليبي مقارنة مع غيره: يتفق الفقه الدستوري على أن الآلية الحديثة لصناعة الدساتير تتمثل في أسلوبين هما:

(1) الأسلوب الأول - الجمعية الوطنية التأسيسية (هيئة منتخبة من الشعب): تقوم السلطة الحاكمة المؤقتة بالعمل على أن ينتخب الشعب جمعية وطنية (هيئة تأسيسية) تحوز على ثقته ويخوّلها كافة السلطات من أجل وضع الدستور الدائم للبلاد. أعضاء هذه الجمعية (الهيئة): يتم انتخابهم من مختلف أنحاء البلاد وفقاً لقانون الانتخاب، ويكون أعضاؤها من فئات مختلفة ويحملون رؤى وافكار وتوجهات مختلفة، وثقافات متباينة.  وما لم يشترط قانون الانتخابات تخصّصات أو مؤهلات علمية محدّدة، فقد يكون أعضاء الجمعية الوطنية (الهيئة التأسيسية) من عامة الشعب وليس بالضرورة أنهم يحملون أي مؤهلات لها علاقة بالشأن الدستوري. هذه الجمعية الوطنية التأسيسية: هي (هيئة تأسيسية أصلية) مخوّلة كافة السلطات من الشعب وهي السلطة العليا في البلاد، وتعلو كل السلطات، وتقوم بتسيير شؤون الدولة وتعمل على وضع دستور تعتمده وتصادق عليه، وتصدر قانون انتخابات عامة وفق أحكام الدستور، وتشرف على الانتخابات، وتنحل الجمعية  التأسيسية حال الانتهاء من انتخاب السلطات العامة وفق أحكام الدستور واستلامها مقاليد السلطة. ( وهذا هو الأصل في مفهوم الجمعية الوطنية التأسيسية أو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور)، والمنتخبة مباشرة من الشعب. كما أن الفقه أكد دائما على أن (السلطة التأسيسية) هي أعلى سلطة في الدولة ولا تخضع لرقابة أي جسم في البلاد وتعلو كل السلطات، ولا تخضع للقوانين النافذة. وهذا الأسلوب تم اتباعه مؤخرا في تونس: حيث انتخب الشعب التونسي سنة 2011 (المجلس الوطني التأسيسي) والذي اصبح هو السلطة العليا في الدولة وقام بتكليف رئيس للدولة وحكومة، كما أصدر المجلس التأسيسي دستور سنة 2014، وأصدر قانون الانتخابات العامة التشريعية، والرئاسية. وتم تسليم السلطة بعد ذلك للسلطات الدستورية المنتخبة وفقاً لأحكام الدستور.

(2) الأسلوب الثاني - الاستفتاء الدستوري (لجنة تختارها السلطة الحاكمة): تقوم السلطة الحاكمة بتعيين أو وضع آلية لانتخاب (لجنة أو هيئة) تقوم بتحضير مشروع دستور وعرضه على الشعب لاستفتائه وموافقته عليه حتى يصبح دستورا نافذ المفعول. ولا يكون لهذا المشروع أي قيمة قانونية إلا بعد موافقة الشعب عليه وفقاً للأغلبية المطلوبة. ومن المتفق عليه والمعمول به هو أن أعضاء ( لجنة الدستور أو الهيئة) الذين يتم اختيارهم وتعيينهم من السلطة الحاكمة، أو عن طريق انتخابهم عن طريق (هيئة انتخابية)، وهم عادة من المتخصصين الأكفاء في الشأن الدستوري. وهذا الأسلوب تم العمل به في مصر بإصدار الدستوري المصري لسنة 2012، وأيضا الدستور المعدّل لسنة 2014م‘ حيث تم انتخاب (الجمعية التأسيسية) عن طريق (هيئة انتخابية من السلطة التشريعية).

(3) الأسلوب الليبي: يدمج بين الاسلوبين، هناك هيئة منتخبة من الشعب ومقيّدة بإصدار مشروع يتم الاستفتاء عليه. وهذا ما جاء في الإعلان الدستوري الصادر يوم 3 أغسطس 2011 وتعديلاته اللاحقة . والخلاصة أن الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور هي هيئة منتخبة من الشعب الليبي لصياغة مشروع دستور،  ويطرح بعدها للاستفتاء عليه للشعب بأغلبية ثلثي المقترعين. وهناك دراسة مفصلة بعنوان: (أساليب صناعة الدساتير في دول الربيع العربي -  دراسة مقارنة بين تونس - مصر -  ليبيا)، منشورة على الشبكة الدولية.

خامساً:

جاء قولك تكرارا لما سبق طرحه في مقالتك السابقة: " على ملاحظاتي حول الباب الثالث الغير مكتملة والتي كنت انوي ان اتحدث عن الكثير من المثالب والاخطاء الجسيمة الموجودة في مقترح الدستور المقدم من لجنة اعداد الدستور التي كما اشرت سابقا في مقالتي السابقة انها ستكون لها اثار وخيمة علي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الليبية.."

التوضيح: أنت لا تزال مصرا على "الكثير من المثالب والأخطاء الجسيمة .... والتي ستكون لها آثار وخيمة... ". السيد/ هيبة.. عليك أن تعرف أنه لا يمكنك أن تتنبأ بمستقبل ليبيا من الخيال.. ولكن عليك أن تعيش الواقع في ليبيا وفي مدن وقرى وواحات ليبيا... في مخيمات المهجرين والنازحين والمشردين داخل مدن ليبيا وقراها، وفي البدان المجاورة كتونس ومصر وغيرها وهم يعانون ويقاسون كل أشكال الذل والقهر على مدى أكثر من 5 سنوات حتى الآن... عليك أن تحاول أن تجد إن كان هناك حلاً حقيقياً يتضمنه مشروع الدستور لحقن دماء الليبيين والليبيات وتجفيف الدموع من مآقي الأمهات والزوجات والشيوخ والأطفال.. عليك أن تتفهّم ذلك وأن تتمسك به وتدعو له بكل قوه وتدعمه.. لأنك سيدي الفاضل لا تعرف الحقيقة كاملة... أنت لا تعرف لماذا نحن ندفع بكل قوة من أجل إيصال هذا المشروع التوافقي للشعب الليبي داخل ليبيا وخارجها ليقولوا كلمتهم الفاصلة..  سيدي الفاضل إن الحقيقة التي قد لا تراها كاملة هي أن ليبيا ممزّقة ومفتتة... وأن الشعب الليبي أصبح منقسما على نفسه... وهناك من يريد الاستمرار في هذا الوضع لغاية في نفسه... وهناك من يجد هذا الوضع مناسبا لتحقيق أهدافه للتسلط ... هناك من يريد دولة دينية وهناك عكس ذلك. هناك من يريد دولة مركزية وهناك عكس ذلك. هناك من يريد دولة مدنية وهناك عكس ذلك. هناك من يريد دولة فدرالية وهناك عكس ذلك. وهناك من لا يريد دولة.. كل هذه الفرضيات كانت قائمة منذ سنة 2011  ولا تزال قائمة حتى الآن.

السؤال هو: هل يجب أن يكون دستوراً لفئة معينة؟  هل هو لطائفة معينة؟ هل هو لقبيلة معينة؟ هل هو لمنطقة معينة؟ هل هو لاتجاه سياسي معين؟ هل هو لفكر ديني أو علماني معين؟.... الإجابة: الدستور لكل الليبيين والليبيات داخل ليبيا وخارجها. وهنا يبرز سؤال آخر: لكن كيف يمكن الجمع بين كل المتناقضات؟

الإجابة: إن ما يجمع بين المتناقضات هو التوافق. التوافق يعني ترجيح مصلحة عليا على كل المصالح الشخصية والقبلية والسياسية والجهوية والفكرية.  والمصلحة العليا التي أتكلم عنها وتم ترجيحها في "مشروع الدستور " هي مصلحة ليبيا وبناء ليبيا الجديدة.

في التاريخ الدستوري الأمريكي هناك مصطلح يعرف باسم: "التوافق العظيم The great Compromise"  والذي كان من ابداع السياسي والمفكّر (بنجامين فرانكلين)، وهذا التوافق هو السبب الرئيسي في قيام الولايات المتحدة الامريكية سنة 1787 بصدور الدستور الاتحادي والذي تضمن ثنائية السلطة التشريعية والتأكيد على مساواة التمثيل في مجلس الشيوخ ليكون (عضوين عن كل ولاية من الولايات وعددها حينها 13 ولاية، وأصبحت الآن 50 ولاية بنفس الكيفية وهي أكبر دولة موحدة من حيث القوة والتماسك). مجلس الشيوخ الأمريكي هم صمّام الأمان لاستمرار الولايات المتحدة الأمريكية كدولة واحدة. (ولاية فيرمونت عدد سكانها 600 ألف نسمة) عدد ممثليها (  1 في مجلس النواب و2  في مجلس الشيوخ)، (ولاية كاليفورنيا عدد سكانها 35 مليون نسمة)، عدد ممثليها ( 53 في مجلس النواب و 2 في مجلس الشيوخ). هذا هو مفهوم المواطنة الحقيقية، المواطنة ليست عدد رؤوس، المواطنة الحقيقية هي : (قيمة وانتماء وعطاء ومشاركة حقيقية في بناء الدولة وتقرير مصيرها).

سادساً:

عض ما جاء في مقالتك لن أرد عليه وذلك لسببين... أولاً: لأن كثير مما تقوله في مقالتك هذه، كنت قد تناولته في ورقتي السابقة والتي من الواضح أن حضرتك لم تطالعها بعناية، حيث أن كل ما وصفتها به هو (أنها مرافعة قانونية أمام محكمة، ومرة أخرى تصفها بالمهارة القانونية)، وأرجو إعادة مطالعتها لعلّك تجد بعض الأجوبة، باستثناء كونها (مرافعة قانونية). ثانياً: لأنه وبكل صراحة، ما ذكرته لا يعبّر عن رأي اكاديمي حقيقي.. بل هي جملة من الرؤى والأفكار التي تختمر في عقلك دون حجة أو برهان حقيقي، والاستناد إلى دراسات أمريكية (حسب علمك كما تقول)، ليست بالضرورة أن تكون استناداتك صائبة، كما أنه ليس بالضرورة أيضا أن تكون تلك الدراسات صحيحة، وعلى فرضية أنها كانت صحيحة ليس بالضرورة أن تكون قابلة للتطبيق بنجاح في كل المجتمعات الانسانية، وأنا أكاد أجزم، أن  تلك الدراسات لم تتضمن أي شيء حول التحول الديمقراطي في ليبيا. وفي رأيي الشخصي أن ما تقوله لن يتعدّى كونه محاولة، واعتبرها أنها كانت محاولة غير سديدة  للتقليل من شأن أنظمة حكم مختلفة كالرئاسي والمختلط (والتي هي سائدة في عشرات الدولة المختلفة في أنحاء العالم)، فقط  بحجة أن المجتمع الليبي وكما تقول هو: (مجتمع تكاد تنعدم فيه كل قيم الديمقراطية ولم تترسخ فيه بعد معالم وقيم ومبادئ العمل الديمقراطي)، في حين أرى أنك تعظّم من شأن النظام البرلماني والذي تتبناه هو أيضا عشرات الدول،  ولكن دون الإشارة إلى ذات المجتمع الليبي الذي وصفته بانعدام كل قيم الديمقراطية فيه...!!

سابعاً/ آليات إدارة الخلافات بشكل سلمي:

سيد/ هيبة... إن ما ذكرته أنا وما هو وارد في مشروع الدستور من آليات لإدارة الخلافات بشكل سلمي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لم تقتنع بها أنت في ظل النظام المختلط، ولكنك على استعداد لأن تقتنع بها في ظل النظام البرلماني الذي أنت من انصاره، وبالرغم من أن هذه الآليات هي آليات دستورية حاكمة لكل السلطات في الدولة سواء كان النظام مختلط أو غير ذلك. وهذا هو ما يعرف بالتعصّب للرأي ولو كان خاطئاً، وهذه هي المشكلة التي أتكلم عنها دائما وحلّها هو عدم التعصّب للرأي وضرورة إيجاد حلول توافقية حقيقة تضمن تحقيق المصلحة العامة. حضرتك وكما تقول أنك متخصص في العلوم السياسية المقارنة، واعتقد من أهم أصول ومبادئ وأسس السياسة الحقيقية هي محاولة إدارة المفاوضات واللقاءات بشكل سلمي ودبلوماسي بهدف الوصول إلى مواءمات وتوافقات عندما يثور خلاف ما بين طرفين أو أكثر. واعتقد أنه من الوجب علينا جميعا أن نحاول بكل ما لدينا من جهد وقوة للوصول إلى توافقات حقيقية من أجل بناء ليبيا الجديدة، للخروج من المرحلة الانتقالية التي طال أمدها والتي لا تخضع لأي قانون أعلى يحكمها ويحكم السلطات العامة المؤقتة فيها. ومن المقرّر في مشروع الدستور أن هناك آلية لإجراء التعديلات الدستورية اللازمة خلال فترة محددة دستورياً.

سيد هيبة/... هناك سؤال طرحته على نفسك، وهو: كيف يحق لرئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من الشعب أن يدعو الشعب الي انتخابات برلمانية جديدة قبل أن تنتهي فترة ولاية مجلس النواب أو مجلس الشيوخ المنتخبين أيضا من الشعب مباشرة؟ سؤال وجيه جدا، ولكنه لا يستند إلى أي أساس حقيقي. حيث أن مشروع الدستور لم ينص على أن رئيس الجمهورية يدعو لانتخابات تشريعية على الإطلاق.  هناك نصوص دستورية تحكم آلية الانتخابات سواء الرئاسية أو التشريعية، وهذا ما يعرف في الفقه الدستوري وفي صناعة الدساتير " بالوجوب الدستوري".  أي أن هذه الاليات هي وجوبية بحكم الدستور وما يتم من إجراءات لتفعيلها هي اجراءات وجوبية بحكم الدستور والقانون. النص الدستوري الوارد في المادة (121 – إجراءات حل السلطة التشريعية) جاء فيه آلية: "عرض حل أحد المجلسين في استفتاء عام". وهذا يعني أن الرئيس لا يملك أن يحل أي من المجلسين، ولكن وفق آلية محددة دستوريا له عرض الحل على الشعب للاستفتاء عليه، وفي كل الأحوال فإن الشعب هو مصدر كل السلطات. وجاء في (المواد 79، 87 - مدة ولاية مجلس النواب ومجلس الشيوخ  محددة بأربع سنوات، وتجرى الانتخابات التشريعية للمجلس الجديد خلال 90 يوماً السابقة لانتهاء مدة المجلس). والمادة (106- ايلولة اختصاصات أحد المجلسين للآخر، وذلك إلى حين انتخاب مجلس بديل). وكما أن هناك إجراءات لحل أحد المجلسين، هناك أيضا آليات لاتهام رئيس الجمهورية وعزله وذلك وفق الآلية الدستورية الواردة في المادة (122- اتهام الرئيس).

ثامناً/ التحامل غير المبرر على المكونات الثقافية واللغوية:

سيد هيبة/ أنا لا أتفق معك في تحاملك غير المبرر على المكونات الثقافية واللغوية وهم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للشعب الليبي، وهو شريك حقيقي في بناء ليبيا الجديدة والتي هي لكل الليبيين والليبيات داخل البلاد وخارجها دون أي تمييز. الهوية الليبية الجامعة هي الهوية التي تجمع كل الليبيين والليبيات بكافة أعراقهم وثقافاتهم ولغاتهم، وهذه الهوية هي التي تشكل النسيج الاجتماعي للدولة الليبية تاريخيا والتي تربطها جميعا وحدة المصير وحب ليبيا والعطاء الحقيقي لهذا الوطن والتضحية في سبيله.

تاسعا/ التوزيع الأفقي للسلطة:

سيد هيبة/ كما أنني لا اتفق مع محاولتك لترسيم آلية جهوية صرفة تقوم على مفهوم المحاصصة، بالرغم من أن الرؤية المطروحة من خلال النصوص الواردة في مشروع الدستور تؤكد على توزيع أفقي للسلطة يقوم على التوازن وحفظ الاستقرار وضمان الحفاظ على وحدة الدولة وهو ما تم تأكيده في مشروع الدستور بديباجته ومواده. وهذا التوزيع الافقي للسلطة يقوم جغرافيا بداية من أعلى هرم السلطة من خلال ثنائية السلطة التشريعية وفق آلية محددة للانتخاب والاختصاصات وآلية الرقابة والمساءلة، كما أن ذلك يقوم من خلال آلية انتخاب رئيس الجمهورية ومشاركة كل الليبيين والليبيات في ذلك، وكيفية تعيين رئيس الحكومة وآلية مساءلتها وسحب الثقة منها، إضافة إلى نظام حكم محلي يقوم على اللامركزية الموسعة من حيث تقسيم البلاد إلى محافظات وبلديات وفق معايير محددة، واختصاصاتها وآلية التمويل المركزي والمحلي، واجراء انتخابات محلية لانتخاب مجالس البلديات والمحافظين. كما أن هناك آلية بخصوص التنمية المكانية وتوزيع عادل ومناسب للثروة وبما لا يخل بحقوق مناطق الانتاج والمناطق الأقل نموا وبما يحفظ حقوق الأجيال القادمة من خلال نسبة محددة من العوائد لاستثمارها لضمان حقوق الأجيال القادمة.

الخلاصة:

إن مشروع الدستور الليبي أقرّته الهيئة التأسيسية يوم الثلاثاء الموافق 19/ 4/ 2016م، بمقر الهيئة بمدينة البيضاء العريقة وبأغلبية معززة من أعضائها (37 عضوا وعضوة). هذه الهيئة المنتخبة من الشعب الليبي لصياغة مشروع الدستور قد أنهت وانجزت هذا المشروع وهو الآن ملك للشعب الليبي وله وحده قول كلمته فيه من خلال ممارسة حقه الدستوري في الاستفتاء العام لتقرير مصيره، إما بالقبول ليكون دستورا نافذا أو بالرفض ليعود مرة أخرى للهيئة لإجراء التعديلات اللازمة عليه وطرحه للاستفتاء مرة أخرى. وما أرجوه من الجميع هو مطالعة هذا المشروع التوافقي والذي توافق عليه (37 عضوا وعضوة من أعضاء الهيئة التأسيسية من مختلف الدوائر الانتخابية بمختلف أنحاء ليبيا)، وبعد المطالعة الوافية والعميقة، يمكن لكل منا أن يلاحظ ويجد كثير من الايجابيات التي يتقبلها، ولكن ما قد لا يتقبله البعض أرجو أن يكون واضحا أنه قد يكون مقبولا عند مواطن ليبي آخر أو مواطنة ليبية أخرى من مكان وفي بقعة أخرى من ليبيا قد تبعد آلاف الكيلومترات.

سيد هيبة... اتمنى من حضرتك أن تبذل جهدك لفهم هذا المشروع والتمسك بكل الايجابيات فيه، ودعمه من أجل ايصاله للشعب الليبي لقول كلمته، ولبناء ليبيا الجديدة وفق مبدأ دولة القانون حيث تخضع الدولة لحكم القانون ولا يكون أحد فوق القانون، وأنه لا حصانة لأحد من المثول أمام القضاء. حفظ الله ليبيا.

عمر النعاس

م25/8/2016

* راجع: إبراهيم هيبه: مقترح الدستور المقدم من هيئة اعداد الدستور وبعض الردود والتوصيات

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
على | 30/08/2016 على الساعة 19:27
رد علمي
الاستاذ عمر النعاس السلام عليكم، اكبر فيك روح الوطنية التي عرفتها فيك عن قرب ومن خلال متابعة كتاباتك، وان ما اوردته في هذه المقالة جيد جدا ورد علمي على الكثير من الانتقادات الغير موضوعية والتي يحاول البعض تمريرها، انا اتفق معك تماما في ان مشروع الدستور متوازن وتوافقي، وهو بالتاكيد سيكون الحل الذي سينقذ البلاد مما تواجهه من مخاطر .. بالتوفيق وبارك الله فيك.
Ghoma | 27/08/2016 على الساعة 00:33
Constitutions Are Not Techiques, Original Ideas
John Keats wrote "Nothing ever becomes real 'til it is experienced" the drafted Constitution is still modifiable until people said their last word. But you seem to take the vote of 37 individuals as a final say. Or if not then your love of technique had distracted you and your colleagues from the main purpose. The task was not going around reading other countries ink-on-paper, especially from the neighbors, then borrow some from here and some from there and call it a day, but rather to absorb as much as humanly possible the latest in philosophy, sociology, economics, and many other fields of human endeavors and deliberate long enough to come up with an original document, not to solve the problems of Libyans today, but rather to put down the blueprint for a city on the hill of tomorrow. Thanks. Ghoma
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع